أكد بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر أن السعي لبناء عالم عادل معًا يشكل أساس التعاون الدولي، مشددًا على أهمية تعزيز التعاون بين الأمم من خلال التربية والعلم والثقافة؛ بما يسهم في ترسيخ السلام والأمن والاحترام العالمي للعدالة وسيادة القانون وحقوق الإنسان والحريات الأساسية.
وقال بابا الفاتيكان - في كلمة ألقاها اليوم الجمعة أمام منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) في باريس - إنه جاء إلى المنظمة «كشاهد سلام»، مشيرًا إلى أنها تمثل محفلًا دوليًا تلتقي فيه اللغات والثقافات للتعاون في مشروع ذي أهمية بالغة للأسرة البشرية جمعاء.
وأعرب عن سعادته بوجوده في اليونسكو، مؤكدًا أن المنظمة تمثل «غاية ووسيلة في آن واحد» لمواصلة الالتزام ببناء عالم عادل، ولا سيما من خلال مجالات التعليم والعلم والثقافة.
وأشار إلى أن عام 2027 سيشهد الذكرى السنوية الخامسة والسبعين لوجود الفاتيكان في اليونسكو، مؤكدًا أن هذا الوجود قائم على القناعة بضرورة احترام وتعزيز الكرامة الأصيلة وغير القابلة للانتزاع لكل إنسان، وأن الفاتيكان ينظر إلى اليونسكو بوصفها شريكًا متميزًا في خدمة الخير العام.
وأكد البابا أن الإنسان يعيش حياة بشرية حقيقية بفضل الثقافة، مشيرًا إلى أن التعليم لا يمكن أن يكون كاملًا إذا فشل في معالجة سؤال معنى الحياة. وقال إن السؤال الأساسي «ماذا يعني أن نكون بشرًا؟» يستحق البحث، مشيرًا إلى أن كل ثقافة تواجه هذا التحدي الذي يقع في قلب كل أشكال المعرفة والفن والدين، وأن كل جيل مدعو إلى مواجهة هذا السؤال، خاصة في ظل المآسي التي لا تزال تحدث في العالم.
وشدد بابا الفاتيكان على أن أفظع الأعمال البشرية هي الحرب، قائلًا إن العلم يوضع فيها في خدمة إرادة غير إنسانية للتدمير والقتل، مستشهدًا بديباجة دستور اليونسكو التي تقول: «بما أن الحروب تبدأ في عقول البشر، ففي عقول البشر يجب أن تُبنى دفاعات السلام».
وأضاف أن الإنسانية أدركت، بعد الحرب العالمية الثانية، أن التقدم العلمي عندما ينفصل عن الحكمة يمكن أن يتحول إلى سلاح للتدمير، وأن الثقافة عندما تخضع للأيديولوجيا يمكن أن تنحدر إلى الكذب والدعاية، وأن التعليم عندما يتخلى عن الحقيقة يمكن أن يصبح أداة للتلاعب بالضمائر.
وأكد أن «السلام لا يمكن أن يُبنى بالمعاهدات وحدها»، مشددًا على أن السلام يكون حقيقيًا عندما ينبع من فضيلة العدالة ومن إرادة الاستقامة، وليس فقط من توازن مصالح غير مستقر.
وحذر البابا من التحديات التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة، مؤكدًا ضرورة ضمان أن تظل التكنولوجيات الجديدة في خدمة الإنسان، وألا تتحول إلى «أداة أخرى للهيمنة والظلم».
وقال إن الذكاء الاصطناعي يثير تحديات جديدة، موضحًا أنه «رغم أن هذه الأنظمة يمكنها ربط البيانات، إلا أنها لا تستطيع الإجابة عن الأسئلة التي تتعلق بمعنى الحياة البشرية، والتي تتجذر في التجربة المعاشة»، مضيفًا أن «المعنى هو أكسجين العقل».
وأشار إلى أن المعلومات أصبحت وفيرة، «ولكن هذا لا يرادف الحكمة»، محذرًا من أن تعدد قنوات الاتصال، من دون أساس أخلاقي مشترك، قد يؤدي إلى مضاعفة المعلومات المغلوطة وإعاقة الحوار بدلًا من تعزيزه.
ورحب بمبادرة اليونسكو في مجال «الدراية الإعلامية والمعلوماتية»، التي تعزز الاستخدام المسؤول للإعلام والأدوات الرقمية، داعيًا المجتمع الدولي إلى إيلاء اهتمام خاص بحماية الأطفال والشباب في العصر الرقمي، مؤكدًا أن هشاشتهم «يجب ألا تصبح أبدًا فرصة للاستغلال».
كما دعا إلى أن تكون التكنولوجيا داعمة لنمو الأطفال والشباب وتعليمهم وعلاقاتهم، وأن تحافظ على حريتهم في التفكير والتمييز، وأن تظل دائمًا في خدمة كرامة الشخص البشري.
وفي حديثه عن التعاون الدولي، شدد بابا الفاتيكان على ضرورة تعزيز «الثقة»، مؤكدًا أن الاختلافات لا تشكل بالضرورة تهديدًا، وأن الحوار الصادق يمكن أن يحقق خيرًا أعظم مما يمكن للأفراد تحقيقه بمفردهم.
وقال إن الفاتيكان يرغب في زيادة هذه الثقة في اليونسكو وفي المنظمات الدولية الأخرى، انطلاقًا من الإيمان بأن لكل شعب مكانه ودوره في السعي نحو تقدم بشري أصيل لا يمكن للسلام أن يضمنه إلا إذا تحقق.
وفي ختام كلمته، أكد بابا الفاتيكان أن «كل طفل يولد في هذا العالم يحمل رجاءً جديدًا»، وأن كل شخص يكرس حياته للبحث عن الحقيقة يقوم بفعل رجاء، داعيًا اليونسكو إلى مواصلة تعزيز التفاهم بين الأمم عبر الحوار بين ثقافاتها المتنوعة.
وشدد على أن التعليم يمثل سبيلًا لتجاوز التباعد والشك المتبادل، وأن العلم يمكن أن يكون في خدمة كل إنسان، وأن ما نزرعه اليوم من علم ومعرفة يمكن أن يثمر حصادًا وفيرًا في المستقبل، مؤكدًا أن السلام يمكن أن يزدهر إذا التزم الجميع بعظمة الإنسانية المشتركة.