الخميس 15 اكتوبر 2026

مقالات

رواية‭ ‬النصر‭ ‬المصرية‭ ..‬‬هل‭ ‬كتبنا‭ ‬أكتوبر‭ ‬كما‭ ‬ينبغي‭؟


  • 5-10-2026 | 14:01

د. دلال محمود

طباعة
  • د. دلال محمود

ماذا‭ ‬يبقى‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تصمت‭ ‬المدافع‭, ‬وتطوى‭ ‬الخرائط‭ ‬العسكرية‭, ‬ويعود‭ ‬المقاتلون‭ ‬إلى‭ ‬بيوتهم‭? ‬تبقى‭ ‬الوثائق‭ ‬والصور‭ ‬والمذكرات‭ ‬وأسماء‭ ‬الشهداء‭, ‬وتبقى‭ ‬تواريخ‭ ‬المعارك‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ‭, ‬لكن‭ ‬الحروب‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الشعوب‭ ‬بالوثائق‭ ‬وحدها‭. ‬إنها‭ ‬تعيش‭ ‬أيضًا‭ ‬بالحكاية‭; ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬الجندي‭ ‬وجهًا‭ ‬وصوتًا‭, ‬وفي‭ ‬الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يرَ‭ ‬الجبهة‭ ‬يشعر‭ ‬بأنه‭ ‬كان‭ ‬هناك‭, ‬وفي‭ ‬القصيدة‭ ‬التي‭ ‬تختصر‭ ‬لحظة‭ ‬وطنية‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬كلمات‭ ‬قليلة‭, ‬وفي‭ ‬شهادات‭ ‬الرجال‭ ‬الذين‭ ‬عاشوا‭ ‬الخوف‭ ‬والانتظار‭ ‬والعبور‭ ‬والنصر‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يبدو‭ ‬السؤال‭ ‬مشروعًا‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬على‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭: ‬هل‭ ‬كتبنا‭ ‬أكتوبر‭ ‬كما‭ ‬ينبغي؟‭ ‬وهل‭ ‬استطاعت‭ ‬الثقافة‭ ‬المصرية‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬الاستثنائي‭ ‬‮«‬رواية‭ ‬للنصر‮»‬‭ ‬توازي‭ ‬في‭ ‬قوتها‭ ‬ومداها‭ ‬ما‭ ‬حققه‭ ‬المصريون‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬المعركة؟

السؤال‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أكتوبر‭ ‬غاب‭ ‬عن‭ ‬الأدب‭ ‬المصري‭. ‬العكس‭ ‬هو‭ ‬الصحيح؛‭ ‬فقد‭ ‬أنتجت‭ ‬الحرب‭ ‬وما‭ ‬سبقها‭ ‬من‭ ‬سنوات‭ ‬الاستنزاف‭ ‬وما‭ ‬أعقبها‭ ‬عددًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬والقصص‭ ‬والشهادات‭ ‬والأفلام‭. ‬ولكن‭ ‬القضية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬ما‭ ‬كتب‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬هذا‭ ‬الإنتاج‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرة‭ ‬ثقافية‭ ‬متجددة،‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬أجيال‭ ‬لم‭ ‬ترَ‭ ‬القناة‭ ‬قبل‭ ‬العبور،‭ ‬ولم‭ ‬تعرف‭ ‬خط‭ ‬بارليف‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬الصور‭ ‬والكتب،‭ ‬ولم‭ ‬تسمع‭ ‬بيانات‭ ‬الحرب‭ ‬وهي‭ ‬تذاع‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭.‬
عندما‭ ‬يصبح‭ ‬النصر‭ ‬حكاية‭:‬
ثمة‭ ‬فارق‭ ‬بين‭ ‬كتابة‭ ‬تاريخ‭ ‬الحرب‭ ‬وكتابة‭ ‬حكايتها‭. ‬المؤرخ‭ ‬يبحث‭ ‬عما‭ ‬حدث،‭ ‬والمؤرخ‭ ‬العسكري‭ ‬يدرس‭ ‬كيف‭ ‬حدث،‭ ‬والقائد‭ ‬يروي‭ ‬كيف‭ ‬اتخذ‭ ‬القرار،‭ ‬أما‭ ‬الأديب‭ ‬فيبحث‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬داخل‭ ‬الحدث‭. ‬فكم‭ ‬كان‭ ‬عمر‭ ‬الجندي‭ ‬الذي‭ ‬انتظر‭ ‬أمر‭ ‬العبور؟‭ ‬وبماذا‭ ‬كان‭ ‬يفكر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعبر‭ ‬القناة؟‭ ‬ماذا‭ ‬كتب‭ ‬لأسرته؟‭ ‬كيف‭ ‬عاش‭ ‬سنوات‭ ‬الاستنزاف؟‭ ‬وماذا‭ ‬شعر‭ ‬عندما‭ ‬رأى‭ ‬العلم‭ ‬المصري‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية؟‭ ‬وكيف‭ ‬عاد‭ ‬المقاتلون‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬قراهم‭ ‬ومدنهم‭ ‬وأعمالهم؟‭ ‬وماذا‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬داخلهم‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬السنوات؟
هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الذاكرة‭ ‬عن‭ ‬التفاصيل‭ ‬الكبرى‭ ‬للعمليات‭ ‬العسكرية؛‭ ‬لأن‭ ‬التاريخ‭ ‬يحفظ‭ ‬الحدث،‭ ‬بينما‭ ‬الأدب‭ ‬يمنحه‭ ‬حياة‭ ‬أخرى‭.‬
ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يوم‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬وحده‭. ‬كانت‭ ‬رحلة‭ ‬طويلة‭ ‬بدأت‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬الانكسار‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬1967،‭ ‬ومرت‭ ‬بإعادة‭ ‬بناء‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬وحرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬وسنوات‭ ‬الانتظار‭ ‬والتدريب،‭ ‬ثم‭ ‬بلغت‭ ‬ذروتها‭ ‬في‭ ‬العبور‭. ‬وهذا‭ ‬الامتداد‭ ‬الإنساني‭ ‬تحديدًا‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬التقطته‭ ‬بعض‭ ‬أفضل‭ ‬الأعمال‭ ‬الأدبية‭ ‬والفنية‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬الحرب‭.‬
حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬المصري‭:‬
لم‭ ‬تكن‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬غائبة‭ ‬عن‭ ‬الأدب‭ ‬المصري،‭ ‬بل‭ ‬حضرت‭ ‬فيه‭ ‬بصور‭ ‬متعددة،‭ ‬تختلف‭ ‬باختلاف‭ ‬موقع‭ ‬الكاتب‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬وزاوية‭ ‬اقترابه‭ ‬منها‭. ‬فبعض‭ ‬الأدباء‭ ‬كتبوا‭ ‬عن‭ ‬المقاتل‭ ‬في‭ ‬الجبهة،‭ ‬وبعضهم‭ ‬جعل‭ ‬الحرب‭ ‬نافذة‭ ‬لقراءة‭ ‬المجتمع‭ ‬المصري‭ ‬وتحولاته،‭ ‬بينما‭ ‬انشغل‭ ‬آخرون‭ ‬بالبطولة‭ ‬الفردية‭ ‬أو‭ ‬بالمقاومة‭ ‬الشعبية‭ ‬أو‭ ‬بما‭ ‬تركته‭ ‬سنوات‭ ‬الهزيمة‭ ‬والاستنزاف‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬جيل‭ ‬كامل‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬أدب‭ ‬أكتوبر‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يحيل‭ ‬إلى‭ ‬لون‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الكتابة،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬خريطة‭ ‬واسعة‭ ‬تداخلت‭ ‬فيها‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬أسئلة‭ ‬الإنسان‭ ‬والمجتمع‭ ‬والعدالة‭ ‬والذاكرة‭.‬
