الإثنين 24 اغسطس 2026

تحقيقات

ماكينات استرداد المخلفات في الدقي.. العبوة الفارغة تتحول إلى رصيد مالي

  • 23-8-2026 | 23:05

الماكينة

طباعة
  • محمود غانم

لم تعد زجاجات المياه البلاستيكية وعبوات «الكانز» الفارغة مجرد مخلفات ينتهي مصيرها داخل صناديق القمامة، فالتجربة الجديدة التي بدأ حي الدقي في محافظة الجيزة تشغيلها تطرح سؤالًا مختلفًا: ماذا لو أصبح التخلص من العبوة الفارغة خطوة يمكن للمواطن أن يستفيد منها؟

ففي شوارع الدقي، بدأت ماكينات مخصصة لاسترداد الزجاجات البلاستيكية والعبوات المعدنية استقبال المخلفات من المواطنين، ضمن تجربة تستهدف تغيير الطريقة التقليدية في التعامل مع العبوات الفارغة، وربط الحفاظ على نظافة الشوارع بفكرة إعادة التدوير والحصول على مقابل.

ولا تقتصر الفكرة على جمع العبوات، إذ تعتمد الماكينات على نظام للنقاط يحصل من خلاله المواطن على نقطة مقابل كل زجاجة بلاستيكية صغيرة، ونقطتين مقابل الزجاجات الكبيرة وعبوات «الكانز»، على أن تتراكم النقاط لتتحول لاحقًا إلى رصيد مالي على الهاتف المحمول.

وبذلك، تتحول العبوة التي كان مصيرها المعتاد صندوق القمامة إلى عنصر له قيمة، بينما تسعى التجربة في الوقت نفسه إلى تقليل المخلفات المتناثرة في الشوارع وتشجيع المواطنين على المشاركة في منظومة أكثر تنظيمًا لإعادة التدوير.

وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود حي الدقي لتطوير منظومة النظافة والحفاظ على المظهر الحضاري، إلا أن نجاح التجربة الجديدة يظل مرهونًا بمدى إقبال المواطنين عليها، وقدرتها على ترسيخ ثقافة إعادة التدوير وتحويل التعامل مع العبوات الفارغة إلى سلوك يومي لدى المواطنين.

وبالفعل، لاقت التجربة في أيامها الأولى إقبالًا من المواطنين، بما يعكس مؤشرات أولية على نجاحها، ويفتح الباب أمام إمكانية التوسع في تطبيقها على نطاق أوسع خلال الفترة المقبلة.

وبحسب تصريحات صحفية للمهندس محمد رزق، رئيس حي الدقي، جاءت فكرة تشغيل الماكينات في إطار جهود الحفاظ على البيئة والارتقاء بمستوى النظافة داخل الحي، أسوة بتجارب مماثلة شهدتها العاصمة الإدارية الجديدة.

وأوضح رئيس الحي أن آلية عمل الماكينات بسيطة، إذ يضع المواطن الزجاجات البلاستيكية والعبوات المعدنية داخلها، ثم يسجل رقم هاتفه المحمول، لتُضاف النقاط المستحقة إلى حسابه، وتصل إليه رسالة تتضمن تفاصيلها.

وأشار «رزق» إلى أن الفكرة تستهدف في المقام الأول الحد من إلقاء هذه المخلفات في الشوارع والحفاظ على البيئة، إلى جانب مواجهة ظاهرة «النباشين» وما تسببه من تناثر المخلفات، فضلًا عن منح المواطنين فرصة للاستفادة ماديًا من العبوات التي يتخلصون منها.

ويجري اختيار مواقع وضع الماكينات في مناطق حيوية تشهد حركة من المواطنين على مدار اليوم، بما يساعد على الحفاظ عليها وتأمينها والحد من تعرضها لأي محاولات إتلاف أو عبث، وفقًا لرئيس الحي.

وبعد امتلاء الماكينات، يجري تفريغها من المخلفات بواسطة متعهد متخصص، فيما تضم الماكينة نظامًا ذكيًا يتم فتحه باستخدام كلمة مرور، بما يسمح بإتمام عملية التفريغ بصورة منظمة.

ومن المقرر، وفقًا لرئيس حي الدقي، التوسع في نشر هذه الماكينات بمختلف أنحاء الحي خلال الفترة المقبلة، بعد تقييم التجربة والتأكد من نجاحها وتحقيقها الأهداف المستهدفة منها.

