الأربعاء 14 اكتوبر 2026

مقالات

السويس‭ ‬مدينة‭ ‬الأبطال

  • 5-10-2026 | 14:36
طباعة

مدينة‭ ‬السويس‭ ‬أيقونة‭ ‬تجسد‭ ‬مدى‭ ‬عشق‭ ‬التاريخ‭ ‬لبعض‭ ‬المدن‭, ‬حيث‭ ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬الأسرة‭ ‬الخامسة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬مصر‭ ‬القديم‭, ‬وحملت‭ ‬اسم‭ ‬القلزم‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬بحر‭ ‬القلزم‭, ‬الذي‭ ‬حمل‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬اسم‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭. ‬ومع‭ ‬توالي‭ ‬الحقب‭ ‬والعصور‭ ‬راحت‭ ‬السويس‭ ‬تزداد‭ ‬أهمية‭ ‬وألقًا‭, ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭, ‬لا‭ ‬الحصر‭, ‬عندما‭ ‬دخل‭ ‬الإسلام‭ ‬مصر‭, ‬تحولت‭ ‬السويس‭ ‬إلى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬محطات‭ ‬الحجيج‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الأراضي‭ ‬المقدسة‭ ‬بالحجاز‭. ‬وعندما‭ ‬حكم‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬مصر‭, ‬تحولت‭ ‬السويس‭ ‬إلى‭ ‬المركز‭ ‬الرئيس‭ ‬لصناعة‭ ‬سفن‭ ‬الأسطول‭ ‬المصري‭ ‬التجاري‭ ‬والحربي‭. ‬وعندما‭ ‬قامت‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭ ‬بقيادة‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭, ‬تحولت‭ ‬السويس‭ ‬إلى‭ ‬قلعة‭ ‬عملاقة‭ ‬من‭ ‬قلاع‭ ‬الصناعة‭ ‬المصرية‭, ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬صناعات‭ ‬البترول‭ ‬والأسمدة‭.‬


وهكذا‭ ‬تزداد‭ ‬أهمية‭ ‬مدينة‭ ‬السويس‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الحقب‭ ‬والسنوات،‭ ‬ولذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غريبًا‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬بموقعها‭ ‬الفريد‭ ‬إلى‭ ‬قلعة‭ ‬عسكرية‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصر،‭ ‬خاصة‭ ‬وأنها‭ ‬جزء‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬مصر‭ ‬الأهم‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬سيناء‭ ‬ومنطقة‭ ‬القناة،‭ ‬تلك‭ ‬البوابة‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬الغزوات‭ ‬ضد‭ ‬مصر‭ ‬والفتوحات‭ ‬المصرية‭ ‬خارج‭ ‬أراضيها‭.‬
ولم‭ ‬يكن‭ ‬غريبًا‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬العدوان‭ ‬الثلاثي‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬عام‭ ‬1956‭ ‬اسم‭ ‬حرب‭ ‬السويس،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬العدوان‭ ‬قد‭ ‬تركز‭ ‬بشكل‭ ‬أساس‭ ‬على‭ ‬مدينة‭ ‬بورسعيد،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬العدوان‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قامت‭ ‬مصر‭ ‬بتأميم‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬في‭ ‬26‭ ‬يوليو‭ ‬1956،‭ ‬تلك‭ ‬القناة‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬عشق‭ ‬التاريخ‭ ‬لهذه‭ ‬المدينة،‭ ‬حيث‭ ‬حملت‭ ‬القناة‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬اسم‭ ‬السويس‭.‬
وقد‭ ‬برزت‭ ‬بطولات‭ ‬أبناء‭ ‬السويس‭ ‬بشكل‭ ‬لافت‭ ‬ومؤثر‭ ‬خلال‭ ‬حربي‭ ‬الاستنزاف‭ ‬وأكتوبر،‭ ‬حيث‭ ‬تمتع‭ ‬شباب‭ ‬السويس‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬والوعي‭ ‬وممارسة‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭.‬
ولذلك‭ ‬اتسموا‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬سرعة‭ ‬التلبية‭ ‬والشجاعة،‭ ‬فعندما‭ ‬حدث‭ ‬عدوان‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬يونيه‭ ‬1967،‭ ‬وأصدر‭ ‬المشير‭ ‬عبدالحكيم‭ ‬عامر‭ ‬قرار‭ ‬الانسحاب‭ ‬الخاطئ،‭ ‬اتجه‭ ‬شباب‭ ‬السويس‭ ‬بشكل‭ ‬فوري‭ ‬إلى‭ ‬شاطئ‭ ‬القناة،‭ ‬ونزلوا‭ ‬بمراكبهم‭ ‬الصغيرة‭ ‬للعمل‭ ‬على‭ ‬استقبال‭ ‬وإنقاذ‭ ‬الجنود‭ ‬العائدين‭ ‬من‭ ‬معركة‭ ‬لم‭ ‬يخوضوها‭.‬
وراح‭ ‬هذا‭ ‬الشباب‭ ‬الواعي‭ ‬يقوم‭ ‬بعمليات‭ ‬الإسعافات‭ ‬الأولية‭ ‬لمن‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها،‭ ‬ونقل‭ ‬المصابين‭ ‬إلى‭ ‬مستشفى‭ ‬السويس،‭ ‬وكتابة‭ ‬الخطابات‭ ‬التي‭ ‬تطمئن‭ ‬الأهل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ربوع‭ ‬مصر‭. ‬ولم‭ ‬يكتفِ‭ ‬شباب‭ ‬السويس‭ ‬بكل‭ ‬هذا،‭ ‬ولكنهم‭ ‬قاموا‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬بتقسيم‭ ‬أنفسهم‭ ‬إلى‭ ‬مجموعات‭ ‬للمقاومة‭ ‬الشعبية‭ ‬لحراسة‭ ‬الأماكن‭ ‬الحيوية‭ ‬في‭ ‬المدينة‭: ‬ميناء‭ ‬السويس‭ ‬وميناء‭ ‬الأدبية‭ ‬ومبنى‭ ‬المحافظة،‭ ‬إلخ‭.‬
وكانت‭ ‬المبادرة‭ ‬الأهم‭ ‬فيما‭ ‬فعله‭ ‬الكابتن‭ ‬غزال‭ (‬محمد‭ ‬أحمد‭ ‬غزال‭)‬،‭ ‬الشاعر‭ ‬وعازف‭ ‬السمسمية‭ ‬والملحن،‭ ‬وأحد‭ ‬الكوادر‭ ‬السياسية‭ ‬المهمة‭ ‬بالمدينة،‭ ‬حيث‭ ‬سارع‭ ‬إلى‭ ‬تكوين‭ ‬فرقة‭ ‬السمسمية‭ ‬بعنوان‭ (‬ولاد‭ ‬الأرض‭)‬،‭ ‬وضم‭ ‬إليها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬أبطال‭ ‬المقاومة‭ ‬الشعبية،‭ ‬ليجسد‭ ‬المعنى‭ ‬الرائع‭ (‬يد‭ ‬تعزف‭ ‬ويد‭ ‬تحمل‭ ‬السلاح‭). ‬وراح‭ ‬غزالي‭ ‬يكتب‭ ‬عشرات‭ ‬الأغاني‭ ‬الوطنية‭ ‬الحماسية‭ ‬التي‭ ‬حققت‭ ‬نجاحات‭ ‬مدوية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ربوع‭ ‬مصر،‭ ‬فتم‭ ‬استنساخها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عشرات‭ ‬الفرق،‭ ‬ففي‭ ‬الإسماعيلية‭ ‬فرقة‭ ‬الصامدين‭ ‬بقيادة‭ ‬حافظ‭ ‬الصادق،‭ ‬وفي‭ ‬بورسعيد‭ ‬فرقة‭ ‬شباب‭ ‬النصر‭ ‬بقيادة‭ ‬كامل‭ ‬عيد،‭ ‬وفي‭ ‬رأس‭ ‬البر‭ ‬فرقة‭ ‬شباب‭ ‬البحر‭ ‬بقيادة‭ ‬إبراهيم‭ ‬الباني،‭ ‬وفي‭ ‬القاهرة‭ ‬فرقة‭ ‬أخرى‭ ‬بقيادة‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬عرنوس،‭ ‬وراح‭ ‬شباب‭ ‬مدن‭ ‬القناة‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬تهجيرهم‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬محافظات‭ ‬مصر‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يستخدمهم‭ ‬العدو‭ ‬ورقة‭ ‬ضغط،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬اشتعال‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬وتكبيد‭ ‬قوات‭ ‬العدو‭ ‬خسائر‭ ‬فادحة‭ ‬في‭ ‬المعدات‭ ‬والأرواح،‭ ‬يعملون‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬فرق‭ ‬صغيرة‭ ‬تغني‭ ‬على‭ ‬السمسمية‭ ‬أغاني‭ ‬كابتن‭ ‬غزال،‭ ‬تلك‭ ‬الأغاني‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬إدارة‭ ‬الشئون‭ ‬المعنوية‭ ‬بالجيش‭ ‬لأخذ‭ ‬غزالي‭ ‬وفرقته‭ ‬ليغنوا‭ ‬للجنود‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬المواجهة،‭ ‬تلك‭ ‬الأغاني‭ ‬التي‭ ‬ترفع‭ ‬الروح‭ ‬المعنوية‭ ‬وتبث‭ ‬الحماس‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬الجنود،‭ ‬ويكفي‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬غزالي‭ ‬في‭ ‬أغنيته‭ ‬الرائعة‭ ‬‮«‬فات‭ ‬الكثير‭ ‬يا‭ ‬بلدنا‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬أعاد‭ ‬غناءها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬فايدة‭ ‬كامل‭ ‬ومحمد‭ ‬منير‭.‬
حيث‭ ‬قال‭: (‬وعضم‭ ‬أخواتنا‭ ‬نلمه‭ ‬نلمه‭.. ‬نسنه‭ ‬نسنه‭.. ‬نعمل‭ ‬منه‭ ‬مدافع‭.. ‬وندافع‭.. ‬ونجيب‭ ‬النصر‭ ‬هدية‭ ‬لمصر‭.. ‬فات‭ ‬الكثير‭ ‬يا‭ ‬بلدنا‭ ‬ما‭ ‬بقاش‭ ‬إلا‭ ‬القليل‭).‬
أما‭ ‬المبادرة‭ ‬الثانية‭ ‬والمهمة‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬السويس،‭ ‬فكانت‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الفدائي‭ ‬عبدالمنعم‭ ‬خالد،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬سائقًا‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬شركات‭ ‬البترول،‭ ‬ويذهب‭ ‬إلى‭ ‬القاهرة‭ ‬بشكل‭ ‬دائم،‭ ‬فسارع‭ ‬بالذهاب‭ ‬إلى‭ ‬مكتب‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بالقاهرة،‭ ‬وطلب‭ ‬منهم‭ ‬أن‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬فلسطين،‭ ‬لينضم‭ ‬إلى‭ ‬أبطال‭ ‬المقاومة‭ ‬ضد‭ ‬العدو‭ ‬الصهيوني‭. ‬وعندما‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬السويس،‭ ‬وجد‭ ‬رسالة‭ ‬من‭ ‬مكتب‭ ‬المخابرات‭ ‬الحربية‭ ‬بالسويس‭ ‬للذهاب‭ ‬إليهم،‭ ‬وعندما‭ ‬ذهب‭ ‬سأله‭ ‬العقيد‭ ‬فتحي‭ ‬عباس،‭ ‬رئيس‭ ‬المكتب،‭ ‬عن‭ ‬سر‭ ‬ذهابه‭ ‬لمكتب‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير،‭ ‬فقال‭: ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أحارب‭ ‬العدو‭. ‬فرد‭ ‬عليه‭: ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تحاربه‭ ‬وأنت‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬مصر‭. ‬فقال‭ ‬خالد‭: ‬كيف‭ ‬نفعل‭ ‬ذلك؟‭ ‬فسأله‭ ‬عباس‭: ‬هل‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬بشباب‭ ‬مثلك؟‭ ‬فرد‭ ‬سريعًا‭: ‬كل‭ ‬شباب‭ ‬السويس‭ ‬أفضل‭ ‬مني‭.‬
وهكذا‭ ‬بدأت‭ ‬قصة‭ ‬إنشاء‭ ‬المنظمة‭ ‬الفدائية‭ (‬منظمة‭ ‬سيناء‭ ‬العربية‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬تخضع‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬لإشراف‭ ‬المخابرات‭ ‬الحربية،‭ ‬ويقوم‭ ‬بالتدريب‭ ‬فيها‭ ‬أبطال‭ ‬الصاعقة‭ ‬المصرية،‭ ‬مثل‭ ‬الرائد‭ ‬مختار‭ ‬الغار‭ (‬اللواء‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭)‬،‭ ‬وانضم‭ ‬إلى‭ ‬المنظمة‭ ‬من‭ ‬شباب‭ ‬السويس‭ ‬مصطفى‭ ‬أبو‭ ‬هاشم‭ - ‬محمود‭ ‬عواد‭ - ‬عبدالمنعم‭ ‬خالد‭ - ‬عبدالمنعم‭ ‬قناوي‭ - ‬غريب‭ ‬محمد‭ ‬غريب‭ - ‬محمود‭ ‬طه‭ - ‬فتحي‭ ‬عوض‭ ‬الله‭ - ‬ميمي‭ ‬سرحان،‭ ‬إلخ‭. ‬ووصل‭ ‬عدد‭ ‬أبطال‭ ‬المنظمة‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬إنشاؤها‭ ‬عام‭ ‬1968‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬520‭ ‬بطلًا،‭ ‬كان‭ ‬معظمهم‭ ‬من‭ ‬سيناء‭ ‬شمالًا‭ ‬وجنوبًا‭. ‬وقام‭ ‬أبطال‭ ‬السويس‭ ‬بعشرات‭ ‬العمليات‭ ‬الفدائية‭ ‬ضد‭ ‬قوات‭ ‬العدو‭ ‬شرق‭ ‬القناة،‭ ‬وكان‭ ‬أشهر‭ ‬تلك‭ ‬العمليات‭ ‬العملية‭ ‬التي‭ ‬حملت‭ ‬اسم‭ (‬وضح‭ ‬النهار‭)‬،‭ ‬وتمت‭ ‬صباح‭ ‬الثامن‭ ‬من‭ ‬أغسطس‭ ‬عام‭ ‬1969‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشط‭ ‬شمال‭ ‬السويس،‭ ‬حيث‭ ‬استطاع‭ ‬12‭ ‬بطلًا‭ ‬من‭ ‬أبطال‭ ‬المنظمة‭ ‬عمل‭ ‬كمين‭ ‬لدورية‭ ‬من‭ ‬دوريات‭ ‬العدو،‭ ‬وتم‭ ‬تدمير‭ ‬دبابتين‭ ‬وعربة،‭ ‬وقتل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬قوات‭ ‬العدو‭. ‬
وقد‭ ‬تم‭ ‬نشر‭ ‬أخبار‭ ‬تلك‭ ‬العملية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الصحف‭ ‬ووكالات‭ ‬الأنباء‭ ‬المصرية‭ ‬والعربية‭ ‬والأجنبية‭.‬
وبعد‭ ‬رحيل‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬سبتمبر‭ ‬1970،‭ ‬قرر‭ ‬السادات‭ ‬تجميد‭ ‬عمل‭ ‬المقاومة‭ ‬الشعبية،‭ ‬ولكن‭ ‬أبطال‭ ‬السويس‭ ‬حافظوا‭ ‬على‭ ‬برنامجهم‭ ‬العادي‭ ‬من‭ ‬التدريب‭ ‬البدني‭ ‬وعلى‭ ‬السلاح،‭ ‬وكانوا‭ ‬ينتظرون‭ ‬المعركة‭ ‬الكبرى‭ ‬مع‭ ‬العدو،‭ ‬لكي‭ ‬يثأروا‭ ‬للبطلين‭ ‬من‭ ‬زملائهم‭ ‬اللذين‭ ‬استشهدا‭ ‬في‭ ‬مواجهات‭ ‬مع‭ ‬العدو،‭ ‬وهما‭ ‬قائد‭ ‬المجموعة‭ ‬مصطفى‭ ‬أبوهاشم،‭ ‬والبطل‭ ‬سعيد‭ ‬البشتلي‭.‬
وانفجرت‭ ‬أحداث‭ ‬معركة‭ ‬العبور‭ ‬في‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر،‭ ‬وظلت‭ ‬السويس‭ ‬بعيدة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬عن‭ ‬معارك‭ ‬العبور‭ ‬الشرسة،‭ ‬وفجأة‭ ‬حدثت‭ ‬ثغرة‭ ‬الدفرسوار‭ ‬يوم‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬أكتوبر،‭ ‬تلك‭ ‬الثغرة‭ ‬التي‭ ‬تمت‭ ‬بتخطيط‭ ‬ومعونة‭ ‬الأمريكان،‭ ‬تلك‭ ‬الثغرة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تفريغ‭ ‬انتصار‭ ‬أكتوبر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مضامينه‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬احتلال‭ ‬مدينتي‭ ‬الإسماعيلية‭ ‬والسويس،‭ ‬وحصار‭ ‬الجيشين‭ ‬الثاني‭ ‬والثالث،‭ ‬وإجبار‭ ‬جنودهما‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬غرب‭ ‬القناة‭. ‬ولكن‭ ‬العقيد‭ ‬أحمد‭ ‬أسامة‭ ‬إبراهيم،‭ ‬قائد‭ ‬مجموعة‭ ‬الصاعقة،‭ ‬استطاع‭ ‬مع‭ ‬ضباطه‭ ‬وجنوده‭ ‬مواجهة‭ ‬قوات‭ ‬العدو،‭ ‬التي‭ ‬ضغطت‭ ‬بكل‭ ‬قواها‭ ‬لاحتلال‭ ‬مدينة‭ ‬الإسماعيلية‭. ‬ولكن‭ ‬أبطال‭ ‬الصاعقة‭ ‬المصرية‭ ‬استطاعوا‭ ‬تلقين‭ ‬تلك‭ ‬القوات‭ ‬درسًا‭ ‬لن‭ ‬تنساه،‭ ‬حيث‭ ‬كبدتها‭ ‬خسائر‭ ‬فادحة‭ ‬في‭ ‬المعدات‭ ‬والأفراد،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬دبابات‭ ‬العدو‭ ‬الموجودة‭ ‬عند‭ ‬منطقة‭ (‬أبوعطوة‭) ‬على‭ ‬مشارف‭ ‬مدينة‭ ‬الإسماعيلية‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬هزيمة‭ ‬وخسائر‭ ‬العدو‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعركة‭ ‬الملحمية‭.‬
وعندما‭ ‬انكسرت‭ ‬قوات‭ ‬العدو‭ ‬على‭ ‬مشارف‭ ‬الإسماعيلية،‭ ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬ترمي‭ ‬بكل‭ ‬ثقلها‭ ‬لاحتلال‭ ‬مدينة‭ ‬السويس،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬قوات‭ ‬العدو‭ ‬قد‭ ‬نجحت‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬حصار‭ ‬قوات‭ ‬الجيش‭ ‬الثالث‭ ‬شرق‭ ‬القناة،‭ ‬بما‭ ‬جعلهم‭ ‬يتصورون‭ ‬أن‭ ‬مهمتهم‭ ‬في‭ ‬السويس‭ ‬ستكون‭ ‬أسهل‭ ‬كثيرًا،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لتعويض‭ ‬خسائرهم‭ ‬في‭ ‬الإسماعيلية‭.‬
ورغم‭ ‬صدور‭ ‬قرار‭ ‬وقف‭ ‬القتال‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬يوم‭ ‬22‭ ‬أكتوبر،‭ ‬وقبول‭ ‬مصر‭ ‬بهذا‭ ‬القرار،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬رئيسة‭ ‬وزراء‭ ‬العدو‭ ‬جولدا‭ ‬مائير‭ ‬طلبت‭ ‬من‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكي‭ ‬اليهودي‭ ‬هنري‭ ‬كيسنجر‭ ‬أن‭ ‬يمنحها‭ ‬بعض‭ ‬الوقت،‭ ‬حتى‭ ‬تحتل‭ ‬قواتها‭ ‬مدينة‭ ‬السويس‭. ‬وفي‭ ‬صباح‭ ‬الرابع‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬كانت‭ ‬مدينة‭ ‬السويس‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬مع‭ ‬القدر،‭ ‬وكان‭ ‬أبطال‭ ‬منظمة‭ ‬سيناء‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬فدائي‭ ‬السويس‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬مع‭ ‬البطولات‭ ‬العظيمة،‭ ‬حيث‭ ‬قرر‭ ‬أبطال‭ ‬المقاومة‭ ‬الشعبية‭ ‬ترك‭ ‬شوارع‭ ‬المدينة‭ ‬خالية‭ ‬تمامًا،‭ ‬ليظن‭ ‬العدو‭ ‬أن‭ ‬أهلها‭ ‬قد‭ ‬فروا‭ ‬منها،‭ ‬وذلك‭ ‬تكرارًا‭ ‬لبطولة‭ ‬أهل‭ ‬مدينة‭ ‬رشيد‭ ‬ضد‭ ‬حملة‭ ‬فريزر‭ ‬الإنجليزي‭ ‬عام‭ ‬1807‭. ‬ودخلت‭ ‬الدفعة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬عربات‭ ‬ودبابات‭ ‬العدو،‭ ‬يقودها‭ ‬السائقون،‭ ‬ومعهم‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ (‬الدمى‭) ‬أو‭ ‬العرائس‭ ‬الماريونيت‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬جنود،‭ ‬وعندما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬دخلت‭ ‬القوات‭ ‬الحقيقية،‭ ‬لتنفتح‭ ‬عليهم‭ ‬أبواب‭ ‬جهنم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الشوارع‭ ‬والبيوت‭.‬
وكان‭ ‬الشهيد‭ ‬أحمد‭ ‬أبوهاشم‭ ‬أول‭ ‬شهداء‭ ‬يوم‭ ‬الرابع‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬أكتوبر،‭ ‬عندما‭ ‬استشهد‭ ‬عند‭ ‬مزلقان‭ ‬البراجيل‭ ‬وهو‭ ‬يواجه‭ ‬قوات‭ ‬العدو،‭ ‬تلك‭ ‬القوات‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬وسط‭ ‬كمين‭ ‬عملاق،‭ ‬يقوده‭ ‬أبطال‭ ‬منظمة‭ ‬سيناء‭ ‬العربية‭. ‬هؤلاء‭ ‬الأبطال‭ ‬الذين‭ ‬استطاعوا‭ ‬تدمير‭ ‬دبابتين،‭ ‬الأولى‭ ‬دمرها‭ ‬إبراهيم‭ ‬سليمان،‭ ‬والثانية‭ ‬دمرها‭ ‬محمود‭ ‬عواد‭. ‬ولم‭ ‬يجد‭ ‬جنود‭ ‬العدو‭ ‬رغم‭ ‬تسليحهم‭ ‬الضخم‭ ‬والحديث‭ ‬أمامهم‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يهربوا‭ ‬من‭ ‬أبطال‭ ‬السويس،‭ ‬واتجه‭ ‬هؤلاء‭ ‬الجبناء‭ ‬إلى‭ ‬قسم‭ ‬الأربعين،‭ ‬وحاولوا‭ ‬عمل‭ ‬مفاوضات‭ ‬مع‭ ‬أبطال‭ ‬المقاومة‭ ‬لتسليم‭ ‬أنفسهم،‭ ‬ولكن‭ ‬الرجل‭ ‬كبير‭ ‬السن‭ (‬صول‭ ‬في‭ ‬القسم‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬أرسلوه‭ ‬برسالتهم،‭ ‬خاف‭ ‬أن‭ ‬يرجع‭ ‬إليهم‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭.‬
وحاول‭ ‬أبطال‭ ‬المقاومة‭ ‬اقتحام‭ ‬القسم،‭ ‬فاستشهد‭ ‬منهم‭ ‬ثلاثة‭ ‬على‭ ‬سور‭ ‬القسم‭ ‬وعلى‭ ‬بابه،‭ ‬وهم‭ ‬الشهداء‭ ‬إبراهيم‭ ‬سليمان،‭ ‬فايز‭ ‬حافظ‭ ‬أمين‭ ‬–‭ ‬أشرف‭ ‬عبد‭ ‬الدايم‭. ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬تم‭ ‬قتل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ستين‭ ‬من‭ ‬قوات‭ ‬العدو،‭ ‬وتدمير‭ ‬حوالي‭ ‬40‭ ‬دبابة‭ ‬وعربة،‭ ‬كانت‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬السويس‭ ‬حتى‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬مضت،‭ ‬ثم‭ ‬تم‭ ‬نقلها‭ ‬إلى‭ ‬حديقة‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬بالمدينة‭.‬
