الأربعاء 14 اكتوبر 2026

تحقيقات

السوشيال ميديا والتضليل

  • 14-10-2026 | 18:39

السوشيال ميديا والتضليل

طباعة
  • د. زياد عبد التواب

لم يحدث أن وُجدت وسيلة للاتصال بين البشر مثلما فعلت شبكة الإنترنت، تلك الشبكة التي بدأت كمشروع بحثي في وزارة الدفاع الأمريكية عام 1969، ثم تطورت منذ بداية التسعينيات حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، حيث يبلغ عدد مستخدميها حول العالم حوالي 6.1 مليار مستخدم، يشكلون 74% من سكان الأرض.

وبداخل تلك الشبكة عدد كبير من المنصات والخدمات، أكبرها على الإطلاق شبكات التواصل الاجتماعي، التي يبلغ عدد مستخدميها حوالي 5.6 مليار مستخدم حول العالم أيضًا، أما الوضع في مصر، فنراه متقدمًا جدًا، حيث يبلغ عدد اشتراكات الإنترنت من خلال الهاتف المحمول حوالي 98.5 مليون اشتراك، وحوالي 61 مليون مستخدم لشبكات التواصل الاجتماعي، مما يضع مصر في الترتيب الحادي عشر بين دول العالم من حيث عدد المستخدمين.

ولذلك، فإنه يمكن اعتبار شبكات التواصل الاجتماعي أكبر تجمع بشري عبر العصور، وربما منذ بدء الخليقة. وحتى مع اختلاف اللغات وفروق التوقيت، فإن ذلك لا يمنع التواصل بين مستخدميها، وهو التواصل الذي يمتد لساعات طويلة يوميًا، ويحوّل مستخدميها إلى مدمنين على الاستخدام، مخافة فقدان خبر جديد، وبحثًا عن دفعات من الدوبامين في العقول. والنتيجة هي الوصول إلى حالة من تشوش الذهن، استخدم قاموس أكسفورد مصطلحًا يعبّر عنها كلمة العام لعام 2024، وهو «تعفن الدماغ»، حيث لا قدرة على التفكير المنطقي، ولا طاقة على التركيز أو الحفظ أو التأمل، مع المزيد من الاكتئاب والقلق والتوتر، وانخفاض الإحساس بالذات إلى أدنى مستوياته؛ فيشعر المستخدم بأن باقي المستخدمين في غاية السعادة، إلا هو، وأنهم في قمة النجاح، إلا هو... إلخ.

وعندما يصل الإنسان إلى هذه الحالة، يصبح فريسة سهلة للاستهداف من خلال خوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تغرقه بالكثير من الأكاذيب المفبركة، من منشورات وأخبار وصور ومقاطع مصورة، ومع انهمارها على عقله ووجدانه، تنخفض لديه المقاومة أو القدرة على التمحيص، فتستقر في عقله الباطن، وتتحول إلى مشاعر سلبية، ثم ما تلبث أن تنتقل إلى مرحلة الفعل.

والأمثلة كثيرة على الفيديوهات المفبركة بواسطة الذكاء الاصطناعي، فيما يُعرف بالتزييف العميق؛ فما إن يصدر أحد هذه الفيديوهات حتى تبدأ جهات الدولة في الرد والتفنيد، وإن كان الفيديو عامًا، فإن الخبراء يبدأون في التشكيك فيه بأساليب منطقية تعتمد على التفكير المنطقي.

لذلك، لا مناص من اتباع قواعد الوصول إلى الوعي الرقمي؛ فليس كل ما تراه حقيقيًا، والتضليل يستهدف العقل والوجدان، ويكون الهدف هو التأثير في المشاعر لزيادة المشاعر السلبية، كالخوف واليأس والانقسام. كما أن تكرار المحتوى لا يجعله حقيقيًا؛ فالهدف هو زعزعة الثقة بين المواطن والدولة، وبث الفتن بين أطياف المجتمع المختلفة. ولذلك، نحتاج إلى تعلم ثقافة الاختلاف برقي، وأن نتعلم أن الكلمة مسؤولية، وإعادة نشرها مسؤولية أيضًا.

فتلك التطبيقات تجعل صاحبها يعيش داخل فقاعة ترشيح تعزله عن الحقيقة، وتعرض له فكرة واحدة أو خبرًا واحدًا أو استنتاجًا واحدًا غير صحيح، ثم تبدأ في تكراره مثل صدى الصوت، فيعتقد أن هذه هي الحقيقة الكاملة، وهذه هي الحقيقة الوحيدة، بينما الحقيقة أنها ليست حقيقة، وليست كاملة.

كما أن خوارزميات تلك التطبيقات ليست محايدة؛ فأحيانًا تخفي محتوى، وأحيانًا أخرى تُظهر محتوى مثيرًا أو تافهًا أو مغلوطًا، فينتشر أكثر بكثير من المنشور الصحيح أو المفيد، وإضافة إلى هذا، فإن سلامة نية المستخدم تجعله يبوح لتلك التطبيقات بالكثير من البيانات والمعلومات الشخصية، ويبوح أيضًا بما يحس به، وبما يشعر به، وبما يرغب فيه مستقبلًا. ولذلك، تتفاعل تلك المنصات مع هذه البيانات بصورة تجعل المستخدم يعتقد أن تلك المنصات تقرأ أفكاره، والحقيقة أنه هو السبب في ذلك.

لذلك، فإن طوق النجاة يعتمد على المعلومات الموثقة، وعلى التفكير النقدي الذي يتساءل قبل أن يصدق، ويمرر المعلومات على عدد من الفلاتر، منها: مَن؟ وأين؟ ولماذا؟ وهل توجد معلومات أخرى؟ وهل المعلومات نفسها موجودة في مصادر أخرى خارج السوشيال ميديا أصلًا؟... إلخ.

الإشكالية أن معركة الوعي لا تتوقف، وتستمر على مدار الساعة، وتحتاج إلى يقظة وانتباه؛ فلا مكان لسلامة النية وحدها، ولا مكان لمن يصدق كل ما يراه.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة