ماذا يبقى من الحرب بعد أن تصمت المدافع, وتطوى الخرائط العسكرية, ويعود المقاتلون إلى بيوتهم? تبقى الوثائق والصور والمذكرات وأسماء الشهداء, وتبقى تواريخ المعارك في كتب التاريخ, لكن الحروب الكبرى لا تعيش في ذاكرة الشعوب بالوثائق وحدها. إنها تعيش أيضًا بالحكاية; في الرواية التي تمنح الجندي وجهًا وصوتًا, وفي الفيلم الذي يجعل من لم يرَ الجبهة يشعر بأنه كان هناك, وفي القصيدة التي تختصر لحظة وطنية كاملة في كلمات قليلة, وفي شهادات الرجال الذين عاشوا الخوف والانتظار والعبور والنصر. ومن هنا يبدو السؤال مشروعًا بعد أكثر من نصف قرن على حرب أكتوبر 1973: هل كتبنا أكتوبر كما ينبغي؟ وهل استطاعت الثقافة المصرية أن تصنع من هذا الحدث الاستثنائي «رواية للنصر» توازي في قوتها ومداها ما حققه المصريون على أرض المعركة؟
السؤال لا يعني أن أكتوبر غاب عن الأدب المصري. العكس هو الصحيح؛ فقد أنتجت الحرب وما سبقها من سنوات الاستنزاف وما أعقبها عددًا مهمًّا من الروايات والقصص والشهادات والأفلام. ولكن القضية ليست في عدد ما كتب بقدر ما هي في قدرة هذا الإنتاج على أن يتحول إلى ذاكرة ثقافية متجددة، تنتقل من الجيل الذي عاش الحرب إلى أجيال لم ترَ القناة قبل العبور، ولم تعرف خط بارليف إلا من الصور والكتب، ولم تسمع بيانات الحرب وهي تذاع للمرة الأولى.
عندما يصبح النصر حكاية:
ثمة فارق بين كتابة تاريخ الحرب وكتابة حكايتها. المؤرخ يبحث عما حدث، والمؤرخ العسكري يدرس كيف حدث، والقائد يروي كيف اتخذ القرار، أما الأديب فيبحث عن الإنسان الذي كان داخل الحدث. فكم كان عمر الجندي الذي انتظر أمر العبور؟ وبماذا كان يفكر قبل أن يعبر القناة؟ ماذا كتب لأسرته؟ كيف عاش سنوات الاستنزاف؟ وماذا شعر عندما رأى العلم المصري على الضفة الشرقية؟ وكيف عاد المقاتلون بعد الحرب إلى قراهم ومدنهم وأعمالهم؟ وماذا بقي من أكتوبر داخلهم بعد مرور السنوات؟
هذه التفاصيل الصغيرة لا تقل أهمية في بناء الذاكرة عن التفاصيل الكبرى للعمليات العسكرية؛ لأن التاريخ يحفظ الحدث، بينما الأدب يمنحه حياة أخرى.
ولذلك فإن حرب أكتوبر لم تكن يوم السادس من أكتوبر وحده. كانت رحلة طويلة بدأت من لحظة الانكسار في يونيو 1967، ومرت بإعادة بناء القوات المسلحة وحرب الاستنزاف وسنوات الانتظار والتدريب، ثم بلغت ذروتها في العبور. وهذا الامتداد الإنساني تحديدًا هو الذي التقطته بعض أفضل الأعمال الأدبية والفنية التي تناولت الحرب.
حرب أكتوبر في الأدب المصري:
لم تكن حرب أكتوبر غائبة عن الأدب المصري، بل حضرت فيه بصور متعددة، تختلف باختلاف موقع الكاتب من الحرب وزاوية اقترابه منها. فبعض الأدباء كتبوا عن المقاتل في الجبهة، وبعضهم جعل الحرب نافذة لقراءة المجتمع المصري وتحولاته، بينما انشغل آخرون بالبطولة الفردية أو بالمقاومة الشعبية أو بما تركته سنوات الهزيمة والاستنزاف من آثار عميقة في جيل كامل. ولذلك فإن الحديث عن «أدب أكتوبر» لا يحيل إلى لون واحد من الكتابة، بل إلى خريطة واسعة تداخلت فيها الحرب مع أسئلة الإنسان والمجتمع والعدالة والذاكرة.
