الإثنين 24 اغسطس 2026

تحقيقات

إعادة تدوير القمامة والمخلفات.. التجارة الرابحة

  • 24-8-2026 | 14:29

إعادة تدوير المخلفات

طباعة
  • أماني محمد

بدأت محافظة الجيزة، تجربة ماكينات استرداد الزجاجات البلاستيكية والكانزات، كخطوة لتطوير منظومة النظافة والحفاظ على المظهر الحضاري لشوارع الدقي، بما يمثل استفادة من تلك المخلفات وإعادة تشغيلها وكذلك تشجيع المواطنين على التخلص من العبوات الفارغة بطريقة منظمة والاستفادة منها.

وقال خبراء بيئة إن إعادة تدوير المخلفات له مردود اقتصادي كبير وكذلك مردود بيئي يحمي البيئة من تلك المخلفات وخاصة البلاستيكية لما لها من خطورة.

وتستهدف الماكينات الجديدة تشجيع المواطنين على تسليم الزجاجات البلاستيكية والعبوات المعدنية الكانزات بدلًا من التخلص منها في الشوارع أو مع المخلفات المنزلية، بما يدعم ثقافة إعادة التدوير ويسهم في تقليل حجم المخلفات، ضمن توجه يستهدف تحويل بعض المخلفات إلى قيمة يستفيد منها المواطن، من خلال حصوله على مقابل مالي عند تسليم العبوات وفقًا لآلية التشغيل المعتمدة للماكينات.

ويضم الموقع الجديد بشارع سليمان أباظة 4 صناديق قمامة هيدروليكية، تصل السعة الاستيعابية للصندوق الواحد إلى نصف طن، وتوضع الصناديق داخل غرف خرسانية معزولة بالكامل تحت الأرض، بما يحد من وصول النباشين إلى المخلفات، ويقلل من انتشار الروائح الكريهة وتجمعات الحيوانات الضالة.

 

مردود اقتصادي وبيئي

قال الدكتور تحسين شعلة، الخبير البيئي وأستاذ التكنولوجيا الحيوية، إن فكرة إعادة تدوير المخلفات التي بدأ تطبيقها بماكينات استرداد العبوات البلاستيكية في محافظة الجيزة خطوة مهمة في ملف التعامل مع المخلفات وإعادة تدويرها، موضحا أن هذه الخطوة تمثل بداية جيدة في هذا الشأن، ومن المفترض أن يتم تعميم هذه الفكرة على جميع أنحاء الجمهورية أو مختلف المدن المصرية، لما لها من مردود إيجابي على أكثر من مستوى.

وأشار في تصريح لبوابة "دار الهلال"، إلى أن المردود الإيجابي الأول يتمثل في تقليل كميات المخلفات البلاستيكية والعبوات المعدنية "الكانز" الموجودة في القمامة، وهو أمر بالغ الأهمية، مضيفًا أن هناك جانبًا آخر يحل مشكلة كبيرة، يتمثل في انتقاء القمامة أو تنقيتها من المنبع، من خلال فصل البلاستيك عن العبوات المعدنية "الكانز" وعن باقي المخلفات.

وأكد أن فصل هذه المكونات من المصدر يسهم في حل مشكلة كبيرة، لأنه بعد تنفيذ عملية الفصل لن تتضمن القمامة المتبقية كميات من البلاستيك أو العبوات المعدنية، وبالتالي يمكن تصنيف المخلفات المتبقية إلى أنواع أخرى، مثل الزجاجات المصنوعة من الزجاج أو متبقيات الطعام، بما يسهل التعامل مع كل نوع منها وإعادة تدويره أو التخلص منه بالطريقة المناسبة.

وأضاف أن من بين الأفكار التي بدأ تنفيذها في بعض الأحياء وضع صناديق القمامة تحت الأرض، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل حلًا مهمًا للحد من المشكلات المرتبطة بتراكم القمامة في الشوارع، حيث يصعب معها قيام النباشين بإخراج المخلفات من الأرض، كما تحد من تعرض القمامة للحيوانات المختلفة.

وأوضح أن وضع القمامة في صناديق مغلقة وتحت الأرض يقلل كذلك من فرص انتشار الحيوانات الضارة، مشيرًا إلى ما لوحظ في بعض المدن من انتشار ملحوظ للكلاب نتيجة وجود القمامة وبقايا الطعام التي توفر لها مصادر مستمرة للغذاء، بما يتيح لها التكاثر والتواجد في هذه المناطق، ويعرض المواطنين للضرر، وهي مشكلة ظهرت في أنحاء مختلفة من جمهورية مصر العربية خلال الفترة الماضية.

وأشار إلى أن عزل القمامة عن الشوارع ومنع تداولها بصورة عشوائية يمثل حلًا مهمًا لهذه المشكلات، مؤكدًا أن هذه المنظومة من شأنها الحد من وجود الحيوانات والذباب، وتقليل فرص انتقال الأمراض، فضلًا عن تحسين مستوى النظافة العامة وحماية المواطنين.

