الأربعاء 14 اكتوبر 2026

مقالات

عبرنا‭ ‬الهزيمة‭

  • 5-10-2026 | 13:55
طباعة

كان‭ ‬الوقت‭ ‬الظهيرة‭, ‬واليوم‭ ‬هو‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭, ‬يجلس‭ "‬نجيب‭ ‬محفوظ‭" ‬في‭ ‬بيته‭ ‬يقرأ‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬الكتب‭.. ‬دق‭ ‬جرس‭ ‬التليفون‭ (‬الهاتف‭), ‬وكان‭ ‬المتحدث‭ ‬هو‭ "‬ثروت‭ ‬أباظة‭", ‬وبدون‭ ‬مقدمات‭ ‬صرخ‭ ‬قائلًا‭:‬

‭ "‬عبرنا‭"‬،‭ ‬فلما‭ ‬استوضح‭ ‬محفوظ‭ ‬الأمر،‭ ‬قال‭ ‬له‭ ‬إن‭ ‬الجيش‭ ‬المصري‭ ‬عبر‭ ‬القنال،‭ ‬فقابل‭ ‬محفوظ‭ ‬كلامه‭ ‬بسخرية،‭ ‬فأقسم‭ ‬أباظة‭ ‬بأن‭ ‬الحرب‭ ‬قامت،‭ ‬وطلب‭ ‬منه‭ ‬فتح‭ ‬الراديو‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬إذاعة‭.. ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬حياته،‭ ‬يسمع‭ ‬محفوظ‭ ‬الأخبار‭ ‬من‭ ‬المحطات‭ ‬الأجنبية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬كلها‭ ‬تؤكد‭ ‬ما‭ ‬ذكره‭ ‬أباظة‭.‬
يحكي‭ ‬شيخ‭ ‬الروائيين‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ "‬نجيب‭ ‬محفوظ‭.. ‬صفحات‭ ‬من‭ ‬مذكراته‭ ‬وأضواء‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬أدبه‭ ‬وحياته‭"‬،‭ ‬الذي‭ ‬أعده‭ ‬الناقد‭ ‬الراحل‭ "‬رجاء‭ ‬النقاش‭"‬،‭ ‬كيف‭ ‬كان‭ ‬انفعاله‭ ‬بالحرب‭ ‬قائلًا‭: "‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬ذهول‭ ‬غريبة‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تهمني‭ ‬نتيجة‭ ‬الحرب‭ ‬العسكرية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تهمني‭ ‬نتائجها‭ ‬النفسية،‭ ‬وكيف‭ ‬أنها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنقلنا‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬كنا‭ ‬نشعر‭ ‬فيها‭ ‬بمنتهى‭ ‬اليأس‭ ‬والانكسار،‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬مضادة‭ ‬نشعر‭ ‬فيها‭ ‬بالثقة‭ ‬والعزة‭ ‬والكرامة‭.‬
ولذلك‭ ‬فإنني‭ ‬أعتبر‭ ‬معركة‭ ‬أكتوبر‭ ‬هي‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬أنقذت‭ ‬الروح‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬الهزيمة،‭ ‬وطوال‭ ‬أيام‭ ‬المعركة‭ ‬كان‭ ‬لديّ‭ ‬إحساس‭ ‬غريب‭ ‬بأن‭ ‬أي‭ ‬تلاحم‭ ‬بين‭ ‬الجيشين‭ ‬المصري‭ ‬والإسرائيلي‭ ‬سنكون‭ ‬فيه‭ ‬المنتصرين‭ ‬والمكتسحين‭"..‬
ولم‭ ‬يكتب‭ ‬محفوظ‭ ‬أعمالًا‭ ‬أدبية‭ ‬عن‭ ‬الحرب،‭ ‬بل‭ ‬مقالات‭ ‬قصيرة‭ ‬متتابعة‭ ‬بعنوان‭ "‬دروس‭ ‬أكتوبر‭". ‬أما‭ "‬توفيق‭ ‬الحكيم‭" ‬فقد‭ ‬قال‭ ‬مقولته‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬رمزًا‭ ‬للعبور،‭ ‬وهي‭ "‬عبرنا‭ ‬الهزيمة‭"‬،‭ ‬فكتب‭ ‬يقول‭: "‬عبرنا‭ ‬الهزيمة‭ ‬بعبورنا‭ ‬إلى‭ ‬سيناء،‭ ‬ومهما‭ ‬تكن‭ ‬نتيجة‭ ‬المعارك،‭ ‬فإن‭ ‬الأهم‭ ‬هي‭ ‬الوثبة،‭ ‬وهي‭ ‬المعنى‭. ‬أن‭ ‬مصر‭ ‬هي‭ ‬دائمًا‭ ‬مصر،‭ ‬تحسبها‭ ‬الدنيا‭ ‬قد‭ ‬نامت،‭ ‬ولكن‭ ‬روحها‭ ‬لا‭ ‬تنام‭. ‬وإذا‭ ‬هجعت‭ ‬قليلًا‭ ‬فإن‭ ‬لها‭ ‬هبة‭ ‬ولها‭ ‬زمجرة،‭ ‬ثم‭ ‬قيام،‭ ‬وقد‭ ‬هبت‭ ‬مصر‭ ‬قليلًا‭ ‬وزمجرت،‭ ‬ليدرك‭ ‬العالم‭ ‬ما‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬من‭ ‬اللحظات‭".‬