وبينما يركز حي الدقي على آلية تشغيل الماكينات والتوسع فيها، فإن أهمية التجربة تتجاوز مجرد جمع العبوات الفارغة، لتطرح تساؤلات حول قدرتها على تخفيف أعباء منظومة النظافة وتحويل المخلفات إلى مورد ذي قيمة اقتصادية.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، أن التوسع في إنشاء وتشغيل الماكينات الذكية لتجميع الزجاجات والعبوات البلاستيكية «Reverse Vending Machines» لم يعد رفاهية أو مجرد فكرة تجميلية، وإنما أصبح أحد الحلول الحديثة لإدارة المخلفات وتحويلها من عبء على المحليات إلى مورد اقتصادي يمكن الاستفادة منه.

التجارب الدولية تؤكد، حسب ما يقوله «عرفة» في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، أن هذه الماكينات ليست تجربة نظرية؛ ففي أنظمة استرداد العبوات بالدول التي طبقت هذا النموذج، وصلت معدلات استرداد العبوات المؤهلة إلى مستويات مرتفعة للغاية؛ إذ تشير بيانات دولية إلى معدل يقارب 92% في النرويج، و90% في ليتوانيا، و98% في ألمانيا، كما أن متوسط معدل الاسترداد في أنظمة الإرجاع المرتبطة بمنافذ البيع يصل إلى نحو 92%.

والأهم، كما يضيف عرفة، أن الماكينات الذكية لا تقوم بمجرد جمع الزجاجات؛ فهي تستطيع التعرف على العبوة وفرزها وضغطها، بما يقلل من تكلفة النقل ويرفع جودة المواد القابلة لإعادة التدوير، فضلًا عن أن وجود حافز مالي للمواطن مقابل إعادة العبوة يحول المواطن من مجرد منتج للمخلفات إلى شريك في منظومة جمعها واسترداد قيمتها.

ومن واقع الإدارة المحلية، يقول أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية إن تطبيق هذا النموذج في مصر يمكن أن يحقق عدة عوائد في وقت واحد: تقليل المخلفات في الشوارع، تخفيف الضغط على منظومة الجمع والنقل، رفع معدلات إعادة التدوير، توفير مواد خام للصناعة، خلق فرص عمل، وزيادة مشاركة المواطنين في منظومة النظافة.

وفي هذا الإطار، يشير إلى أنه يمكن للمحافظات وأجهزة المدن الجديدة تصميم نماذج استثمارية تسمح بمشاركة القطاع الخاص في إنشاء وتشغيل هذه الماكينات وفق ضوابط واضحة.

ويؤكد أن إقامة مثل هذه المشروعات لا ينبغي أن تتحول إلى مجال للاعتراض الشخصي أو العشوائي من أي طرف، طالما أنها تقام في إطار القانون، وعلى أراضٍ أو مواقع مخصصة، ووفق الاشتراطات البيئية والهندسية والأمنية، ودون إعاقة حركة المواطنين أو الإضرار بالمرافق العامة.

ويشدد على أنه ليس من حق أي فرد أو جهة أن تعطل مشروعًا عامًا أو استثماريًا يستهدف حماية البيئة وتحسين مستوى النظافة لمجرد الاعتراض غير المستند إلى سند قانوني.

وحسب «عرفة»، الأصل في الإدارة المحلية الحديثة أن يكون السؤال: هل المشروع قانوني؟ وهل يحقق منفعة عامة؟ وهل تتوافر له الاشتراطات الفنية والبيئية؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فالمطلوب هو تنظيم المشروع ومراقبته، وليس تعطيله.

ومن المهم أيضًا، وفقًا لـ«عرفة»، ألا ننظر إلى الزجاجة البلاستيكية باعتبارها «مخلفًا» فقط؛ فالزجاجة بعد استخدامها تتحول إلى مادة خام لها قيمة اقتصادية، وبالتالي فإن الماكينة الذكية يمكن أن تصبح نقطة اتصال مباشرة بين المواطن والاقتصاد الدائري، بحيث يتم استرداد العبوة، وفرزها، وضغطها، ونقلها إلى مصانع إعادة التدوير بدلًا من وصولها إلى الشوارع أو المصارف أو المقالب.

وفي هذا الصدد، دعا أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية المحافظات وأجهزة المدن الجديدة والقطاع الخاص إلى التوسع المدروس في الماكينات الذكية لجمع الزجاجات والعبوات، مع وضع خريطة لمواقع انتشارها أمام الجامعات، ومحطات النقل، والمراكز التجارية، والحدائق، والمدن الجديدة، والمنشآت الرياضية.

 

أخبار الساعة