وأكد أن المطلوب هو تعميم هذه الماكينات بأكثر من نموذج وعلى نطاق واسع في مختلف أنحاء جمهورية مصر العربية.

وشدد على أن إعادة تدوير المخلفات لها مردود اقتصادي كبير، موضحًا أنه يمكن تحقيق ذلك بأقل تكلفة من خلال إشراك المواطنين في عملية جمع البلاستيك والعبوات المعدنية "الكانز"، ثم إعادة تصنيع هذه المواد واستخدامها مرة أخرى، بما يعني تحويل ما كان يتم إلقاؤه في القمامة إلى مواد يمكن إعادة تدويرها وتصنيعها والاستفادة منها من جديد.

وأكد أن استمرار هذه المنظومة يمكن أن يؤدي خلال السنوات المقبلة إلى انخفاض كبير في كميات المخلفات البلاستيكية التي يتم التخلص منها، سواء في الشوارع أو في المياه، لافتًا إلى أن البلاستيك يمثل مشكلة لها آثار سلبية على التوازن البيئي والصحة العامة والبيئة، كما أن بعض أنواع المخلفات البلاستيكية تحتاج إلى فترات طويلة جدًا للتحلل تصل إلى نحو 500 عام، وبالتالي فإن إعادة تدويرها وإعادة استخدامها تسهم في البدء في حل هذه المشكلة القائمة.

وأوضح أن منظومة مواجهة المخلفات البلاستيكية يجب ألا تقتصر على إعادة تدوير البلاستيك الموجود بالفعل، وإنما يجب أن تمتد إلى تقليل استخدام البلاستيك من الأساس، خاصة في الأكياس المستخدمة في التسوق.

وأكد أهمية الاتجاه إلى استخدام أكياس قابلة لإعادة التدوير (Recyclable)، أو أكياس مصنعة من مواد قابلة للتحلل أو مواد نباتية يمكن أن تتحلل خلال فترة تتراوح بين أسبوع و10 أيام، بما يحقق مردودًا إيجابيًا كبيرًا في الحد من الآثار السلبية للبلاستيك.

وأضاف أنه يجب كذلك تسهيل وتشجيع استخدام المواطنين لأكياس التسوق المصنوعة من القماش أو من أي مواد أخرى غير البلاستيك، بحيث يصبح الاتجاه نحو تقليل استخدام البلاستيك جزءًا أساسيًا من السلوك العام خلال الفترة المقبلة في جمهورية مصر العربية، وأن يكون شعار "لا لاستخدام البلاستيك" أو "No Plastic" من الشعارات المميزة لهذه المرحلة.

وأكد أن تطبيق هذه الإجراءات من شأنه أن يسهم في حل أكثر من مشكلة في الوقت نفسه، من بينها تقليل كميات البلاستيك، والحد من المخلفات التي تستغرق مئات السنين للتحلل، والتخلص من مشكلة بيئية قائمة بذاتها، فضلًا عن الاستفادة من المواد التي يتم جمعها في عمليات إعادة التصنيع، وهو ما يؤدي بدوره إلى خفض التكلفة الاقتصادية للمواد المستخدمة في التصنيع.

وأشار إلى أن المردود الاقتصادي لإعادة التدوير سيكون كبيرًا على المناطق التي تطبق هذه المنظومة، كما سيكون له مردود اقتصادي وبيئي كبير على الدولة مستقبلًا في حال تعميم الفكرة على نطاق الجمهورية، مؤكدًا أن إعادة التدوير تمثل بداية مهمة في تجربة يجب تعميمها في جميع أنحاء مدن جمهورية مصر العربية.

 

ثروة واستخدامات متعددة

قال الدكتور مجدي علام، الخبير البيئي، إن التعامل مع المخلفات لا يقتصر على نوع واحد منها، لأنها تشمل أنواعًا متعددة، من بينها بقايا الطعام والخبز، والبلاستيك، والزجاج، والأخشاب، وكذلك مخلفات الهدم الناتجة عن أعمال البناء أو إزالة المباني، فضلًا عن الرمال وغيرها من المواد التي يمكن الاستفادة منها أو إعادة استخدامها.

وأوضح في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن الزجاج، على سبيل المثال، يمكن جمعه وإرساله إلى المصانع لإعادة تدويره واستخدامه في إنتاج الأكواب والزجاج المستخدم في الشبابيك والأبواب وغيرها من المنتجات، كما يمكن إعادة استخدام الأخشاب في تصنيع الأبواب والشبابيك ومنتجات أخرى، موضحا أن الأمر نفسه ينطبق على البلاستيك والجلود وبقايا إطارات السيارات، حيث يمكن إعادة استخدام هذه المواد أو تدويرها والاستفادة منها بدلًا من التخلص منها.

وشدد على ضرورة وجود مواقع مخصصة لدفن المخلفات التي لا يمكن إعادة استخدامها أو تدويرها، موضحًا أن هناك ما يعرف بمواقع دفن المخلفات (Dump Sites)، بحيث يتم نقل المخلفات غير القابلة للاستفادة إليها ودفنها بطريقة مناسبة، مع وضع طبقات من الرمال والتربة عليها؟

وأكد أن هذه المخلفات لا يجوز إلقاؤها في المناطق السكنية أو وسط البيوت لما قد يترتب على ذلك من أضرار على المواطنين.