في‭ ‬‮«‬أبناء‭ ‬الصمت‮»‬‭ ‬اقترب‭ ‬مجيد‭ ‬طوبيا‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬كامل‭ ‬تشكل‭ ‬وعيه‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬هزيمة‭ ‬يونيو‭ ‬1967،‭ ‬ثم‭ ‬عاش‭ ‬سنوات‭ ‬الاستنزاف‭ ‬والانتظار‭ ‬والترقب‭ ‬حتى‭ ‬جاءت‭ ‬لحظة‭ ‬العبور‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الرواية‭ ‬مجرد‭ ‬سرد‭ ‬لوقائع‭ ‬عسكرية،‭ ‬وإنما‭ ‬محاولة‭ ‬للاقتراب‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الجبهة‭ ‬الذين‭ ‬تحملوا‭ ‬سنوات‭ ‬الحرب‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الأضواء‭. ‬ودلالة‭ ‬العنوان‭ ‬نفسها‭ ‬لافتة؛‭ ‬فقد‭ ‬تحدث‭ ‬طوبيا‭ ‬عن‭ ‬أولئك‭ ‬الجنود‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يقاتلون‭ ‬ويؤدون‭ ‬واجبهم‭ ‬في‭ ‬صمت،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬البطولة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تصنع‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الخطابات‭ ‬الصاخبة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تصبح‭ ‬الرواية‭ ‬شهادة‭ ‬على‭ ‬جيل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬بطولة‭ ‬لفظية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يستعد‭ ‬لاستعادة‭ ‬الأرض‭ ‬والكرامة‭.‬
أما‭ ‬يوسف‭ ‬القعيد‭ ‬فاختار‭ ‬في‭ ‬‮«‬الحرب‭ ‬في‭ ‬بر‭ ‬مصر‮»‬‭ ‬طريقًا‭ ‬مختلفًا‭ ‬تمامًا‭. ‬لم‭ ‬يجعل‭ ‬ساحة‭ ‬القتال‭ ‬مركز‭ ‬الرواية،‭ ‬بل‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬القرية‭ ‬المصرية‭ ‬ليطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬أكثر‭ ‬إزعاجًا‭: ‬من‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬الحرب،‭ ‬ومن‭ ‬يجني‭ ‬ثمارها؟‭ ‬فالشاب‭ ‬الفقير‭ ‬‮«‬مصري‮»‬‭ ‬يُرسل‭ ‬إلى‭ ‬التجنيد‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬ابن‭ ‬العمدة،‭ ‬ثم‭ ‬يستشهد‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬بينما‭ ‬تحمل‭ ‬الأوراق‭ ‬الرسمية‭ ‬اسم‭ ‬غيره‭. ‬وبذلك‭ ‬تتحول‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬إلى‭ ‬خلفية‭ ‬لكشف‭ ‬اختلالات‭ ‬المجتمع‭ ‬وقضايا‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والتمييز‭ ‬بين‭ ‬الفقراء‭ ‬وأصحاب‭ ‬النفوذ‭. ‬وقد‭ ‬رأى‭ ‬النقد‭ ‬الأكاديمي‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬معالجة‭ ‬للتحولات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬المصاحبة‭ ‬للحرب،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬رواية‭ ‬عن‭ ‬المعركة‭ ‬ذاتها‭. ‬والأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬أن‭ ‬القعيد‭ ‬نفسه‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬عاش‭ ‬تجربة‭ ‬التجنيد‭ ‬وشارك‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬1967‭ ‬والاستنزاف‭ ‬وأكتوبر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬علاقته‭ ‬بأدب‭ ‬الحرب‭ ‬بُعدًا‭ ‬شخصيًّا‭ ‬وإنسانيًّا‭ ‬واضحًا‭.‬
وفي‭ ‬اتجاه‭ ‬آخر،‭ ‬قدم‭ ‬جمال‭ ‬الغيطاني،‭ ‬الذي‭ ‬عرف‭ ‬الجبهة‭ ‬مراسلًا‭ ‬حربيًّا،‭ ‬نموذجًا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬البطولة‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرة‭ ‬أدبية‭. ‬ففي‭ ‬‮«‬الرفاعي‮»‬‭ ‬حضرت‭ ‬شخصية‭ ‬إبراهيم‭ ‬الرفاعي،‭ ‬قائد‭ ‬المجموعة‭ ‬39‭ ‬قتال،‭ ‬لا‭ ‬بوصفها‭ ‬اسمًا‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬العمليات‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬بوصفها‭ ‬نموذجًا‭ ‬إنسانيًّا‭ ‬للجرأة‭ ‬والقيادة‭ ‬والتضحية‭. ‬وفي‭ ‬‮«‬حكايات‭ ‬الغريب‮»‬‭ ‬اتسعت‭ ‬الصورة‭ ‬لتشمل‭ ‬السويس‭ ‬والمقاومة‭ ‬الشعبية‭ ‬والإنسان‭ ‬العادي‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يحفظ‭ ‬التاريخ‭ ‬اسمه،‭ ‬لكنه‭ ‬يصبح‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬الخطر‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬بطولة‭ ‬جماعية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الفرد‭.‬
وتبرز‭ ‬كذلك‭ ‬تجربة‭ ‬الكاتب‭ ‬والمقاتل‭ ‬السيد‭ ‬نجم،‭ ‬الذي‭ ‬حمل‭ ‬تجربة‭ ‬الحرب‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬أدبي‭ ‬متكامل؛‭ ‬فكتب‭ ‬‮«‬أوراق‭ ‬مقاتل‭ ‬قديم‮»‬‭ ‬ثم‭ ‬‮«‬السمان‭ ‬يهاجر‭ ‬شرقًا‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬دراساته‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬والمقاومة‭ ‬في‭ ‬الأدب‭. ‬وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬قيمتها‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬عالم‭ ‬المقاتل‭ ‬نفسه،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬الحرب‭ ‬مشهدًا‭ ‬واحدًا‭ ‬متكررًا،‭ ‬بل‭ ‬آلاف‭ ‬التجارب‭ ‬الخاصة‭: ‬الخوف‭ ‬والانتظار،‭ ‬الصداقة،‭ ‬الفقد،‭ ‬لحظة‭ ‬الاشتباك،‭ ‬ثم‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬القتال‭.‬
لهذا‭ ‬فإن‭ ‬القول‭ ‬بغياب‭ ‬أدب‭ ‬أكتوبر‭ ‬يظلم‭ ‬تراثًا‭ ‬حقيقيًّا‭ ‬ومتنوعًا‭. ‬فقد‭ ‬كتب‭ ‬المصريون‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬الجبهة‭ ‬والقرية‭ ‬والمدينة،‭ ‬ومن‭ ‬منظور‭ ‬المقاتل‭ ‬والمراسل‭ ‬والأديب‭. ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الأكثر‭ ‬إلحاحًا‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭: ‬هل‭ ‬كتب‭ ‬أكتوبر؟‭ ‬بل‭: ‬لماذا‭ ‬تراجع‭ ‬حضور‭ ‬كثير‭ ‬مما‭ ‬كتب‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الثقافية‭ ‬للأجيال‭ ‬الجديدة؟‭ ‬ولماذا‭ ‬بقيت‭ ‬أسماء‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬والأفلام‭ ‬حاضرة،‭ ‬بينما‭ ‬غابت‭ ‬عشرات‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬سجلت‭ ‬جوانب‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬التجربة؟‭ ‬هنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬تنتقل‭ ‬القضية‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬الإنتاج‭ ‬إلى‭ ‬مشكلة‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭: ‬كيف‭ ‬نحول‭ ‬أدب‭ ‬أكتوبر‭ ‬من‭ ‬تراث‭ ‬محفوظ‭ ‬في‭ ‬المكتبات‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرة‭ ‬حية‭ ‬يعيد‭ ‬كل‭ ‬جيل‭ ‬اكتشافها‭ ‬من‭ ‬جديد؟
عندما‭ ‬وصلت‭ ‬الرواية‭ ‬إلى‭ ‬الشاشة‭:‬
ربما‭ ‬تكشف‭ ‬السينما‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الإجابة‭. ‬فإذا‭ ‬سألت‭ ‬أجيالًا‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬الفني‭ ‬الذي‭ ‬يتذكرونه‭ ‬عند‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬أكتوبر،‭ ‬فمن‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تتردد‭ ‬أسماء‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الرصاصة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬جيبي‮»‬‭ ‬و«أبناء‭ ‬الصمت‮»‬‭ ‬و«حكايات‭ ‬الغريب‮»‬‭. ‬واللافت‭ ‬أن‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬الأفلام‭ ‬نصوصًا‭ ‬أدبية،‭ ‬لكن‭ ‬الشاشة‭ ‬منحتها‭ ‬قدرة‭ ‬أوسع‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬والاستمرار‭.‬
صدرت‭ ‬‮«‬الرصاصة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬جيبي‮»‬‭ ‬لإحسان‭ ‬عبد‭ ‬القدوس‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الحرب،‭ ‬ثم‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬الفيلم‭ ‬الشهير‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الأعمال‭ ‬التصاقًا‭ ‬بذاكرة‭ ‬أكتوبر‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قيمة‭ ‬الحكاية‭ ‬في‭ ‬مشاهد‭ ‬القتال‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬ربطت‭ ‬رحلة‭ ‬الإنسان‭ ‬المصري‭ ‬برحلة‭ ‬الوطن؛‭ ‬من‭ ‬مرارة‭ ‬1967‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬الثقة‭ ‬والانتصار‭. ‬وكذلك‭ ‬فعل‭ ‬‮«‬أبناء‭ ‬الصمت‮»‬‭ ‬حين‭ ‬وضع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬البشر،‭ ‬بأحلامهم‭ ‬وعلاقاتهم‭ ‬ومخاوفهم،‭ ‬داخل‭ ‬زمن‭ ‬الحرب‭.‬
وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬قواعد‭ ‬بناء‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭: ‬الحكاية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور‭ ‬قد‭ ‬تبقى‭ ‬حبيسة‭ ‬رفوف‭ ‬المكتبات‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬قيمتها‭. ‬فالذاكرة‭ ‬الثقافية‭ ‬لا‭ ‬يصنعها‭ ‬الإنتاج‭ ‬وحده،‭ ‬وإنما‭ ‬يصنعها‭ ‬أيضًا‭ ‬التداول‭ ‬وإعادة‭ ‬النشر‭ ‬والسينما‭ ‬والدراما‭ ‬والمسرح‭ ‬والتعليم‭ ‬والترجمة‭.‬
إن‭ ‬كتابة‭ ‬النصر‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬مما‭ ‬تبدو‭ ‬عليه؛‭ ‬فالكاتب‭ ‬الذي‭ ‬يتناول‭ ‬انتصارًا‭ ‬وطنيًّا‭ ‬كبيرًا‭ ‬يواجه‭ ‬خطر‭ ‬الانزلاق‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬إلى‭ ‬الخطابة،‭ ‬ومن‭ ‬الشخصية‭ ‬الإنسانية‭ ‬إلى‭ ‬البطل‭ ‬ذي‭ ‬الملامح‭ ‬المثالية،‭ ‬ومن‭ ‬تعقيد‭ ‬التجربة‭ ‬إلى‭ ‬الحكاية‭ ‬التي‭ ‬نعرف‭ ‬نهايتها‭ ‬مسبقًا‭. ‬لكن‭ ‬عظمة‭ ‬أكتوبر‭ ‬الحقيقية‭ ‬تجعلها‭ ‬في‭ ‬غنى‭ ‬عن‭ ‬المبالغة‭. ‬فقصص‭ ‬الرجال‭ ‬الحقيقيين‭ ‬الذين‭ ‬عاشوا‭ ‬الحرب‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬إدهاشًا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬خيال‭. ‬وما‭ ‬يحتاجه‭ ‬الأدب‭ ‬ليس‭ ‬صناعة‭ ‬بطولة‭ ‬لم‭ ‬تحدث،‭ ‬وإنما‭ ‬اكتشاف‭ ‬الإنسان‭ ‬الموجود‭ ‬داخل‭ ‬البطولة‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬بالفعل‭.‬
حكايات‭ ‬لم‭ ‬تُكتب‭ ‬بعد‭:‬
