السبت 22 اغسطس 2026

ثقافة

«ما بعد الهيمنة: كيف يعيد التفاهم تشكيل العالم؟».. كتاب جديد للدكتور أحمد السعيد

  • 21-8-2026 | 21:47

غلاف الكتاب

طباعة
  • ياسر علي

صدر حديثًا، عن بيت الحكمة للثقافة، كتاب: "ما بعد الهيمنة: كيف يعيد التفاهم تشكيل العالم؟"، للكاتب والمفكر دكتور أحمد السعيد، والذي يقدم فيه مشروعًا فكريًا طموحًا يتجاوز النقد إلى التأسيس. حيث يطرح الكتاب مفهوم "التنمية التفاهمية" كإطار بديل للسرديات الكبرى التي هيمنت على القرن العشرين، مثل: التحديث، وصدام الحضارات، والعولمة الرقمية. ويرتكز هذا المفهوم على فكرة أن الفهم المتبادل ليس نتيجة ثانوية للتنمية، بل شرط أساسي لها، وأن القدرة على إنتاج هذا الفهم هي البنية التحتية غير المرئية التي تحتاجها الأمم للنهوض في عالم متعدد الأقطاب.

ينطلق الكتاب من سؤال جوهري طرحه المؤلف بعد رحلة امتدت خمسة وعشرين عامًا بين العالم العربي والصين: لماذا نعرف الكثير عن بعضنا بعضا، ونظل عاجزين عن الفهم الحقيقي؟ يجيب السعيد بأن مشكلة عصرنا ليست نقص المعرفة، بل عجزنا عن تحويل المعرفة إلى فهم، مشيرًا إلى مفارقة العصر الرقمي الذي يزخر بالمعلومات لكنه ينتج فقاعات معرفية واستقطابًا حادًا.

كما يسأل الكتاب: لماذا فشلت القوى الكبرى في شراء القلوب رغم إنفاقها المليارات؟ وكيف انهارت مسلّمات العولمة مع سقوط نظرية "ماكدونالدز"؟ وما السر المشترك بين نهضة اليابان وكوريا وسنغافورة الذي تغفله النماذج المستنسخة؟ وكيف تحوّل "صدام الحضارات" من نظرية إلى نبوءة صنعت واقعها بيد من آمنوا بها؟ وأين موقع العرب -ومصر تحديدًا- في خريطة العالم الجديد؟ ثم يطرح الكتاب إجاباته في إطار نظري متكامل وخريطة طريق قابلة للتنفيذ.

فالكتاب يقدم نقدًا عميقًا لثلاث سرديات مهيمنة: سردية التحديث التي وعدت بأن النمو الاقتصادي سيؤدي تلقائيًا إلى الاستقرار والديمقراطية، لكنها اصطدمت بثورات وهزائم في إيران وروسيا والربيع العربي. وسردية صدام الحضارات التي تحولت من فرضية أكاديمية إلى نبوءة ذاتية التحقق، غذت الصراعات بدلًا من تفسيرها. وسردية العولمة الرقمية التي بشرت بأن وفرة الاتصال ستنتج فهمًا متبادلًا، لكنها أنتجت فقاعات معلوماتية واستقطابًا وتضليلًا.

وفي مقابل هذه السرديات، يستعيد المؤلف إرثين حضاريين عظيمين: الحكمة الصينية ممثلة في مفهومي "الانسجام دون توحيد" و"تيانشيا" (كل ما تحت السماء)، والتجربة العربية الإسلامية ممثلة في بيت الحكمة العباسي وفي المفهوم القرآني للتعارف. يرى السعيد أن هذه التقاليد تقدم بديلًا عميقًا للصراع والذوبان، وتؤسس لفهم يقوم على الاحترام المتبادل والتنوع.

والأطروحة المبتكرة في الكتاب هي فكرة "التنمية التفاهمية"، التي يعرفها المؤلف بأنها "هي القدرة المؤسسية والمستدامة لمجتمع ما على إنتاج فهم متبادل عميق مع المجتمعات الأخرى، بحيث تصبح هذه القدرة شرطًا بنيويًّا لتنميته الذاتية، ومحددًا جوهريًّا لموقعه في النظام الدولي". وهو تعريف مؤسسي، ومستدام، وثنائي الاتجاه، وعميق، ومرتبط بالتنمية بوصفها حقلاً معرفيًّا وسياسيًّا قائمًا، ويعبر عن رؤية تضع الفهم في قلب التنمية، لا على هامشها، وتطالب بتحويل الفهم من شعار إلى بنية مؤسسية قابلة للقياس، تشمل الترجمة، والتعليم، والبحث العلمي، والإعلام.

ويختتم دكتور أحمد السعيد الكتاب بخريطة طريق مؤسسية طموحة، تتضمن مقترحات لإنشاء "المركز العربي-الصيني للدراسات والترجمة"، وشبكة "معاهد العلوم الصينية"، وتأسيس آلية قياس منهجية سنوية لحالة التنمية التفاهمية العربية-الصينية، أسماها "المؤشر العربي السنوي للعلاقات العربية-الصينية"، وهو مؤشر سنوي يصدر بانتظام، يستند إلى مؤشرات قابلة للقياس، وذلك على غرار "تقرير التنمية البشرية" الأممي، و"مؤشر الفساد" العالمي. إلى جانب برامج طموحة للترجمة العكسية وتأهيل الكفاءات. وتأسيس إعلام جاد يتابع الشأن الصيني بعمق وأمانة، اقترح له اسم "المرصد الإعلامي العربي للشؤون الصينية". إلى غير ذلك من الاقتراحات القابلة للتنفيذ وذات الجدوى العالية.

وفي قلب هذه الرؤية، يرى المؤلف أن دورًا محوريًا ينتظر مصر، بوصفها صاحبة أقدم علاقة عربية مع الصين، وأوسع شبكة جامعية، ومركزًا ثقافيًا للعالم العربي، وهو دور يمكنها أن تلعبه إذا قررت تحويل مقوماتها إلى قدرة معرفية فاعلة.

أما رسالة الكتاب الأكثر إلحاحًا فيدخرها لقارئه العربي: أمة قضت قرنين تجيب عن أسئلة صاغها غيرها، وما زالت علاقتها بالعالم تدور حول استهلاك المعرفة أكثر من إنتاجها. والتحدي الأعمق أمامها اليوم بناء قدرة مستقلة على الفهم: فهم الذات وفهم الآخر وفهم التحولات الجارية؛ لأن الأمم تدخل التاريخ المعاصر من قدرتها على إنتاج المعرفة التي تفسر واقعها، قبل قوتها الاقتصادية وحدها.

يأتي هذا الكتاب في لحظة فارقة لا تحتمل التأجيل؛ فهو لا ينتظر انقشاع الغبار ليصف ما جرى، بل يكتب من داخل العاصفة، مؤرخًا للحظة قبل أن تكتمل، ويمتلك شجاعة تسمية العصر القادم قبل أن يستقر له اسم. وهو ليس صدى مترجمًا لخطاب غربي، بل أطروحة عربية أصيلة صيغ مفهومها المحوري -"التنمية التفاهمية"- بالعربية أولًا، من تجربة عربية ممتدة، ليقدّم نفسه إلى النقاش العالمي من موقع المنتج للأفكار لا المستهلك لها.

لقد سبق للمؤلف قراءة الصين من الداخل، لا من ترجمات الآخرين عنها، بخبرة قلّما تتوافر لباحث في العالم، وهو يكتب بعين الناقد الفاحص لا المبشر، في وقت يزداد فيه سؤال "ماذا بعد الهيمنة؟" إلحاحًا في كل عاصمة، وتتساقط الإجابات الجاهزة تباعًا، فلا يبقى أمام القارئ إلا هذا السؤال الصامد: من يفهم العالم قبل أن يحاول قيادته؟

والكتاب يتكون من: مقدمة، وثلاثة أبواب تتضمن تسعة فصول، وملحق يحوي خريطة طريق مؤسسية مقترحة، وخاتمة، ويصدر في 224 صفحة من القطع الكبير.

الدكتور أحمد السعيد، الكاتب والمترجم والناشر المصري، مؤسس ورئيس مجموعة بيت الحكمة الثقافية التي تمتد أعمالها بين القاهرة وأبوظبي وبكين. وقد أشرف على ترجمة ونشر ما يزيد على ألف كتاب صيني إلى العربية في أوسع حركة ترجمة عرفتها العلاقات العربية الصينية. وحاز جائزة الشيخ زايد للكتاب (2024)، وجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي (2021)، وجائزة الدولة الصينية للإسهام المميز في مجال الكتاب (2015). وهو حاصل على الدكتوراه من جامعة نينغشيا، وأستاذ زائر بجامعة الاتصالات الصينية، وكاتب في العديد من الصحف والمواقع العربية والصينية.

 

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة