أكد رئيس جمهورية الصين الشعبية شي جينبينج، استعداد بلاده لتعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع مصر، مشددًا على أهمية تعزيز الثقة المتبادلة وتوسيع التعاون بين البلدين في مختلف المجالات.
جاء ذلك في مقال للرئيس الصيني بعنوان «إطلاق مسيرة جديدة بهمة وعزيمة بعد 70 عاما من التآزر والتضامن»، ونشرته صحف «الأهرام» و«الأخبار» و«الجمهورية» المصرية، اليوم الثلاثاء، بالتزامن مع زيارته الرسمية إلى مصر.
وقال الرئيس الصيني في مقاله: :تلبية لدعوة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، سأقوم بزيارة الدولة لمصر قريبا. إنها زيارتي الثانية لهذه الأرض الخصبة التي يغذيها نهر النيل منذ تولي منصب رئيس جمهورية الصين الشعبية. يقول المثل المصري: "من يشرب من مياه نهر النيل، يعود إليه مرة ثانية". في زيارتي السابقة لمصر قبل 10 سنوات، تركت مصر بحضارتها العريقة والمتجذرة وزخمها نحو التقدم والازدهار انطباعا عميقا في ذهني. وفي هذه الزيارة، أتطلع إلى تبادل أطراف الحديث مع فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي حول سبل تعزيز الصداقة والتعاون، بما يرسم خطوطا عريضة جديدة لتعميق علاقات الشراكة الإستراتيجية الشاملة القائمة بين الصين ومصر".
وأضاف: "يقول المثل الصيني القديم "الإخلاص للأصدقاء يقرّب قلوبهم رغم المسافة الطويلة بينهم". قد ساهم كل من الصين ومصر، باعتبارهما صاحبي حضارة عريقة، بالثروة الروحية الثمينة والكنوز الثقافية الرائعة في تنمية المجتمع البشري. كانت الحضارة الصينية التي ولدت من رحم نهر يانغتسي والنهر الأصفر والحضارة المصرية القديمة التي ولدت من رحم نهر النيل، تتبادلان الإعجاب ببعضهما البعض رغم البعد الجغرافي بينهما، حيث تنقل الخزف والحرير والتطريز وتقنيات صنع الورق والصهر والصب من الصين إلى الغرب، وتدفقت التوابل والزجاجات وعلوم الفلك والتقويم من مصر إلى الشرق، وذلك عبر طريق الحرير القديم برا وبحرا الذي يمتد لآلاف السنين ولم يشهد أي توقف لخطوات التبادل الودي بين الجانبين. كانت القطع الأثرية الصينية المتميزة التي تم استخراجها من موقع الفسطاط الأثري المصري دليلا على الروابط الوثيقة والصداقة العميقة التي نشأت بين الشعبين الصيني والمصري منذ القدم".
وتابع شي جينبينج: "أقامت الصين ومصر العلاقات الدبلوماسية بشكل رسمي قبل 70 عاما، مما فتح بوابة الصداقة والتعاون بين جمهورية الصين الشعبية والدول العربية والإفريقية. على مدى 70 عاما حافلا بالتحديات والصعوبات التي تم تجاوزها، صمدت العلاقات الصينية المصرية أمام اختبار تغيرات الأوضاع الدولية، وظلت تحافظ على اتجاه تطورها بدون انحراف وطبيعتها بدون تغيير وديناميكيتها بدون تراجع، وقد أصبحت نموذجا يحتذى به للتعاون الجماعي بين الصين والدول العربية والإفريقية وقدوة للتعايش الودي والتضامن والتعاون بين الدول النامية".
وواصل: "ظلت الصين ومصر أخوين حميمين يتآزران ويتساندان لبعضهما البعض. نشأت الصداقة العميقة بين شعبي البلدين في نضالهما لتحقيق الاستقلال الوطني ومقاومة الإمبريالية والاستعمار. أبدت الصين تضامنا قويا مع مصر في نضالها لاستعادة سيادتها على قناة السويس، وفي المقابل، صوتت مصر بموقف ثابت مع عدد كبير من الدول الآسيوية والإفريقية ودول أمريكا اللاتينية لصالح الصين في نضال الأخيرة لاستعادة مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة. اليوم، يتبادل الجانبان الصيني والمصري الدعم الثابت لجهود الجانب الآخر في السير على الطريق التنموي الذي يتماشى مع ظروفه الوطنية، ويتبادلان الدعم الثابت للمصالح الحيوية والانشغالات الكبرى للجانب الآخر، مما أرسى أساسا متينا لتطوير علاقات الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين البلدين".
