أقامت الإدارة المركزية لدار الكتب والوثائق القومية برئاسة الدكتور مينا رمزي، ومن خلال الإدارة العامة لخدمات القراء، ندوة ثقافية موسعة بعنوان «الأغنية في عالم نجيب محفوظ» بقاعة علي مبارك بدار الكتب القومية، وذلك بمناسبة مرور 20 عامًا على رحيل أديب نوبل الكبير نجيب محفوظ، حيث أدارت الندوة الأستاذة رشا أحمد، مدير قاعة الموسيقى، وذلك بإشراف الدكتور أسامة طلعت، رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية
أبعاد التوظيف الفني للأغنية في مؤلفات نجيب محفوظ
واستُهلت الكلمات بورقة بحثية تناولت «أبعاد التوظيف الفني للأغنية في مؤلفات نجيب محفوظ» للدكتور إيهاب صبري، أستاذ النقد الفني بأكاديمية الفنون، وأشار إلى ثلاثة أبعاد رئيسية؛ أولها «التوثيق الاجتماعي والتاريخي الزمني»، إذ استخدم الأديب المصري الأغنية كوثيقة زمانية تحدد الإطار التاريخي للأحداث، عبر الانتقال من أغاني عبده الحامولي وصالح عبد الحي إلى سيد درويش وصولًا إلى أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب.
التكشيف النفسي وتعميق الشخصية
والبعد الثاني هو «التكشيف النفسي وتعميق الشخصية»، حيث تُعد الأغنية لدى محفوظ مرآة تعكس الصراعات الداخلية للشخصيات والتناقض الأيديولوجي أو الإنساني؛ ففي حين تمثل الأغنية الصوفية والابتهالات الدينية جانب التسامي والهروب من ذوات مضطربة، تشكل أغاني الطرب البلدي والشعبي العوالم الخفية والمقاهي ومجالس المتعة كنافذة لسقوط الأقنعة الاجتماعية، مثل شخصية السيد أحمد عبد الجواد.
البناء الدرامي وموازاة الأحداث
والبعد الثالث فهو «البناء الدرامي وموازاة الأحداث»، حيث لا تأتي الأغنية بشكل اعتباطي في نصوص نجيب محفوظ، بل تعمل كمعادل موضوعي للأحداث، إذ ينشئ تقاطعًا هارمونيًا بين موضوع الأغنية التي تتردد وبين المصير الدرامي للشخصية، مما يضاعف شحنة الإسقاط والرمزية في المشهد؛ وبذلك تشكل الأغنية في أعمال محفوظ أداة تعبيرية تضافرت فيها الموسيقى مع الصياغة الروائية المحكمة لتتحول إلى عمل متكامل له دلالات اجتماعية وثقافية ونفسية كلية، وكانت الجذوة والإبداع الفني الذي وصل به إلى العالمية.
نجاح نجيب محفوظ في توظيف الأغنية الشعبية كوثيقة تاريخية واجتماعية
وقدمت الدكتورة انتصار محمد، الكاتبة والباحثة وأستاذ التاريخ بكلية الآداب، كلمة تناولت فيها مدى نجاح نجيب محفوظ في توظيف الأغنية الشعبية كوثيقة تاريخية واجتماعية، مشيرة إلى أن محفوظ نجح إلى حد كبير في توظيف الأغنية الشعبية داخل عالمه الروائي باعتبارها وثيقة غير مباشرة للواقع المصري؛ فهي لا تسجل الأحداث السياسية والاجتماعية تسجيلًا تاريخيًا حرفيًا، وإنما تكشف كيف انعكست هذه الأحداث على وجدان الناس ووعيهم اليومي وسلوكهم وذائقتهم، ومن هنا تأتي أهميتها بوصفها وثيقة ثقافية واجتماعية موازية للوثيقة التاريخية التقليدية.
انتصار محمد: نجيب محفوظ جعل الحارة المصرية نموذجًا مصغرًا للمجتمع ولم يكتفِ برصد التحولات من خلال الشخصيات والأحداث
وأوضحت «انتصار» أن «محفوظ » جعل الحارة المصرية نموذجًا مصغرًا للمجتمع، ولم يكتفِ برصد التحولات من خلال الشخصيات والأحداث، بل التقط أيضًا الأصوات التي كانت تصاحب الحياة اليومية من المغني الشعبي، والمنشد، وشاعر الربابة، وأغاني الأفراح والمناسبات، ثم الراديو والأغنية الحديثة؛ وضربت مثالًا برواية «زقاق المدق»، حيث يظهر شاعر الربابة ليمثل ثقافة شفاهية قديمة تعتمد على الذاكرة الشعبية والتواصل المباشر، وفي المقابل يظهر الراديو والأغنية الحديثة كجزء من عالم جديد يفرض نفسه، ليصبح هذا التناقض رمزًا للصراع بين عالمين ثقافيين «الموروث الشفاهي الشعبي مقابل الحداثة والإعلام الجماهيري».
وأكدت « انتصار»: « قيمة الأغنية الحقيقية تكمن في كونها «توثيقًا وجدانيًا» للتاريخ المصري يتيح فهم الإنسان الذي عاش الحدث، لا الحدث وحده».
تأثر نجيب محفوظ بالموسيقى والغناء في كتاباته بالكلاسيكية الفصيحة في الروايات التاريخية
عقب ذلك قدم الناقد والمؤرخ الفني معتز محسن كلمته، والذي أوضح تأثر نجيب محفوظ بالموسيقى والغناء من خلال كتاباته المتسمة بالكلاسيكية الفصيحة في الروايات التاريخية، وكأننا أمام مقطوعات شتراوس، وبيتهوفن، وهاندل، وموزارت
وأضاف «محسن»: في المرحلة الواقعية المتسمة بالتوازن بين العامية والفصحى عبر «اللغة الثالثة»، نكتشف أنفسنا أمام كتاباته في تلك المرحلة وكأننا أمام أغاني منيرة المهدية، وسيد درويش، وأم كلثوم، وعبد الوهاب، وصالح عبد الحي، و في المرحلة الرمزية، فنتوقف أمام لغة سلسة وعميقة بشكل رائع من خلال موسيقية كلماته الصوفية، وكأننا نستمع لأم كلثوم في مرحلتها الأخيرة، وعبد الوهاب في شموخه الموسيقي، وحليم في رومانسيته الثورية.
مشاركة متميزة من الطفل ساجد محمد عبد الفتاح
وشهدت الفعالية مشاركة متميزة من الطفل ساجد محمد عبد الفتاح، الحاصل على جائزة الدولة للمبدع الصغير في كتابة الشعر، وله ثلاثة دواوين شعرية («بكرة تروق»، و«سكر برة»، و«جرب بص قدامك»)، حيث ألقى قصيدة شعرية عن أديب نوبل نجيب محفوظ نالت إعجاب الحضور، كما ألقى الطفل معاذ حسام الدين طلعت كلمة أكد خلالها على القيمة الرمزية والتراثية للاحتفاء بأديب نوبل، ودور المؤسسات الثقافية في تسليط الضوء على الأبعاد الفنية المتعددة في إبداعاته وتوثيق أثرها المتبادل مع الموسيقى والفن المصري.
فقرات غنائية وموسيقية حية
تخللت الندوة فقرات غنائية وموسيقية حية استُوحيَت من أجواء مؤلفات الأديب الراحل نجيب محفوظ، واختُتمت بتقديم شهادات التقدير للمشاركين بالندوة، بالتوازي مع المعرض المقام لكتب ومكتبات الكاتب الكبير بقاعة الاطلاع الرئيسية.