بجامعة الأزهر أعجب من الحملات المتلاحقة على الإمام البخاري، وعلى صحيحه الذي أسماه «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه»، وهو كتاب دوَّن فيه 7593 رواية، وبعد حذف المكرَّر يقترب العدد من 4000 رواية، وقيل: أقل من ذلك.
ولم يكن البخاري أول المدوِّنين للمحفوظات الحديثية، كما لم يكن آخرهم، فقد سبقه كثيرون، وتبعه الأكثرون.
البخاري متطوع في تدوينه للمحفوظات الحديثية خدمةً للأجيال القادمة
لقد بذل البخاري في جمع وتدوين "جامعه المسند" وسعه، على وجه التطوع، فهو ليس موظفًا حكوميًا، ولا أجيرًا في تنظيم أو جماعة تصف نفسها بالدينية، والذي دفعه إلى هذا الجهد المشكور هو خدمة الأجيال القادمة التي لم تحظ بالاستماع من حفظة جيله، فقال في مقدمة جامعه: "صنفت كتابي الجامع في ست عشرة سنة، خرَّجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى."
وبذلك لم يدَّعِ البخاري حُجِّيَّة ما جمعه من روايات على الناس، وإنما نصَّ على أنها حجة فيما بينه وبين الله تعالى دون الناس، فاستحلَّ لنفسه حذف واستبعاد ستمائة ألف رواية حديث غير الأربعة آلاف التي وافقت شروطه التي وضعها لنفسه، وقيَّد بها تدوينه، من واقع إنسانية فطرته، واستيعاب عقله، وطمأنينة قلبه، وليس بزعم الوحي السماوي، أو بادعاء الرؤية المنامية، أو بإلزام سلطانٍ متغلب.
ولذلك كان البخاري يرى اجتهاده في نظام جمعه للمرويات الحديثية وتدوينها صوابًا يحتمل الخطأ، كما كان يرى مثل ذلك في اجتهاد غيره، ولم يتهم أحدًا من المدوِّنين بالتفريط، كما لم يتهمه أحد منهم بالتشدد، فالكل ينشد الحق الذي جعله الله غيبًا، واختصَّه لنفسه؛ كما قال تعالى: ﴿الحق من ربك فلا تكونن من الممترين * ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا إن الله على كل شيء قدير﴾ [البقرة: 147-148].
ولم يدَّعِ البخاري، أو غيره من سائر المدوِّنين للمرويات الحديثية، أنه سمع تلك الروايات من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هي على عهدة من قصَّها عليه، ورواها عن شيخه، وعهدةُ كلِّ من ورد اسمه في السند على عهدة سابقه.
المتلقي للمرويات الحديثية سيد قراره
إن المتلقي للمرويات الحديثية سيدُ قراره في تصديق ذلك أو تكذيبه بحسه الإيماني؛ لأنه لم يسمع الحديث مباشرة من الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يراجع ما نُسب إليه، ولم يدوِّنه بنفسه، فكانت المسؤولية في إثبات الرواية حديثًا نبويًا على المتلقي، كما قال الإمام علي بن أبي طالب، فيما أخرجه أحمد عنه، قال: "إذا حُدِّثتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا، فظنوا به الذي هو أهدى، والذي هو أهيأ، والذي هو أتقى." وفي لفظ: "إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا، فظنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أهياه، وأهداه، وأتقاه."
والحديث النبوي الثابت برواية الآحاد ليس أولى من القرآن الكريم الثابت بالتواتر، ومع ذلك فقد جعل الله الإيمان به خيارًا للإنسان بحسه الإيماني، كما قال تعالى: ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: 29].
وقد اطمأن قلب أكثر الفقهاء، وعامة المسلمين، إلى أكثر المدونات الحديثية، وتأويل المتعارض فيها؛ من باب حسن الظن بمدونيها، ولمنطقية متونها، فليس من حق مخالفيهم مصادرة حقهم في ذلك.
براءة البخاري، أو غيره، من التعقيب عليه ببعض ما دوَّنه
بمسؤولية المتلقي في قبول أو عدم قبول المدونات الحديثية - كلها أو بعضها - يبرأ البخاري وسائر المدوِّنين من التعقيب على بعض ما ورد في مدوناتهم، وتقف مسؤوليتهم عند أمانة التدوين والإخراج، أو النشر بلغة العصر، دون التثبت من صحة نسبة متن الحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد وُلِد البخاري بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بمائة وثلاث وثمانين سنة، حيث كانت وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم سنة 11هـ في المدينة المنورة، ثم كان مولد محمد بن إسماعيل البخاري سنة 194هـ في بلدة "بخارى" التي تقع الآن في جمهورية أوزبكستان بقلب آسيا الوسطى، وكان أبوه من علماء الحديث النبوي، فنشأ في بيت علم الحديث، وفي طفولته مات أبوه، فصار يتيمًا في حجر أمه التي أكملت معه رحلة تكوينه العلمي في "بخارى" والأقاليم المجاورة، وتابعته في ملازمة حلقات الدروس، وحفظ المتون، ثم سافرت لأداء فريضة الحج سنة 210هـ، واصطحبته معها وهو في السادسة عشرة من عمره، فكان هذا أول خروج له من آسيا الوسطى إلى بلاد العرب، وبعد انتهاء مناسك الحج عادت الأم إلى وطنها، وتركت ولدها "محمد إسماعيل البخاري" في الأيدي الأمينة مع علماء الحديث في مكة والمدينة؛ ليزداد علمًا، ويصير مرجعًا مثلهم، وتحققت أمنية الأم، حتى إنه لما بلغ الثامنة عشرة من عمره صنف كتابه "التاريخ الكبير" عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وتبعه بالكثير من المصنفات.
ميلاد فكرة جمع البخاري وتدوينه لجامعه الصحيح
يحكي البخاري بنفسه - كما أخرجه ابن حجر العسقلاني (ت: 852هـ) في مقدمة كتابه "فتح الباري شرح صحيح البخاري" - أنه بينما كان في زيارة للشيخ الكبير إسحاق بن راهويه (161-238هـ)، في مقر إقامته بنيسابور - شمال شرق إيران - وهو من كبار الحفاظ للمرويات الحديثية، وقد خشي على تلك المرويات من الاندثار بسبب تداولها الشفهي، مع ندرة الحفاظ، وظهور جيل المدونين من الشباب، ومنهم البخاري، الذي رآه الشيخ ابن راهويه مع آخرين من المدونين المهتمين بعلم الحديث في مجلسه، فقال الشيخ لهم: "لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟"
قال البخاري: "فوقع هذا القول في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب في ست عشرة سنة." وقد أنجزه سنة 248هـ، أي قبل وفاته بثماني سنوات، حيث كانت وفاته سنة 256هـ، مما يدل على أنه بدأ في جمع صحيحه وهو في سن الثامنة والثلاثين، وانتهى منه وهو في سن الرابعة والخمسين.
فوائد تدوين المحفوظات الحديثية
الجدير بالتنبيه هو فلسفة التدوين للمحفوظات الحديثية بدلًا من بقاء تداولها شفاهة؛ لأسباب عديدة، منها حماية تلك المحفوظات من النسيان، وصونها من التحريف والتزييف، بالإضافة إلى الانتفاع بحضارة التدوين التي كانت جديدة على العرب المعتمدين على الذاكرة الشفهية.
والأعظم في هذا التدوين للمرويات الحديثية هو غلق باب الوضع بالرواية المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يُستقبل من زمان، وإن كانت لم تغلق هذا الباب قبل تمام التدوين، فلو كان زمان الرواية الشفهية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باقيًا، لتمكن الباطنيون الساعون إلى اختطاف الحاكمية، والمختبئون تحت غطاء التصوف، من اختلاق الأحاديث التي تبرر سيطرتهم الروحية على أتباعهم، وهم ينسبونها اليوم إلى التجربة.
بداية الحلم بتدوين المحفوظات الحديثية:
لقد بدأ حلم تدوين المحفوظات الحديثية في الخلافة الأموية، منذ إمارة عمر بن عبد العزيز سنة 99هـ، فأنشأ لذلك "ديوان الحديث"، ولكنه لم يثمر عن نتائج ملموسة؛ لأسباب تحتاج إلى دراسة، مع ضيق وقت الدعم للفكرة، حيث مات الأمير بعد ثلاث سنوات من إمارته سنة 101هـ.
ثم انتقل حلم تدوين المحفوظات الحديثية إلى الخلافة العباسية، منذ إمارة أبي جعفر المنصور سنة 136هـ، وفشلت الفكرة أيضًا، فقد أرسل أبو جعفر المنصور، بعد حين من إمارته، إلى الإمام مالك، وقال له: "يا أبا عبد الله، ضم هذا العلم، ودوِّن كتبًا، وجنب فيها شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس، وشواذ ابن مسعود، واقصد أواسط الأمور، وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة، ولئن بقيت لأكتبن كتابك بماء الذهب، ثم لأعلقنه في الكعبة، ولأحملن الناس عليه."
فقال له مالك: "يا أمير المؤمنين، إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في البلاد، فأفتى كل في مصره بما رآه، فلأهل هذه البلاد قول، ولأهل المدينة قول، ولأهل العراق قول، وإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث وروايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا له، من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوا شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم." فوضع مالك "الموطأ"، فقال أبو جعفر المنصور: "لو طاوعتني على ذلك لأمرت به." ولم يفرغ منه حتى مات أبو جعفر المنصور (ت: 158هـ).
وقد حكى الإمام مالك ذلك بنفسه، عن سبب تأليفه لكتابه "الموطأ"، وأخرجه عنه القاضي عياض (ت: 544هـ) في "ترتيب المدارك وتقريب المسالك"، وإبراهيم بن فرحون (ت: 799هـ) في "الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب".
لماذا فشلت الدولتان الأموية والعباسية في مشروع تدوين الأحاديث النبوية؟
إن المتأمل في فشل الدولتين - أو الخلافتين - الأموية والعباسية في تحقيق حلمهما في تدوين المحفوظات الحديثية سيدرك أنها مشيئة إلهية محضة، وكأنها رسالة إلى جميع الحكومات أن: ارفعوا أيديكم عن التدخل في شؤون الدين، فالدين حق خالص لله تعالى بينه وبين عباده فرادى، كل مكلف وشأنه مع الله، دون مأسسة توصف بالدينية، حكومية كانت أو تنظيمية؛ كما قال تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال: 39]، ومصير العباد إلى الله؛ كما قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد﴾ [الحج: 17].
ولذلك أنزل الله دينه في صورة وحيٍ على رسله، على أن يعلنوا انقطاع الوحي بموتهم، وأن مهمتهم محصورة في قوله تعالى: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ (المائدة: 99)، وأنهم لم يُعقِّبوا حكومةً على الناس في دين الله؛ كما قال تعالى: ﴿وما جعلناك عليهم حفيظًا وما أنت عليهم بوكيل﴾ (الأنعام: 107).
الملاحظ للجميع هو إنتاج علوم الدين وفقهه بجهود فردية غير حكومية
يشهد كل قارئٍ للتاريخ على واقع مشيئة الله تعالى في إنتاج علوم الدين وفقهه بجهود فردية محضة، مع فشل كل المساهمات الحكومية أو التنظيمية.
صحيحٌ، قد تتاجر بعض الحكومات والتنظيمات بنتاج بعض الأفراد لعلوم الدين وفقهه، ولكنها لا تُنتج جديدًا، فتلك مشيئة إلهية مشهودة، وصدق الله في قوله تعالى: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾ (الإنسان: 30)، وقوله تعالى: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ (التكوير: 29).
الجهود الفردية لعلوم القرآن والتفسير والكلام والفقه والحديث النبوي:
• القراءات العشر للقرآن الكريم جهود فردية
على صعيد نتاج علوم القرآن الكريم بقراءاته العشر، نجد النجاح الفردي، فلم يدم قرار الخليفة الثالث عثمان بن عفان (ت: 36هـ) بتوحيد قراءته على مصحفه الإمام، وتمت مشيئة الله بالتوسعة على الناس بجهود فردية، وظهرت قراءة عبد الله بن عامر الشامي (ت: 118هـ)، وقراءة ابن كثير المكي (ت: 120هـ)، وقراءة عاصم بن أبي النجود الكوفي (ت: 127هـ)، وقراءة أبي جعفر المدني (ت: 130هـ)، وقراءة أبي عمرو البصري (ت: 154هـ)، وقراءة حمزة بن حبيب الكوفي (ت: 156هـ)، وقراءة نافع المدني (ت: 169هـ)، وقراءة علي بن حمزة الكسائي الكوفي (ت: 189هـ)، وقراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري (ت: 205هـ)، وقراءة خلف بن هشام البزار (ت: 229هـ).
• تعدد مناهج التفسير للقرآن الكريم جهود فردية
وعلى صعيد التفسير للقرآن الكريم بمناهجه المتعددة، كانت الجهود الفردية هي السبيل لمن أراد الاستزادة برؤى المفسرين بالمأثور، أو بالمعقول، أو باللغة، كأفراد، ومنهم الطبري (ت: 310هـ)، وفخر الدين الرازي (ت: 606هـ)، والقرطبي (ت: 671هـ)، والنسفي (ت: 710هـ)، وابن كثير (ت: 774هـ)، وغيرهم ممن اشتغل على نفسه في علوم التفسير.
• تعدد نظريات المسائل الكلامية جهود فردية
وعلى صعيد علم الكلام في أسماء الله وصفاته، الذي أُطلق عليه مؤخرًا علم العقيدة، كانت الجهود الفردية هي الأساس في انطلاقه واتساعه، ومن هؤلاء المؤسسين لهذا العلم بجهودهم الفردية المتنوعة: واصل بن عطاء (ت: 131هـ) صاحب المدرسة المعتزلية، وأبوالحسن الأشعري (ت: 324هـ) صاحب المدرسة الأشعرية، وأبومنصور الماتريدي (ت: 333هـ) صاحب المدرسة الماتريدية.
وقد كانت الدولة العباسية قد فكرت في تعميم الفكر الاعتزالي القائل بخلق القرآن، ففشلت وتابت، وكان هذا الفشل في إمارة المأمون (ت: 218هـ) عبد الله بن هارون الرشيد، ثم المعتصم (ت: 227هـ) محمد بن هارون الرشيد، ثم الواثق (ت: 232هـ) ابن المعتصم، وبموته أعلن أخوه المتوكل (ت: 247هـ) توبة الدولة عن التدخل في دين الله، الذي اختصه لنفسه مع خلقه كأفراد، دون واسطة أو وصاية.
• تعدد الرؤى في المسائل الفقهية العملية جهود فردية
وعلى صعيد علم الفقه للمسائل العملية - في الإمامة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والزواج، والبيع، والإجارة، وسائر العقود المدنية، والقضاء، والشهادة، والمطعومات، والقتال، ونحو ذلك مما يتعامل فيه الناس – كانت الجهود الفردية، ولا تزال، هي الأساس في انطلاقه واتساعه، ومن هؤلاء المؤسسين لعلم الفقه وأصوله كأفراد، دون توجيه حكومي أو غطاء مؤسسي: أبو حنيفة (ت: 150هـ)، ومالك (ت: 179هـ)، والشافعي (ت: 204هـ)، وأحمد بن حنبل (ت: 241هـ)، وداود الظاهري (ت: 270هـ)، وابن حزم الأندلسي الظاهري (ت: 456هـ)، وتلامذتهم الذين لا حصر لهم، وقد اشتغلوا على أنفسهم أفرادًا.
• تعدد المدارس في جمع المرويات الحديثية وتدوينها جهود فردية
وعلى صعيد علم تدوين الحديث وتحقيقه، كان النجاح بجهود فردية محضة، وكل مدون هو صاحب مدرسة نفسه في وضع الضوابط التي التزم بها، ومن هؤلاء الذين نذروا أنفسهم لهذا العلم من تلقاء أنفسهم: أبوحنيفة (ت: 150هـ) في "مسنده"، ومالك (ت: 179هـ) في "موطئه"، والشافعي (ت: 204هـ) في "مسنده"، وعبد الرزاق الصنعاني (ت: 211هـ) في "مصنفه"، وابن أبي شيبة (ت: 235هـ) في "مصنفه"، وأحمد بن حنبل (ت: 241هـ) في "مسنده"، والبخاري (ت: 256هـ) في "جامعه الصحيح"، ومسلم القشيري (ت: 261هـ) في "مسنده الصحيح"، وابن ماجه (ت: 273هـ) في "سننه"، وأبوداود (ت: 275هـ) في "سننه"، والترمذي (ت: 279هـ) في "جامعه المختصر من السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"، والنسائي (ت: 303هـ) في "المجتبى"، المشهور بـ"سنن النسائي"، وابن حبان (ت: 354هـ) في "مسنده الصحيح"، والطبراني (ت: 360هـ) في "معجمه الصغير، والأوسط، والكبير"، والدارقطني (ت: 385هـ) في "سننه"، والحاكم النيسابوري (ت: 405هـ) في "مستدركه على الصحيحين"، والبيهقي (ت: 458هـ) في "سننه الصغرى، والكبرى، وشعب الإيمان"، وغيرهم كثير، وكلهم كان من منطلق نفسه، دون سند حكومي أو دعم مؤسسي.
إن المتفرغين اليوم للهجوم على البخاري وجامعه الصحيح هم أنفسهم الذين يلقون باللائمة عليه وعلى أمثاله القادرين على التدوين: لماذا تركتم تدوين محفوظات الحافظين للمرويات الحديثية في عصوركم، وضيَّعتم على اللاحقين ثروة معلوماتية، وقد حباكم الله موهبة التدوين؟ والله تعالى يقول: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾ (البقرة: 282).
إن كل الخادمين للعلم يستحقون الشكر والمثوبة، ولو كان علمهم خارج اهتمامات البعض، أو غير مقبول عند البعض؛ لأن العلم كاشف عن وجه من وجوه الحقيقة، وليس مؤسسًا للحقيقة، والمعلومات لا تُلزم صاحبها بقرار، وإنما تمكنه من اتخاذ القرار عن بصيرة، كما قال تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾ (يوسف: 108).