وفيما يتعلق بمخلفات الهدم، أوضح أن إزالة منزل قديم أو جزء من مبنى ينتج عنها كميات من الأتربة والجير والحجارة والرمال، إلى جانب مخلفات الشبابيك والأخشاب والبلاط وغيرها، مشيرًا إلى ضرورة تحديد كيفية التعامل مع كل نوع من هذه المخلفات، وما إذا كان سيتم إعادة استخدامه أو تدويره.

ولفت إلى وجود جهات تستخدم آلات الطحن والتكسير لمعالجة هذه المخلفات وتحويلها إلى كميات يمكن إعادة استخدامها في أعمال البناء، موضحًا أن من يحصل على هذه المواد يمكنه استخدامها في بناء منزل أو في أعمال أخرى، طالما أصبحت من المخلفات التي تم التخلص منها وأصبح من الممكن إعادة الاستفادة منها.

وأكد أن منظومة إدارة المخلفات تحتاج إلى ما وصفه بـ"التكامل والتنسيق بين جميع العناصر"، بحيث يتم الفصل والتعامل بصورة مستقلة مع الزجاج والخشب والرمل والزلط ومخلفات المباني والدهانات والوقود وغيرها من المخلفات، مع تحديد ما إذا كانت كل مادة ستُنقل إلى مصنع لإعادة تدويرها، أو سيتم استخدامها في أغراض أخرى، أو سيتم التخلص منها في المواقع المخصصة لذلك.

وأضاف أن بعض المواطنين قد يقتصر تعاملهم مع المخلفات على احتياجات بسيطة، مثل التخلص من مخلفات النوافذ والأبواب، بينما قد يعتمد آخرون على وضع المخلفات في حاويات منفصلة، موضحًا أن فكرة الفصل من المصدر يمكن أن تتم من خلال تخصيص حاويات بألوان مختلفة، بحيث تكون هناك حاوية للمخلفات العادية غير الضارة، وأخرى للمخلفات التي تمثل درجة من الخطورة، وثالثة للمخلفات شديدة الخطورة.

وحذر من خطورة التعامل العشوائي مع المخلفات الدوائية والغذائية والمائية، موضحًا أنه إذا كانت هناك زجاجة دواء لا تزال تحتوي على بقايا من الدواء، فلا يجوز التعامل معها بطريقة قد تعرض شخصًا آخر للخطر، مثل استخدامها في وضع المياه أو الشاي أو أي مواد أخرى، لأن بقايا الدواء قد تؤدي إلى أضرار صحية لمن يستخدمها دون علمه.

وشدد على أن المخلفات المرتبطة بالأدوية والأطعمة والمياه وغيرها من المواد التي قد تمثل خطورة يجب فصلها عن باقي المخلفات، مؤكدًا أنه لا يمكن التعامل مع جميع أنواع المخلفات بالطريقة نفسها، لأن لكل نوع منها طريقة ومكانًا مناسبين للتعامل معه.

وأشار إلى أهمية تطبيق نظام للفصل من داخل الوحدات السكنية، بحيث تكون هناك ثلاث عبوات أو منافذ مخصصة أمام كل شقة، يتم من خلالها فصل الزجاج عن الأخشاب وعن مخلفات الطعام، بما يسمح للعامل المسؤول عن جمع المخلفات بالتعامل معها بصورة آمنة والاستفادة من المواد القابلة لإعادة الاستخدام، دون أن يتعرض للمخلفات الضارة.

وأضاف أن المخلفات التي تمثل خطورة صحية يجب أن تخضع لإشراف الجهات الصحية المختصة، بحيث تحدد وزارة الصحة آلية التعامل معها، وتمنح الموافقات اللازمة لنقلها والتخلص منها في مواقع دفن المخلفات المخصصة لهذا الغرض.

وفيما يتعلق بالماكينات التي وضعتها الدولة لاسترداد العبوات البلاستيكية والعبوات المعدنية "الكانز"، أوضح أن هذه الماكينات تمثل جزءًا من منظومة فصل المخلفات، مشيرًا إلى أن فكرة الـ"Screenner" أو الفاصل تعتمد على فصل بقايا ومكونات المخلفات عن بعضها البعض، بحيث يتم فصل البلاستيك عن الزجاج، والأخشاب عن غيرها، وكذلك فصل المسامير والمواد المختلفة كل على حدة.

وأكد أن عملية الفصل تتيح تصنيف كل مادة والتعرف عليها وفق طبيعتها واستخدامها، بحيث يتم فصل المسامير عن الحجر الجيري وعن الأسمنت وعن البازلت وغيرها من المواد، مع وضع كل نوع ضمن النظام المخصص له، بما يسهم في تحقيق الاستفادة القصوى من المخلفات وإعادة استخدامها أو تدويرها، والتخلص بصورة آمنة من المواد التي لا يمكن الاستفادة منها.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة