كان الوقت الظهيرة, واليوم هو السادس من أكتوبر 1973, يجلس "نجيب محفوظ" في بيته يقرأ في أحد الكتب.. دق جرس التليفون (الهاتف), وكان المتحدث هو "ثروت أباظة", وبدون مقدمات صرخ قائلًا:
"عبرنا"، فلما استوضح محفوظ الأمر، قال له إن الجيش المصري عبر القنال، فقابل محفوظ كلامه بسخرية، فأقسم أباظة بأن الحرب قامت، وطلب منه فتح الراديو على أي إذاعة.. ولأول مرة في حياته، يسمع محفوظ الأخبار من المحطات الأجنبية التي كانت كلها تؤكد ما ذكره أباظة.
يحكي شيخ الروائيين في كتاب "نجيب محفوظ.. صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته"، الذي أعده الناقد الراحل "رجاء النقاش"، كيف كان انفعاله بالحرب قائلًا: "وجدت نفسي في حالة ذهول غريبة. لم تكن تهمني نتيجة الحرب العسكرية بقدر ما تهمني نتائجها النفسية، وكيف أنها يمكن أن تنقلنا من حالة كنا نشعر فيها بمنتهى اليأس والانكسار، إلى حالة مضادة نشعر فيها بالثقة والعزة والكرامة.
ولذلك فإنني أعتبر معركة أكتوبر هي الحرب التي أنقذت الروح العربية من الهزيمة، وطوال أيام المعركة كان لديّ إحساس غريب بأن أي تلاحم بين الجيشين المصري والإسرائيلي سنكون فيه المنتصرين والمكتسحين"..
ولم يكتب محفوظ أعمالًا أدبية عن الحرب، بل مقالات قصيرة متتابعة بعنوان "دروس أكتوبر". أما "توفيق الحكيم" فقد قال مقولته التي أصبحت رمزًا للعبور، وهي "عبرنا الهزيمة"، فكتب يقول: "عبرنا الهزيمة بعبورنا إلى سيناء، ومهما تكن نتيجة المعارك، فإن الأهم هي الوثبة، وهي المعنى. أن مصر هي دائمًا مصر، تحسبها الدنيا قد نامت، ولكن روحها لا تنام. وإذا هجعت قليلًا فإن لها هبة ولها زمجرة، ثم قيام، وقد هبت مصر قليلًا وزمجرت، ليدرك العالم ما تستطيع أن تفعل في لحظة من اللحظات".
تناولت الكثير من الأعمال حرب أكتوبر، منها "الحرب في بر مصر" ليوسف القعيد، "الرفاعي" لجمال الغيطاني، "نوبة رجوع" لمحمود الورداني، "أنشودة الأيام الآتية" لمحمد عبد الله الهادي، "السمان يهاجر شرقًا" للسيد نجم، "شجر الصبار" لمعصوم مرزوق، "رجال وشظايا" لسمير الفيل، "الخريف الدامي" لمحمد النحاس، "سبع حبات من الرمال" للسيد الجندي، "يوميات مقاتل قديم" للسيد عبد العزيز نجم، "سنوات الحب والموت" لبهي الدين عوض، "يوميات على جدار الصمت" لمحمد السيد سالم، "عندما تشتعل النجوم" لفوزي البارودي، "حائط الصواريخ" لعادل حسني، "رأس العش" لسعد وهبة، "وتحطمت الأسطورة عند الظهر" لأحمد بهاء الدين، بالإضافة إلى المئات من القصص القصيرة.
ومن العرب كتب حنا مينا "المرصد"، و"رفقة السلاح والقدر" لمبارك ربيع، "من يذكر تلك الأيام" لحنا مينا ونجاح العطار، "البيت والدخان" للسوري يحيى خضور.
يصعب حصر الأعمال التي قدمت عن حرب أكتوبر، لكن يلاحظ أن معظم من كتب عن أكتوبر كانوا من الشباب الجدد حينها الذين عايشوا الحرب، بينما لم يكتب الأدباء الكبار حينها أمثال نجيب محفوظ ويوسف إدريس وغيرهما، غير مجموعة من المقالات، ولم يعالجوها إبداعيًا؛ لأنهم كانوا بعيدين عن أرض المعركة.
مقارنة غير متكافئة ما زالت تُعقد بين الأعمال التي تناولت حرب أكتوبر، وبين عدد من الأعمال العالمية التي تناولت الحروب مثل "الحرب والسلام" لتولستوي، "وداعًا للسلاح" لهيمنجواي، "الدون الهادئ" لشولوخوف، ومالرو "الأمل"، وبريخت "الأجراء"، وبيتر فايس "وحش أنجولا" وغيرها.. مقارنات ليست في صالح العبور العظيم، لأن العبور من العظمة لا تسعها الآمال الأدبية.. مقصرون في حق العبور العظيم ولا نزال!