يواصل المركز القومي للترجمة تقديم إصدارات تعيد فتح الأسئلة الكبرى حول الفكر والحضارة، ومن بينها كتاب "رؤى مصرية سابقة على فكر نيتشه"، من تأليف فوزية أسعد وترجمة محمد حسونة، في قراءة فلسفية تتجاوز الحدود المألوفة لتاريخ الفكر، وتضع مصر القديمة في قلب سؤال طالما ارتبط بالفلسفة اليونانية.
تقدم فوزية أسعد في كتابها قراءة جديدة تتحدى بها المنظور الغربي التقليدي الذي يحصر تاريخ الفلسفة في اليونان؛ فبدلًا من الاكتفاء بالصلة الواضحة بين نيتشه والثقافة اليونانية، تؤكد أن نيتشه نفسه كان محقًّا في رفض هذا المنظور الضيق، إذ كان يرى ضرورة انفتاح الفكر الغربي على تيارات ومصادر فكرية مختلفة.
ومن هذا المنطلق، تبني المؤلفة كتابها على محورين أساسيين؛ أولهما إثبات أن نيتشه تجاوز اليونان في مراجعته للماضي، ومضى أبعد في بحثه عن جذور الفكر حتى وصل إلى مصر الأوزيرية، وثانيهما تسليط الضوء على امتداد الميثولوجيا المصرية القديمة وتأثيرها في الفكر الغربي، وصولًا إلى الفلسفة التي تقدمها المؤلفة من منظورها الخاص.
ولا يتوقف الكتاب عند مجرد الكشف عن علاقة نيتشه بمصر، وإنما يفتح مساحة أوسع للتأمل في حضور الحضارة المصرية القديمة داخل مسار الفكر الغربي، متتبعًا أثرها وامتداد رؤاها في تشكيل بعض التصورات التي عرفها الفكر الغربي لاحقًا، ليضع أمام القارئ سؤالًا أعمق: هل بدأت الحكاية الفلسفية فعلًا من اليونان، أم أن وراءها جذورًا أقدم عبرت الزمن والحضارات وظلت حاضرة في صورة أسئلة جديدة؟