تناولت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر،‭ ‬منها‭ "‬الحرب‭ ‬في‭ ‬بر‭ ‬مصر‭" ‬ليوسف‭ ‬القعيد،‭ "‬الرفاعي‭" ‬لجمال‭ ‬الغيطاني،‭ "‬نوبة‭ ‬رجوع‭" ‬لمحمود‭ ‬الورداني،‭ "‬أنشودة‭ ‬الأيام‭ ‬الآتية‭" ‬لمحمد‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الهادي،‭ "‬السمان‭ ‬يهاجر‭ ‬شرقًا‭" ‬للسيد‭ ‬نجم،‭ "‬شجر‭ ‬الصبار‭" ‬لمعصوم‭ ‬مرزوق،‭ "‬رجال‭ ‬وشظايا‭" ‬لسمير‭ ‬الفيل،‭ "‬الخريف‭ ‬الدامي‭" ‬لمحمد‭ ‬النحاس،‭ "‬سبع‭ ‬حبات‭ ‬من‭ ‬الرمال‭" ‬للسيد‭ ‬الجندي،‭ "‬يوميات‭ ‬مقاتل‭ ‬قديم‭" ‬للسيد‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬نجم،‭ "‬سنوات‭ ‬الحب‭ ‬والموت‭" ‬لبهي‭ ‬الدين‭ ‬عوض،‭ "‬يوميات‭ ‬على‭ ‬جدار‭ ‬الصمت‭" ‬لمحمد‭ ‬السيد‭ ‬سالم،‭ "‬عندما‭ ‬تشتعل‭ ‬النجوم‭" ‬لفوزي‭ ‬البارودي،‭ "‬حائط‭ ‬الصواريخ‭" ‬لعادل‭ ‬حسني،‭ "‬رأس‭ ‬العش‭" ‬لسعد‭ ‬وهبة،‭ "‬وتحطمت‭ ‬الأسطورة‭ ‬عند‭ ‬الظهر‭" ‬لأحمد‭ ‬بهاء‭ ‬الدين،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬المئات‭ ‬من‭ ‬القصص‭ ‬القصيرة‭.‬
ومن‭ ‬العرب‭ ‬كتب‭ ‬حنا‭ ‬مينا‭ "‬المرصد‭"‬،‭ ‬و‭"‬رفقة‭ ‬السلاح‭ ‬والقدر‭" ‬لمبارك‭ ‬ربيع،‭ "‬من‭ ‬يذكر‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭" ‬لحنا‭ ‬مينا‭ ‬ونجاح‭ ‬العطار،‭ "‬البيت‭ ‬والدخان‭"‬‭ ‬للسوري‭ ‬يحيى‭ ‬خضور‭.‬
يصعب‭ ‬حصر‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬قدمت‭ ‬عن‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر،‭ ‬لكن‭ ‬يلاحظ‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬عن‭ ‬أكتوبر‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬الجدد‭ ‬حينها‭ ‬الذين‭ ‬عايشوا‭ ‬الحرب،‭ ‬بينما‭ ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬الأدباء‭ ‬الكبار‭ ‬حينها‭ ‬أمثال‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬ويوسف‭ ‬إدريس‭ ‬وغيرهما،‭ ‬غير‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المقالات،‭ ‬ولم‭ ‬يعالجوها‭ ‬إبداعيًا؛‭ ‬لأنهم‭ ‬كانوا‭ ‬بعيدين‭ ‬عن‭ ‬أرض‭ ‬المعركة‭.‬
مقارنة‭ ‬غير‭ ‬متكافئة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تُعقد‭ ‬بين‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر،‭ ‬وبين‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬الحروب‭ ‬مثل‭ "‬الحرب‭ ‬والسلام‭" ‬لتولستوي،‭ "‬وداعًا‭ ‬للسلاح‭" ‬لهيمنجواي،‭ "‬الدون‭ ‬الهادئ‭" ‬لشولوخوف،‭ ‬ومالرو‭ "‬الأمل‭"‬،‭ ‬وبريخت‭ "‬الأجراء‭"‬،‭ ‬وبيتر‭ ‬فايس‭ "‬وحش‭ ‬أنجولا‭"‬‭ ‬وغيرها‭.. ‬مقارنات‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬صالح‭ ‬العبور‭ ‬العظيم،‭ ‬لأن‭ ‬العبور‭ ‬من‭ ‬العظمة‭ ‬لا‭ ‬تسعها‭ ‬الآمال‭ ‬الأدبية‭.. ‬مقصرون‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬العبور‭ ‬العظيم‭ ‬ولا‭ ‬نزال‭!‬

أخبار الساعة

الاكثر قراءة