في «أبناء الصمت» اقترب مجيد طوبيا من جيل كامل تشكل وعيه تحت وطأة هزيمة يونيو 1967، ثم عاش سنوات الاستنزاف والانتظار والترقب حتى جاءت لحظة العبور. لم تكن الرواية مجرد سرد لوقائع عسكرية، وإنما محاولة للاقتراب من رجال الجبهة الذين تحملوا سنوات الحرب بعيدًا عن الأضواء. ودلالة العنوان نفسها لافتة؛ فقد تحدث طوبيا عن أولئك الجنود الذين كانوا يقاتلون ويؤدون واجبهم في صمت، بينما كانت البطولة الحقيقية تصنع بعيدًا عن الخطابات الصاخبة. ومن هنا تصبح الرواية شهادة على جيل لم يكن يبحث عن بطولة لفظية بقدر ما كان يستعد لاستعادة الأرض والكرامة.
أما يوسف القعيد فاختار في «الحرب في بر مصر» طريقًا مختلفًا تمامًا. لم يجعل ساحة القتال مركز الرواية، بل عاد إلى القرية المصرية ليطرح سؤالًا أكثر إزعاجًا: من الذي يدفع ثمن الحرب، ومن يجني ثمارها؟ فالشاب الفقير «مصري» يُرسل إلى التجنيد بدلًا من ابن العمدة، ثم يستشهد في الحرب بينما تحمل الأوراق الرسمية اسم غيره. وبذلك تتحول حرب أكتوبر إلى خلفية لكشف اختلالات المجتمع وقضايا العدالة الاجتماعية والتمييز بين الفقراء وأصحاب النفوذ. وقد رأى النقد الأكاديمي في الرواية معالجة للتحولات الاجتماعية والسياسية المصاحبة للحرب، لا مجرد رواية عن المعركة ذاتها. والأكثر أهمية أن القعيد نفسه كان قد عاش تجربة التجنيد وشارك في حروب 1967 والاستنزاف وأكتوبر، وهو ما منح علاقته بأدب الحرب بُعدًا شخصيًّا وإنسانيًّا واضحًا.
وفي اتجاه آخر، قدم جمال الغيطاني، الذي عرف الجبهة مراسلًا حربيًّا، نموذجًا يقوم على تحويل البطولة العسكرية إلى ذاكرة أدبية. ففي «الرفاعي» حضرت شخصية إبراهيم الرفاعي، قائد المجموعة 39 قتال، لا بوصفها اسمًا في سجل العمليات فقط، وإنما بوصفها نموذجًا إنسانيًّا للجرأة والقيادة والتضحية. وفي «حكايات الغريب» اتسعت الصورة لتشمل السويس والمقاومة الشعبية والإنسان العادي الذي قد لا يحفظ التاريخ اسمه، لكنه يصبح في لحظة الخطر جزءًا من بطولة جماعية تتجاوز الفرد.
وتبرز كذلك تجربة الكاتب والمقاتل السيد نجم، الذي حمل تجربة الحرب معه إلى مشروع أدبي متكامل؛ فكتب «أوراق مقاتل قديم» ثم «السمان يهاجر شرقًا»، إلى جانب دراساته عن الحرب والمقاومة في الأدب. وتكتسب هذه التجربة قيمتها من كونها تنطلق من داخل عالم المقاتل نفسه، حيث لا تبدو الحرب مشهدًا واحدًا متكررًا، بل آلاف التجارب الخاصة: الخوف والانتظار، الصداقة، الفقد، لحظة الاشتباك، ثم العودة إلى الحياة بعد انتهاء القتال.
لهذا فإن القول بغياب أدب أكتوبر يظلم تراثًا حقيقيًّا ومتنوعًا. فقد كتب المصريون الحرب من الجبهة والقرية والمدينة، ومن منظور المقاتل والمراسل والأديب. لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس: هل كتب أكتوبر؟ بل: لماذا تراجع حضور كثير مما كتب في الذاكرة الثقافية للأجيال الجديدة؟ ولماذا بقيت أسماء محدودة من الروايات والأفلام حاضرة، بينما غابت عشرات الأعمال التي سجلت جوانب أخرى من التجربة؟ هنا تحديدًا تنتقل القضية من نقص الإنتاج إلى مشكلة أخرى أكثر تعقيدًا: كيف نحول أدب أكتوبر من تراث محفوظ في المكتبات إلى ذاكرة حية يعيد كل جيل اكتشافها من جديد؟
عندما وصلت الرواية إلى الشاشة:
ربما تكشف السينما جزءًا من الإجابة. فإذا سألت أجيالًا مختلفة عن العمل الفني الذي يتذكرونه عند الحديث عن أكتوبر، فمن المرجح أن تتردد أسماء مثل «الرصاصة لا تزال في جيبي» و«أبناء الصمت» و«حكايات الغريب». واللافت أن وراء هذه الأفلام نصوصًا أدبية، لكن الشاشة منحتها قدرة أوسع على الوصول والاستمرار.
صدرت «الرصاصة لا تزال في جيبي» لإحسان عبد القدوس في أعقاب الحرب، ثم تحولت إلى الفيلم الشهير الذي أصبح من أكثر الأعمال التصاقًا بذاكرة أكتوبر. لم تكن قيمة الحكاية في مشاهد القتال وحدها، وإنما في أنها ربطت رحلة الإنسان المصري برحلة الوطن؛ من مرارة 1967 إلى استعادة الثقة والانتصار. وكذلك فعل «أبناء الصمت» حين وضع مجموعة من البشر، بأحلامهم وعلاقاتهم ومخاوفهم، داخل زمن الحرب.
وهنا تكمن إحدى أهم قواعد بناء الذاكرة الوطنية: الحكاية التي لا تجد طريقها إلى الجمهور قد تبقى حبيسة رفوف المكتبات مهما بلغت قيمتها. فالذاكرة الثقافية لا يصنعها الإنتاج وحده، وإنما يصنعها أيضًا التداول وإعادة النشر والسينما والدراما والمسرح والتعليم والترجمة.
إن كتابة النصر أكثر صعوبة مما تبدو عليه؛ فالكاتب الذي يتناول انتصارًا وطنيًّا كبيرًا يواجه خطر الانزلاق من الأدب إلى الخطابة، ومن الشخصية الإنسانية إلى البطل ذي الملامح المثالية، ومن تعقيد التجربة إلى الحكاية التي نعرف نهايتها مسبقًا. لكن عظمة أكتوبر الحقيقية تجعلها في غنى عن المبالغة. فقصص الرجال الحقيقيين الذين عاشوا الحرب ربما تكون أكثر إدهاشًا من أي خيال. وما يحتاجه الأدب ليس صناعة بطولة لم تحدث، وإنما اكتشاف الإنسان الموجود داخل البطولة التي حدثت بالفعل.
حكايات لم تُكتب بعد:
وهنا ربما تكمن المساحة الأكبر التي لا تزال تنتظر الكتابة. نحن نعرف أسماء كبار القادة وبعض الأبطال، لكن خلف الأسماء الشهيرة كان هناك عشرات الآلاف من المصريين، لكل منهم حكاية.
هناك الجندي الذي عبر القناة في الموجة الأولى، والمهندس الذي فتح الثغرات في الساتر الترابي، ومقاتل الدفاع الجوي الذي أمضى سنوات في موقعه، والطبيب الذي استقبل المصابين، والمراسل الذي عاش مع الجنود، وأهالي مدن القناة الذين حملوا عبء المواجهة، والأم التي انتظرت خطاب ابنها، والزوجة التي لم تكن تعرف إن كان زوجها سيعود، والأسير الذي عاد بعد الحرب، والمقاتل الذي رجع إلى قريته واستأنف حياته وكأن شيئًا لم يحدث، بينما ظلت الحرب تعيش داخله.
هذه كلها روايات لم تُحكَ عن حرب أكتوبر التي عاشتها مصر دولة وشعبًا معًا. عانى الجميع ليتحقق النصر، وصبر الجميع لتتحرر الأرض. كانت سيناء ساحة المعارك، لكن أرض مصر كلها كانت في حرب. وكلما رحل أحد أبناء جيل الحرب من دون أن تسجل شهادته، ضاعت صفحة لا تستطيع الوثيقة العسكرية أن تعوضها. ومن هنا تصبح المحافظة على الذاكرة الشفوية للمقاتلين مسألة ثقافية ملحة، لا مجرد نشاط تذكاري يرتبط بشهر أكتوبر.
جيل جديد يحتاج إلى أكتوبر جديد:
نحن بحاجة إلى مشروع واسع لجمع شهادات المقاتلين وأسر الشهداء وأهالي مدن القناة والمراسلين والأطباء والمهندسين وكل من عاش التجربة، وحفظها وإتاحتها للباحثين والكتاب وصناع السينما والدراما. ليس المطلوب أن تتحول الدولة إلى مؤلف للروايات، وإنما أن تحفظ المادة الإنسانية الهائلة التي يستطيع المبدعون أن يصنعوا منها أدبًا وفنًّا؛ لبناء ذاكرة وطنية لأبناء لم يعايشوا أيام الحرب، ذاكرة ترسخها الإرادة والحق وتقدم الحقيقة: «ما ضاع حقًّا ورائه مطالب»، السعي لاسترداد الحق يتطلب إرادة وعزيمة ووعيًا يحتاج إليها الجميع، وليس المقاتلين فقط. وهنا لا يكفي أن نطلب من الجيل الجديد أن يتذكر؛ بل علينا أن نمنحه ما يستحق أن يتذكره.
يمكن أن تولد من أكتوبر روايات تاريخية جديدة، وأفلام ومسلسلات ذات إنتاج كبير، وأعمال وثائقية، وروايات مصورة، ومحتوى رقمي يخاطب الشباب بلغتهم، وأعمال تروي الحرب من زوايا لم تستنفد بعد. وليس في ذلك انتقاص من الأعمال القديمة، بل هو أفضل وسيلة للحفاظ عليها؛ فالذاكرة التي لا تتجدد تتحول تدريجيًّا إلى مناسبة، بينما الذاكرة الحية تعيد كل جيل اكتشافها بطريقته.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق للسؤال: هل كتبنا أكتوبر كما ينبغي؟
الإجابة ليست نعم أو لا. لقد كتبنا أكتوبر، وقدم الأدب المصري أعمالًا مهمة، وحفظت السينما بعضًا منها في الوجدان الشعبي، وسجل القادة والمقاتلون شهاداتهم، لكن التجربة كانت أكبر من أن تستنفدها مجموعة من الروايات والأفلام مهما بلغت قيمتها. ولا تزال بين الوثائق والصور وذكريات المقاتلين وأهاليهم آلاف الحكايات التي تنتظر من يكتشفها.
وبعد أكثر من نصف قرن، ربما لم تعد المهمة أن نعيد رواية أكتوبر بالطريقة نفسها، وإنما أن نبحث عن أكتوبر الذي لم يُكتب بعد؛ أكتوبر الإنسان، والجندي المجهول، والأسرة، والمدينة، والانتظار، والخوف، والصمود، والعودة إلى الحياة بعد الحرب. لقد انتهت المعركة العسكرية منذ أكثر من نصف قرن، لكن معركة الذاكرة لا تنتهي. وكل جيل مطالب بأن يعيد اكتشاف معنى ذلك اليوم بطريقته.
فالحروب تنتهي عندما تصمت المدافع، أما الانتصارات فلا تكتمل إلا عندما تجد من يرويها.