وهنا‭ ‬ربما‭ ‬تكمن‭ ‬المساحة‭ ‬الأكبر‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تنتظر‭ ‬الكتابة‭. ‬نحن‭ ‬نعرف‭ ‬أسماء‭ ‬كبار‭ ‬القادة‭ ‬وبعض‭ ‬الأبطال،‭ ‬لكن‭ ‬خلف‭ ‬الأسماء‭ ‬الشهيرة‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المصريين،‭ ‬لكل‭ ‬منهم‭ ‬حكاية‭.‬
هناك‭ ‬الجندي‭ ‬الذي‭ ‬عبر‭ ‬القناة‭ ‬في‭ ‬الموجة‭ ‬الأولى،‭ ‬والمهندس‭ ‬الذي‭ ‬فتح‭ ‬الثغرات‭ ‬في‭ ‬الساتر‭ ‬الترابي،‭ ‬ومقاتل‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬الذي‭ ‬أمضى‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬موقعه،‭ ‬والطبيب‭ ‬الذي‭ ‬استقبل‭ ‬المصابين،‭ ‬والمراسل‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬مع‭ ‬الجنود،‭ ‬وأهالي‭ ‬مدن‭ ‬القناة‭ ‬الذين‭ ‬حملوا‭ ‬عبء‭ ‬المواجهة،‭ ‬والأم‭ ‬التي‭ ‬انتظرت‭ ‬خطاب‭ ‬ابنها،‭ ‬والزوجة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تعرف‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬زوجها‭ ‬سيعود،‭ ‬والأسير‭ ‬الذي‭ ‬عاد‭ ‬بعد‭ ‬الحرب،‭ ‬والمقاتل‭ ‬الذي‭ ‬رجع‭ ‬إلى‭ ‬قريته‭ ‬واستأنف‭ ‬حياته‭ ‬وكأن‭ ‬شيئًا‭ ‬لم‭ ‬يحدث،‭ ‬بينما‭ ‬ظلت‭ ‬الحرب‭ ‬تعيش‭ ‬داخله‭.‬
هذه‭ ‬كلها‭ ‬روايات‭ ‬لم‭ ‬تُحكَ‭ ‬عن‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭ ‬مصر‭ ‬دولة‭ ‬وشعبًا‭ ‬معًا‭. ‬عانى‭ ‬الجميع‭ ‬ليتحقق‭ ‬النصر،‭ ‬وصبر‭ ‬الجميع‭ ‬لتتحرر‭ ‬الأرض‭. ‬كانت‭ ‬سيناء‭ ‬ساحة‭ ‬المعارك،‭ ‬لكن‭ ‬أرض‭ ‬مصر‭ ‬كلها‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬حرب‭. ‬وكلما‭ ‬رحل‭ ‬أحد‭ ‬أبناء‭ ‬جيل‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تسجل‭ ‬شهادته،‭ ‬ضاعت‭ ‬صفحة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الوثيقة‭ ‬العسكرية‭ ‬أن‭ ‬تعوضها‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تصبح‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشفوية‭ ‬للمقاتلين‭ ‬مسألة‭ ‬ثقافية‭ ‬ملحة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬نشاط‭ ‬تذكاري‭ ‬يرتبط‭ ‬بشهر‭ ‬أكتوبر‭.‬
جيل‭ ‬جديد‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أكتوبر‭ ‬جديد‭:‬
نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬واسع‭ ‬لجمع‭ ‬شهادات‭ ‬المقاتلين‭ ‬وأسر‭ ‬الشهداء‭ ‬وأهالي‭ ‬مدن‭ ‬القناة‭ ‬والمراسلين‭ ‬والأطباء‭ ‬والمهندسين‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬عاش‭ ‬التجربة،‭ ‬وحفظها‭ ‬وإتاحتها‭ ‬للباحثين‭ ‬والكتاب‭ ‬وصناع‭ ‬السينما‭ ‬والدراما‭. ‬ليس‭ ‬المطلوب‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬مؤلف‭ ‬للروايات،‭ ‬وإنما‭ ‬أن‭ ‬تحفظ‭ ‬المادة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الهائلة‭ ‬التي‭ ‬يستطيع‭ ‬المبدعون‭ ‬أن‭ ‬يصنعوا‭ ‬منها‭ ‬أدبًا‭ ‬وفنًّا؛‭ ‬لبناء‭ ‬ذاكرة‭ ‬وطنية‭ ‬لأبناء‭ ‬لم‭ ‬يعايشوا‭ ‬أيام‭ ‬الحرب،‭ ‬ذاكرة‭ ‬ترسخها‭ ‬الإرادة‭ ‬والحق‭ ‬وتقدم‭ ‬الحقيقة‭: ‬‮«‬ما‭ ‬ضاع‭ ‬حقًّا‭ ‬ورائه‭ ‬مطالب‮»‬،‭ ‬السعي‭ ‬لاسترداد‭ ‬الحق‭ ‬يتطلب‭ ‬إرادة‭ ‬وعزيمة‭ ‬ووعيًا‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها‭ ‬الجميع،‭ ‬وليس‭ ‬المقاتلين‭ ‬فقط‭. ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نطلب‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬أن‭ ‬يتذكر؛‭ ‬بل‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نمنحه‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يتذكره‭.‬