وانفعل‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬أدباء‭ ‬وشعراء‭ ‬السويس‭ ‬بما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬مدينتهم‭ ‬من‭ ‬بطولات‭ ‬ومعارك‭ ‬ستظل‭ ‬محفورة‭ ‬بمداد‭ ‬الخلود‭ ‬على‭ ‬جدران‭ ‬الزمن،‭ ‬حيث‭ ‬واصل‭ ‬كابتن‭ ‬غزالي‭ ‬إبداعاته‭ ‬التي‭ ‬تخطت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسمائة‭ ‬أغنية،‭ ‬ثم‭ ‬جمعها‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬الجماهيرية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬كتب‭ ‬الأديب‭ ‬السويسي‭ ‬محمد‭ ‬الراوي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬وقصة‭ ‬قصيرة‭ ‬تمجد‭ ‬وتوثق‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬السويس‭. ‬كما‭ ‬أبدع‭ ‬الشاعر‭ ‬كامل‭ ‬عيد‭ ‬رمضان،‭ ‬صاحب‭ ‬الأغنية‭ ‬الشهيرة‭ (‬محلاك‭ ‬يا‭ ‬مصري‭ ‬وإنت‭ ‬عن‭ ‬الدفة‭)‬،‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأشعار‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬مدينة‭ ‬السويس‭.‬
كما‭ ‬أبدع‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬والشعراء‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬السويس‭ ‬في‭ ‬تسجيل‭ ‬تلك‭ ‬البطولات‭ ‬العظيمة،‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬كل‭ ‬أهل‭ ‬السويس،‭ ‬يقودهم‭ ‬أبطال‭ ‬منظمة‭ ‬سيناء‭ ‬العربية،‭ ‬ومنهم‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬الأبنودي‭ ‬صاحب‭ ‬الأغنية‭ ‬الشهيرة‭ (‬يا‭ ‬بيوت‭ ‬السويس‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬غناها‭ ‬محمد‭ ‬حمام،‭ ‬وجمال‭ ‬الغيطاني‭ ‬المراسل‭ ‬العسكري‭ ‬الشهير،‭ ‬الذي‭ ‬ارتبط‭ ‬بصداقة‭ ‬قوية‭ ‬مع‭ ‬أبطال‭ ‬منظمة‭ ‬سيناء‭ ‬العربية‭.‬
ويأتي‭ ‬كتابي‭ (‬السويس‭ ‬مدينة‭ ‬الأبطال‭)‬،‭ ‬ليحمل‭ ‬كل‭ ‬بطولات‭ ‬تلك‭ ‬المدينة‭ ‬العريقة‭ ‬منذ‭ ‬نشأتها‭ ‬وحتى‭ ‬نهاية‭ ‬أحداث‭ ‬انتصار‭ ‬أكتوبر،‭ ‬كما‭ ‬يضم‭ ‬الكتاب‭ ‬حوارات‭ ‬موسعة‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬أبناء‭ ‬السويس‭ ‬من‭ ‬فدائي‭ ‬منظمة‭ ‬سيناء‭ ‬العربية،‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأبطال‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬ضيوفًا‭ ‬على‭ ‬البرنامج‭ ‬التلفزيوني‭ ‬الذي‭ ‬قدمته‭ ‬منذ‭ ‬عدة‭ ‬سنوات‭ ‬بعنوان‭ (‬شموس‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬الوطن‭)‬،‭ ‬ليحصل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأبطال‭ ‬العظماء‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬حقوقهم‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬أبناء‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬العظيم‭.‬

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة