ضمن خطة النشاط الثقافي والأدبي لنادي أدب سنورس، أُقيمت ندوة أدبية بعنوان «المشاهد الأدبية والجغرافيا الثقافية للفيوم»، بمشاركة الأديبين د. عمر صوفي وأحمد طوسون، في لقاء تناول العلاقة المتبادلة بين الأدب والمكان، وكيف تتحول الجغرافيا من مجرد حدود وإحداثيات إلى ذاكرة وهوية وحكاية إنسانية.
واستهل د. عمر صوفي الندوة بالتأكيد على أن العلاقة بين الجغرافيا الثقافية والأدب علاقة تفاعلية؛ فالمكان لا يكتفي بتشكيل ملامح المجتمع وثقافته، وإنما يمنح النص الأدبي جزءًا من روحه ومناخه ودلالاته، بينما يأتي الأدب ليعيد اكتشاف المكان وتقديمه بصورة تتجاوز الخرائط، ليصبح «فضاءً محمّلًا بالمعاني والدلالات».
وتناول صوفي مفهوم صناعة المكان الأدبي، موضحًا أن الأدب لا ينقل الجغرافيا كما هي، بل يعيد إنتاجها داخل النص، فتتحول المدن والأقاليم والأحياء إلى عوالم نابضة بالحياة، مستشهدًا بتجربة نجيب محفوظ في أحياء وحارات القاهرة، وتجربة جابرييل جارسيا ماركيز في «ماكوندو» التي أصبحت نموذجًا للمكان المتخيل الذي يكتسب حضوره من الأدب.
كما تطرق إلى دور الأدب في تشكيل الهوية والانتماء والذاكرة المكانية، مؤكدًا أن النصوص الأدبية تستطيع أن تحفظ تفاصيل الأماكن وتاريخها الإنساني، وأن تعكس علاقة الإنسان بجغرافيته، وما يرتبط بها من مشاعر الانتماء والحنين والاغتراب.
ومن جانبه، أوضح الأديب أحمد طوسون أن الأدب يمكن أن يكون مصدرًا مهمًا لدراسة الجغرافيا الثقافية، باعتباره وثيقة إنسانية تكشف تفاصيل الحياة اليومية والقيم والعادات والرموز الاجتماعية والعاطفية التي قد لا تستطيع الخرائط التقليدية تسجيلها.
وتناول طوسون كذلك مفهوم التنوع والحدود الثقافية، وما يقدمه الأدب من صور للتباين بين الريف والحضر، وبين البيئات والمجتمعات المختلفة، مؤكدًا أن النص الأدبي قادر على رصد الحدود غير المرئية التي تتشكل بين الثقافات والجماعات.
وأشار إلى أن أدب الرحلات يمثل أحد أبرز التجليات للعلاقة بين الأدب والجغرافيا، حتى أصبح هناك ما يمكن تسميته بـ«الأدب الجغرافي»، حيث تتداخل وظيفة المكان مع الرؤية الأدبية، فيقدم النص صورة تجمع بين المعلومة والتجربة والانطباع الإنساني.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أن الأدب والجغرافيا الثقافية وجهان لتجربة واحدة؛ فالمكان يؤثر في النص ويمنحه ملامحه ومناخه النفسي، بينما يمنح الأدب المكان حياة جديدة، ويعيد تقديمه باعتباره تجربة إنسانية تُعاش وتُروى وتبقى في الذاكرة.
وجاءت الندوة في إطار حرص نادي أدب سنورس على تقديم موضوعات ثقافية وفكرية تفتح آفاقًا جديدة أمام المبدعين والمهتمين بالأدب، وتربط الحركة الأدبية بخصوصية المكان والهوية الثقافية لمحافظة الفيوم.