الأربعاء 14 اكتوبر 2026

مقالات

بين‭ ‬سينما‭ ‬أكتوبر‭ ‬والسينما‭ ‬العالمية‭..‬ نصر‭ ‬عظيم‭ ‬يليق‭ ‬به‭ ‬سينما‭ ‬عالمية

  • 5-10-2026 | 14:37
طباعة


تطرح‭ ‬هذه‭ ‬المقالة‭ ‬في‭ ‬ثناياها‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭, ‬ولا‭ ‬تحاول‭ ‬تقديم‭ ‬إجابات‭ ‬عنها‭, ‬ما‭ ‬موقف‭ ‬السينما‭ ‬العالمية‭ ‬من‭ ‬سينما‭ ‬الحرب‭, ‬وكذلك‭ ‬موقف‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬سينما‭ ‬حرب‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬مقارنة‭ ‬بسينما‭ ‬الحرب‭ ‬المصرية‭? ‬دعونا‭ ‬نتساءل‭: ‬لماذا‭ ‬تهتم‭ ‬السينما‭ ‬العالمية‭ ‬بتقديم‭ ‬فيلمين‭ ‬عن‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬ومن‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬إسرائيلية‭ ‬خالصة‭, ‬ولم‭ ‬تحاول‭ ‬فيها‭ ‬حتى‭ ‬عرض‭ ‬الرأي‭ ‬الآخر‭? ‬ومن‭ ‬دفع‭ ‬قيمة‭ ‬إنتاج‭ ‬هذه‭ ‬الأفلام‭? ‬ولماذا‭ ‬تصمت‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬الكم‭ ‬من‭ ‬الأكاذيب‭? ‬ولماذا‭ ‬تجاهلناها‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬على‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬العالمي‭, ‬ناهيك‭ ‬أنها‭ ‬تمثل‭ ‬توثيقًا‭ ‬زائفًا‭ ‬للحظات‭ ‬تم‭ ‬اختراعها‭! ‬والتجاهل‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬التجاهل‭ ‬الإعلامي‭, ‬بل‭ ‬التجاهل‭ ‬السينمائي‭. ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تخرج‭ ‬أفلام‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬بهذا‭ ‬المستوى‭ ‬لترد‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭?!‬
بين‭ ‬عامي‭ ‬1967‭ ‬و1973‭ ‬كنا‭ ‬نتحرق‭ ‬شوقًا‭ ‬لخوض‭ ‬حرب‭ ‬الكرامة‭ ‬واسترداد‭ ‬الذات،‭ ‬خاضت‭ ‬مصر‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬وخططت‭ ‬طويلًا‭ ‬لإعادة‭ ‬الثقة‭ ‬بالنفس،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬اعتمدت‭ ‬المباغتة‭ ‬والخديعة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والتكتيكية‭ ‬والإصرار‭ ‬على‭ ‬الانتصار،‭ ‬عبر‭ ‬الجيش‭ ‬المصري‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬وحطم‭ ‬خط‭ ‬بارليف،‭ ‬محققًا‭ ‬المعجزة‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭/‬رمضان‭ ‬1973،‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬حروب‭ ‬الشرف‭ ‬التي‭ ‬خاضتها‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬بهدف‭ ‬استرجاع‭ ‬الأرض‭ ‬والراية‭ ‬والكرامة،‭ ‬والتي‭ ‬قال‭ ‬عنها‭ ‬الزعيم‭ ‬الراحل‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭ (‬حرب‭ ‬الست‭ ‬ساعات‭) ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬واضحة‭ ‬وحاسمة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬تم‭ ‬تنفيذ‭ ‬المهام‭ ‬العسكرية‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬قياسي،‭ ‬والتي‭ ‬تضمنت‭ ‬اقتحام‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬وتدمير‭ ‬خط‭ ‬بارليف‭ ‬وتحييد‭ ‬مراكز‭ ‬السيطرة‭ ‬والقيادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬الساعات‭ ‬الأولى‭ ‬للحرب‭.‬
لقد‭ ‬غيرت‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭ ‬الخريطة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬للشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وكان‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬مخزونًا‭ ‬روحيًّا‭ ‬ثريًّا‭ ‬للسينما‭ ‬المصرية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬وبعد‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬سينما‭ ‬مختلفة‭ ‬توازي‭ ‬الانتصار‭ ‬الذي‭ ‬تحقق‭!‬
من‭ ‬الظلم‭ ‬البين‭ ‬أن‭ ‬نقارن‭ ‬بين‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬والعالمية،‭ ‬فالسينما‭ ‬المصرية‭ ‬تقدم‭ ‬لمشاهد‭ ‬محلي‭ ‬مصري‭ ‬أو‭ ‬عربي،‭ ‬وليس‭ ‬مقصودًا‭ ‬بها‭ ‬تقديمها‭ ‬للمشاهد‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬لاختلاف‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬واختلاف‭ ‬المشاهد‭ ‬واختلاف‭ ‬طبيعة‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السينما،‭ ‬ولأنها‭ ‬تقترب‭ ‬كثيرًا،‭ ‬رغم‭ ‬حبكتها‭ ‬الدرامية،‭ ‬من‭ ‬السينما‭ ‬الوثائقية‭ ‬وليس‭ ‬السينما‭ ‬التأويلية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬مقارنة‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬بأفلام‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬إنقاذ‭ ‬الجندي‭ ‬رايان‮»‬‭ ‬عن‭ ‬نورماندي،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬القيامة‭ ‬الآن‮»‬‭ ‬عن‭ ‬فيتنام‭. ‬والسبب‭ ‬ليس‭ ‬نقص‭ ‬المادة‭ ‬أو‭ ‬الموهبة،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬سلكت‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬الحروب‭ ‬طريقًا‭ ‬مغايرًا‭ ‬تمامًا‭ ‬عن‭ ‬المسار‭ ‬العالمي‭ ‬السائد‭.‬
أولًا‭: ‬فلسفات‭ ‬مختلفة‭ ‬لسينما‭ ‬الحرب
لفهم‭ ‬هذه‭ ‬الأبعاد‭ ‬والفارق‭ ‬بين‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬والعالمية،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬أولًا‭ ‬فلسفة‭ ‬كل‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬سينما‭ ‬الحروب،‭ ‬وعلى‭ ‬مستويات‭ ‬ثلاثة،‭ ‬هي‭: ‬سينما‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬وسينما‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬القريبة‭ ‬منّا،‭ ‬وسينما‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬العالمية‭. ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أولًا‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬المسار‭ ‬السائد‭ ‬لسينما‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬فالتقاليد‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬مرت‭ ‬بتطورات‭ ‬عديدة،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬توثيق‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬تفسيرها‭ ‬إلى‭ ‬تأويلها‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬الإنسان‭ ‬داخلها،‭ ‬ويمكن‭ ‬مشاهدة‭ ‬أفلام‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاتجاهات‭.‬
لقد‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬وظيفتان‭ ‬أساسيتان‭ ‬لفيلم‭ ‬الحرب‭ ‬حين‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬العالمية،‭ ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬الدعاية‭ ‬لموقف‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬والثانية‭ ‬هي‭ ‬التوثيق،‭ ‬ويمكن‭ ‬ببساطة‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬السينما‭ ‬الإسبانية‭ ‬وسينما‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬أمريكا‭ ‬الجنوبية‭ ‬والصين‭ ‬وسينما‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬والسينما‭ ‬الأمريكية‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬ومع‭ ‬تطور‭ ‬السينما‭ ‬وارتفاع‭ ‬حدة‭ ‬القتال‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬المعارك،‭ ‬قامت‭ ‬السينما‭ ‬بتقديم‭ ‬الإجابة‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬الدعاية‭ ‬وعملية‭ ‬التوثيق‭ ‬معًا،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مساعدة‭ ‬المشاهدين‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬‮«‬لماذا‭ ‬يخوض‭ ‬الغرب‭ ‬هذه‭ ‬المعارك‭ ‬والحروب؟‮»‬،‭ ‬وهكذا‭ ‬كانت‭ ‬السينما‭ ‬تظل‭ ‬تجيب‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬المشاهد‭.‬
ومع‭ ‬‮«‬إنقاذ‭ ‬الجندي‭ ‬رايان‮»‬،‭ ‬أعاد‭ ‬سبيلبرج‭ ‬تشكيل‭ ‬اللغة‭ ‬البصرية‭ ‬لسينما‭ ‬الحرب‭ ‬عبر‭ ‬خمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬دقيقة‭ ‬تقريبًا‭ ‬من‭ ‬مشهد‭ ‬الإنزال‭ ‬في‭ ‬أوماها،‭ ‬بملمس‭ ‬شبه‭ ‬وثائقي‭ ‬خشن،‭ ‬فها‭ ‬هم‭ ‬جنود‭ ‬تفتت‭ ‬الرصاصات‭ ‬والشظايا‭ ‬أجسادهم‭ ‬لحظة‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬مركبات‭ ‬الإنزال،‭ ‬يتزامن‭ ‬معها‭ ‬صوت‭ ‬المدافع‭ ‬وصوت‭ ‬انفجار‭ ‬الدانات‭ ‬التي‭ ‬تطغى‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬موسيقى،‭ ‬هنا‭ ‬المصور‭ ‬السينمائي‭ ‬يحاكي‭ ‬عن‭ ‬قصد‭ ‬أسلوب‭ ‬المصور‭ ‬والصحفي‭ ‬المجري‭ ‬الحربي‭ ‬روبرت‭ ‬كابا،‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المراسلين‭ ‬الحربيين‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬والذي‭ ‬غطى‭ ‬بصوره‭ ‬وأفلامه‭ ‬الوثائقية‭ ‬حروبًا‭ ‬مثل‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬الإسبانية‭ ‬والحرب‭ ‬اليابانية‭ ‬الصينية‭ ‬الثانية‭ ‬والحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬وحرب‭ ‬فلسطين‭ ‬عام‭ ‬1948،‭ ‬التي‭ ‬غطاها‭ ‬برؤية‭ ‬منحازة‭ ‬للجانب‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬ومات‭ ‬بسقوط‭ ‬دانة‭ ‬مدفع‭ ‬فوقه،‭ ‬وهو‭ ‬يحتاج‭ ‬لدراسة‭ ‬عن‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬أقنع‭ ‬بها‭ ‬العالم‭ ‬بالرواية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬1948‭ ‬خلال‭ ‬تغطيته‭ ‬التحريضية‭ ‬البائسة‭ ‬لهذه‭ ‬الحرب،‭ ‬وكيف‭ ‬يتم‭ ‬صياغة‭ ‬رواية‭ ‬زائفة‭ ‬للحقيقة‭.‬