يمكن‭ ‬أن‭ ‬تولد‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬روايات‭ ‬تاريخية‭ ‬جديدة،‭ ‬وأفلام‭ ‬ومسلسلات‭ ‬ذات‭ ‬إنتاج‭ ‬كبير،‭ ‬وأعمال‭ ‬وثائقية،‭ ‬وروايات‭ ‬مصورة،‭ ‬ومحتوى‭ ‬رقمي‭ ‬يخاطب‭ ‬الشباب‭ ‬بلغتهم،‭ ‬وأعمال‭ ‬تروي‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬لم‭ ‬تستنفد‭ ‬بعد‭. ‬وليس‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬انتقاص‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬القديمة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أفضل‭ ‬وسيلة‭ ‬للحفاظ‭ ‬عليها؛‭ ‬فالذاكرة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتجدد‭ ‬تتحول‭ ‬تدريجيًّا‭ ‬إلى‭ ‬مناسبة،‭ ‬بينما‭ ‬الذاكرة‭ ‬الحية‭ ‬تعيد‭ ‬كل‭ ‬جيل‭ ‬اكتشافها‭ ‬بطريقته‭.‬
ولعل‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬المعنى‭ ‬الأعمق‭ ‬للسؤال‭: ‬هل‭ ‬كتبنا‭ ‬أكتوبر‭ ‬كما‭ ‬ينبغي؟
الإجابة‭ ‬ليست‭ ‬نعم‭ ‬أو‭ ‬لا‭. ‬لقد‭ ‬كتبنا‭ ‬أكتوبر،‭ ‬وقدم‭ ‬الأدب‭ ‬المصري‭ ‬أعمالًا‭ ‬مهمة،‭ ‬وحفظت‭ ‬السينما‭ ‬بعضًا‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬الشعبي،‭ ‬وسجل‭ ‬القادة‭ ‬والمقاتلون‭ ‬شهاداتهم،‭ ‬لكن‭ ‬التجربة‭ ‬كانت‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تستنفدها‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬والأفلام‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬قيمتها‭. ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬بين‭ ‬الوثائق‭ ‬والصور‭ ‬وذكريات‭ ‬المقاتلين‭ ‬وأهاليهم‭ ‬آلاف‭ ‬الحكايات‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬من‭ ‬يكتشفها‭.‬
وبعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المهمة‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬رواية‭ ‬أكتوبر‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها،‭ ‬وإنما‭ ‬أن‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬أكتوبر‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يُكتب‭ ‬بعد؛‭ ‬أكتوبر‭ ‬الإنسان،‭ ‬والجندي‭ ‬المجهول،‭ ‬والأسرة،‭ ‬والمدينة،‭ ‬والانتظار،‭ ‬والخوف،‭ ‬والصمود،‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭. ‬لقد‭ ‬انتهت‭ ‬المعركة‭ ‬العسكرية‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬لكن‭ ‬معركة‭ ‬الذاكرة‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭. ‬وكل‭ ‬جيل‭ ‬مطالب‭ ‬بأن‭ ‬يعيد‭ ‬اكتشاف‭ ‬معنى‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬بطريقته‭.‬
فالحروب‭ ‬تنتهي‭ ‬عندما‭ ‬تصمت‭ ‬المدافع،‭ ‬أما‭ ‬الانتصارات‭ ‬فلا‭ ‬تكتمل‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬تجد‭ ‬من‭ ‬يرويها‭.‬

أخبار الساعة