واستكمل: "ظلت الصين ومصر شريكين موثوقين يسعيان إلى الكسب المشترك من خلال التعاون. تعتبر مصر شريكا تجاريا واستثماريا مهما للصين في العالم العربي وإفريقيا، وهي من أوائل الدول التي شاركت في التعاون في بناء "الحزام والطريق". إن منطقة السويس للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر التي رفعتُ أنا وفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي الستار عنها سويا قبل 10 سنوات، أتت باستثمارات ضخمة وفرص عمل واسعة لمصر، الأمر الذي أسهم في تسريع عملية التحديث في مصر. أنجزت الشركات الصينية في مصر أعلى مبنى وأول قطار مكهرب في القارة الإفريقية، وأصبح البرتقال الطازج المصري من أول دفعة من المنتجات الإفريقية التي دخلت سوق الصين بعد تنفيذ سياسة الإعفاء من الرسوم الجمركية على واردات الدول الإفريقية التي لها علاقات دبلوماسية مع الصين، وذلك يدل على أن نتائج التعاون المتبادل المنفعة بين البلدين في كافة المجالات قد عادت بالنفع على أبناء الشعبين على نطاق واسع".
وأردف جينبينج: "ظلت العلاقات الصينية المصرية نموذجا ناجحا للصداقة والاستفادة المتبادلة. تعتبر مصر أول دولة عربية وإفريقية وقعت مع جمهورية الصين الشعبية على اتفاقية بشأن التعاون الثقافي، وتكون التبادلات الشعبية والثقافية بين البلدين متنوعة ومزدهرة، حيث استقطب المتحف المصري الكبير وغيره من المعالم المصرية عددا كبيرا من السياح الصينيين، ولقي "معرض الحضارة المصرية القديمة" الذي أقامه متحف شانغهاي في العام الماضي رواجا كبيرا، وتم تدريس اللغة الصينية في أكثر من 40 مدرسة ثانوية في مصر، وقد استفاد عدد كبير من المصريين من تعاون البلدين في مجال التعليم المهني. تتقارب الحضارتان الكبيرتان باطراد رغم حواجز المكان والزمان، بما يسجل فصولا من الصداقة بين الشعبين جيلا بعد جيل باستمرار".
واستطرد رئيس جمهورية الصين الشعبية: "ظلت الصين ومصر صديقين مخلصين يتمسكان بالمساواة والثقة المتبادلة. في مؤتمر باندونغ المنعقد في عام 1955، كانت الصين ومصر تدعمان بنشاط النضال ضد الإمبريالية والاستعمار، وتعملان سويا على تعزيز التضامن بين الدول الآسيوية والإفريقية. في الوقت الراهن، تربط الصين ومصر الأهداف والمساعي المشتركة في الحفاظ على النظام الدولي والدعوة إلى الإنصاف والعدالة وتطبيق تعددية الأطراف، إذ أن كلا من الجانبين يدعم بثبات القضية العادلة للشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه الوطنية المشروعة، ويسعى إلى إيجاد حلول سياسية للقضايا الساخنة وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، الأمر الذي يجسد مسؤوليتهما باعتبارهما من دول الجنوب العالمي للتضامن وتقوية الذات والالتزام بالإنصاف والعدالة".
وقال: "يمر كل من الصين ومصر بالمرحلة الحاسمة من التنمية والنهضة. حققت الصين بداية جيدة في تنفيذ "الخطة الخمسية الخامسة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية"، وهي تعمل جاهدة على خلق وضع جديد للتحديث الصيني النمط. أما مصر فتشهد تطورا مزدهرا في بناء "الجمهورية الجديدة"، وهي تمضي قدما نحو أهداف "رؤية مصر 2030" بخطوات واثقة. في هذا السياق، يحرص الجانب الصيني على بذل جهود مشتركة مع الجانب المصري لتعميق علاقات الشراكة الإستراتيجية الشاملة بينهما، والدفع ببناء المجتمع الصيني المصري للمستقبل المشترك، والعمل يدا بيد على تحقيق التحديث".
وأضاف الرئيس الصيني: "علينا أن نعزز الثقة المتبادلة ونكون قدوة في توارث الصداقة. بما أن الصداقة الصينية المصرية نشأت بأيدي الجيل القديم من قادة البلدين، فيعد توارث هذه الصداقة وتطويرها وتكريسها على نحو جيد مسؤولية مجيدة على عاتق جيلنا. في هذا السياق، ينبغى لنا مواصلة تبادل دعم المصالح الجوهرية والهموم الكبرى لبعضنا البعض، وتكثيف التواصل والتعاون بيننا في كافة المجالات وعلى مختلف المستويات، ونقل عصا التتابع من الصداقة الصينية المصرية جيلا بعد جيل".
واستكمل: "علينا أن نحقق المنفعة المتبادلة والكسب المشترك ونكون قدوة من التنمية المشتركة. تمتلك الصين أكبر المنظومات الصناعية وأكثرها تكاملا في العالم، وتتمتع بالمزايا من حيث الأموال والتكنولوجيا والمعدات. أما مصر فتتمتع بعدد السكان الكبير والموارد الوافرة والسوق الواسعة. في هذا السياق، ينبغي للجانبين تعميق المواءمة بين الإستراتيجيات التنموية، والعمل على التعاون في بناء "الحزام والطريق" بالجودة العالية، وتوظيف الإمكانيات الكامنة للتعاون، وتوسيع مجالات التعاون العملي، بما يضخ قوة دافعة لا تنضب للتعاون المتبادل المنفعة بين البلدين".
وتابع: "علينا أن نعتز بمزايانا الحضارية ونكون قدوة من التواصل الحضاري. ينبغي للصين ومصر، باعتبارهما صاحبي حضارة عريقة، تكريس مفهوم الحضارة المتمثل في المساواة والاستفادة المتبادلة والحوار والتسامح، وتطبيق مبادرة الحضارة العالمية، والعمل على حماية الآثار الثقافية للبشرية، وبذل جهود مشتركة للدفع بالتعايش المنسجم بين مختلف الحضارات. وينبغي تعميق التواصل والتعاون بين الجانبين في مجالات مثل التعليم والسياحة والعلوم والتكنولوجيا والصحة والرياضة وعلم الآثار، بما يشدّ روابط التعارف والتقارب بين الشعبين، ويضفي ديناميكية جديدة ومستمرة على تطور علاقات الشراكة الإستراتيجية الشاملة الصينية المصرية، ويحشد قوة حضارية أكثر لدفع بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية".
وقال رئيس جمهورية الصين الشعبية شي جينبينج: "علينا أن نمضي قدما إلى الأمام كتفا بكتف ونكون طليعة للحفاظ على العدالة والإنصاف. في الوقت الحالي، تتطور التغيرات التي لم يشهدها العالم منذ مائة سنة بشكل متسارع، وتتشابك التحولات والاضطرابات في الأوضاع الدولية. في ظل هذه الظروف، ينبغي للصين ومصر، بصفتهما دولتين ناميتين كبيرتين وعضوين مهمين للجنوب العالمي، أن تنفذا تعددية الأطراف الحقيقية، وتعززا التنسيق والتعاون في الساحة المتعددة الأطراف، وتبذلا جهودا مشتركة لتطبيق المبادرات العالمية الأربع على نحو جيد، وتعملا على صون السلام والاستقرار في العالم والدفاع عن العدالة والإنصاف الدوليين".
وواصل شي جينبينج: "علينا أن نتضامن بروح الفريق الواحد ونكون روادا لقيادة التعاون الصيني العربي والتعاون الصيني الإفريقي. إن مصر، كدولة عربية وإفريقية كبيرة، تلعب دورا مهما في دفع التعاون الجماعي بين الصين والدول العربية وبين الصين والدول الإفريقية. يحرص الجانب الصيني على بذل جهود مشتركة مع الجانب المصري في توسيع نطاق التأثير النموذجي للتعاون الصيني المصري الناضج، وتوظيف الميزة الجغرافية الفريدة لمصر كحلقة وصل للعالم العربي وبوابة للقارة الإفريقية، والدفع على نحو معمق بتشكيل "معادلات التعاون الخمس" بين الصين والدول العربية وخطط الأعمال العشرة للشراكة بين الصين وإفريقيا من أجل الدفع المشترك بالتحديث، بما يدفع التعاون الصيني العربي والتعاون الصيني الإفريقي لمواكبة العصر والتقدم إلى الأمام بخطوات مستقرة ومستدامة".
واختتم: "تتطلب المسيرة الجديدة العمل الجاد بعد 70 عاما من التآزر والتضامن. إن الجانب الصيني على استعداد للعمل مع الجانب المصري على التمسك بالغاية الأصلية ومتابعة أعمال الأسلاف وفتح أفق للمستقبل، وتبادل الدعم بعزم لا يلين في طريق مؤدٍ إلى النهضة والازدهار، والعمل سويا على خلق مستقبل أكثر إشراقا لتنمية البلدين والعلاقات الثنائية".