تحل ذكرى رحيل الدكتور أسامة عبد العظيم، أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر، لتستعيد الأوساط العلمية والدعوية مسيرة عالم كرس جانبا كبيرا من حياته للعلم والتدريس والبحث والتأليف، متنقلا بين ميادين متعددة بدأت بدراسة الشريعة ثم الهندسة، قبل أن يتخصص في أصول الفقه ويواصل مسيرته الأكاديمية والدعوية لعقود، تاركا عددا من المؤلفات والتحقيقات العلمية، إلى جانب أجيال من الطلاب الذين تلقوا العلم على يديه.
ولد الدكتور أسامة عبد العظيم في 25 يناير 1948 بمنطقة التونسي بحي الخليفة في القاهرة، ونشأ في أسرة ارتبطت بالعلم والدعوة؛ فوالده الشيخ محمد عبد العظيم حمزة كان مدرسا وإماما وخطيبا بالأزهر الشريف، كما كان من دعاة الجمعية الشرعية، وهو ما أتاح للراحل منذ نشأته بيئة علمية ودينية كان لها أثر في تكوينه ومسيرته اللاحقة. وتشير مصادر ترجمته إلى أن خاله كان الدكتور عبد الصبور شاهين، أحد العلماء والمفكرين المعروفين.
بدأ رحلته العلمية في جامعة الأزهر، فتخرج في القسم العالي للدراسات الإسلامية والعربية بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة عام 1969، ثم واصل تخصصه في أصول الفقه، وحصل عام 1974 على درجة الماجستير عن بحث بعنوان "حجية قول الصحابي" ، ليبدأ بذلك مسارا علميا ارتبط بهذا التخصص الذي ظل مجال عمله الأكاديمي والبحثي الرئيسي طوال حياته.
ولم تتوقف رحلته العلمية عند العلوم الشرعية، إذ اتجه بعد حصوله على الماجستير إلى دراسة الهندسة، وحصل عام 1976 على بكالوريوس الهندسية الميكانيكية من كلية الهندسة بجامعة الأزهر بالقاهرة ، ليجمع بين تكوين أكاديمي في العلوم الشرعية وتخصص هندسي ، قبل أن يعود إلى مجال أصول الفقه ويستكمل دراسته العليا فيه.
حصل الدكتور أسامة عبد العظيم عام 1993 على درجة الدكتوراه في أصول الفقه من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر ، بمرتبة الشرف الأولى ، عن تحقيق ودراسة شرح الولي العراقي على منهاج البيضاوي، المعروف بـ "التحرير لما في منهاج الأصول من المنقول والمعقول" ، وبعد ذلك اتجه إلى العمل الأكاديمي والتدريس الجامعي، ليصبح أحد المتخصصين في علم أصول الفقه.
بدأ عمله مدرسا لأصول الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة عام 1986 ، ثم حصل على درجة الأستاذ المساعد في أصول الفقه عام 1992، وعلى درجة الأستاذية عام 1999، وتولى رئاسة قسم الشريعة الإسلامية بالكلية خلال الفترة من عام 1999 حتى عام 2008 ، كما اختير عضوا باللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين في تخصص أصول الفقه بجامعة الأزهر، ثم أصبح أستاذا متفرغا اعتبارا من أغسطس 2008.
امتدت تجربته الأكاديمية خارج مصر، إذ أعير للتدريس في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت عامي 1984 و1985، وكان من المشاركين في مرحلة تأسيس الكلية، كما واصل خلال مسيرته مناقشة والإشراف على عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه والمشاركة في مؤتمرات وندوات علمية داخل مصر وخارجها.
ترك الدكتور أسامة عبد العظيم إنتاجا علميا في مجال أصول الفقه، من أبرز عناوينه "حجية قول الصحابي" ، "التحرير لما في منهاج الأصول من المنقول والمعقول" ، "عيون الأصول"، "السبيل لتصفية علم الأصول من الدخيل"، "نحو منهج جديد في تخريج الفروع على الأصول"، "أسباب الإجمال في الكتاب والسنة وأثرها في الاستنباط"، "مقدمات النسخ"، "الاشتراك اللفظي وأثره في استنباط الأحكام" ، و"القصص القرآني وأثره في استنباط الأحكام"، إلى جانب عدد من التحقيقات والدراسات المتخصصة.
ولم تقتصر مسيرته على التدريس والبحث الأكاديمي، إذ ارتبط اسمه كذلك بالدروس والمحاضرات العامة، وكان يلقي دروسا في التربية والعلوم الشرعية، وتناولت مجالسه كتبا من بينها "مدارج السالكين" و "زاد المعاد" لابن القيم، و "كفاية الأخيار" للحصني، و "الشفا" للقاضي عياض، كما ارتبط نشاطه الدعوي بمسجد في منطقة الإمام الشافعي والتونسي، حيث كان يلقي الدروس ويجتمع بالطلاب ومرتادي المسجد.
ومن الجوانب التي ارتبطت بنشاطه العلمي تأسيسه «دار الفتح الإسلامي للنشر والتوزيع» بالقاهرة، والتي اهتمت بنشر عدد من الكتب والرسائل، خاصة في مجال التراث الإسلامي، وتشير المصادر التي تناولت سيرته إلى اهتمامه بأعمال علماء مثل ابن رجب وابن القيم والذهبي وشيخ الإسلام ابن تيمية، إلى جانب مؤلفاته وتحقيقاته الخاصة.
في سنواته الأخيرة تعرض لوعكة صحية، وتوفي في 3 أكتوبر 2022، عن عمر ناهز 74 عاما، وشيعت جنازته في القاهرة وسط حضور كبير من طلاب العلم ومحبيه، في مشهد عكس اتساع دائرة معارفه وتلاميذه ومحبيه داخل مصر وخارجها، ليرحل وتبقى كتبه وأبحاثه ودروسه وتلاميذه شاهدا على جانب من مسيرته، فيما تظل سير العلماء جزءا من ذاكرة المؤسسات العلمية التي أسهموا في مسيرتها.