ليس‭ ‬ذلك‭ ‬فقط،‭ ‬فالمظهر‭ ‬البصري‭ ‬الذي‭ ‬اقتبسه‭ ‬سبيلبرج‭ ‬من‭ ‬كابا‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬كيف‭ ‬اختلق‭ ‬كابا‭ ‬صورًا‭ ‬وألف‭ ‬مشاهد‭ ‬ومسرحها‭ ‬ليقدم‭ ‬رؤيته‭ ‬للحروب،‭ ‬وبينما‭ ‬ادعى‭ ‬أن‭ ‬صور‭ ‬معركة‭ ‬نورماندي‭ ‬دُمرت،‭ ‬ولولا‭ ‬تحقيقات‭ ‬مؤرخ‭ ‬فني‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬كابا‭ ‬لم‭ ‬يمكث‭ ‬في‭ ‬نزول‭ ‬نورماندي‭ ‬سوى‭ ‬دقائق‭ ‬معدودة،‭ ‬وأن‭ ‬قصة‭ ‬تدمير‭ ‬الصور‭ ‬كانت‭ ‬كذبة‭ ‬للتغطية‭ ‬على‭ ‬قلة‭ ‬الصور،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬تم‭ ‬اكتشافه‭ ‬بعد‭ ‬2014‭ ‬وليس‭ ‬حين‭ ‬خرج‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬إنقاذ‭ ‬الجندي‭ ‬رايان‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1998،‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬استعان‭ ‬سبيلبرج‭ ‬بسينما‭ ‬مزيفة‭ ‬اعتمدت‭ ‬على‭ ‬راوٍ‭ ‬ومصور‭ ‬تميز‭ ‬بصور‭ ‬واقعية‭ ‬غير‭ ‬حقيقية‭ ‬لتقديم‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الرعب‭ ‬الشامل‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬المعيار‭ ‬لكل‭ ‬أفلام‭ ‬الحرب‭ ‬خلال‭ ‬الربع‭ ‬قرن‭ ‬التالي‭.‬
إن‭ ‬حديثي‭ ‬عن‭ ‬روبرت‭ ‬كابا‭ ‬هنا‭ ‬القصد‭ ‬منه‭ ‬بيان‭ ‬كيف‭ ‬تقوم‭ ‬السينما‭ ‬بتزييف‭ ‬الحقائق،‭ ‬إن‭ ‬استعانة‭ ‬سبيلبرج‭ ‬بصور‭ ‬السيد‭ ‬كابا‭ ‬ربما‭ ‬هي‭ ‬استعانة‭ ‬فنية‭ ‬ليس‭ ‬أكثر،‭ ‬لكن‭ ‬علينا‭ ‬التوقف‭ ‬وأن‭ ‬نسأل‭ ‬أنفسنا‭: ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نقدم‭ ‬سينما‭ ‬تواجه‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬المرير‭ ‬المكتظ‭ ‬بسرديات‭ ‬سينمائية‭ ‬غير‭ ‬منصفة‭ ‬في‭ ‬حروبنا‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل؟‭ ‬هذه‭ ‬السرديات‭ ‬تسمى‭ ‬السينما‭ ‬العالمية‭.‬
بشكل‭ ‬عام،‭ ‬فإن‭ ‬السمة‭ ‬الجوهرية‭ ‬لهذا‭ ‬التقليد‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬فيلم‭ ‬الحرب‭ ‬يُعامَل‭ ‬ككتابة‭ ‬تاريخية‭ ‬جادة‭ ‬واستكشاف‭ ‬إنساني‭. ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬سلسلة‭ ‬أفلام‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬‮«‬1917‮»‬‭ ‬بتجربته‭ ‬التقنية‭ ‬‮«‬اللقطة‭ ‬الواحدة‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الخط‭ ‬الأحمر‭ ‬الرفيع‮»‬‭ ‬بتأمله‭ ‬الشعري‭ ‬الفلسفي،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬القذيفة‭ ‬الكاملة‭ ‬المعدنية‮»‬‭ ‬بتحليله‭ ‬البارد‭ ‬لكيفية‭ ‬تدمير‭ ‬آلة‭ ‬الحرب‭ ‬للإنسان،‭ ‬فإن‭ ‬المبدع‭ ‬يظل‭ ‬يسأل‭: ‬ماذا‭ ‬تعني‭ ‬الحرب‭ ‬للفرد؟‭ ‬ماذا‭ ‬تعني‭ ‬للدولة؟
فيلم‭ ‬‮«‬قصة‭ ‬الجندي‮»‬‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬توجيه‭ ‬الكاميرا‭ ‬نحو‭ ‬وجوه‭ ‬الجنود‭ ‬السود‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية،‭ ‬مجيبًا‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬أعمق‭: ‬‮«‬هل‭ ‬سيقاتل‭ ‬السود؟‮»‬‭ ‬بجانب‭ ‬الجنود‭ ‬البيض،‭ ‬إنه‭ ‬مجرد‭ ‬فيلم‭ ‬واحد‭ ‬يردّ‭ ‬على‭ ‬جرح‭ ‬تاريخي‭ ‬اسمه‭ ‬العنصرية‭ ‬لدولة‭ ‬بأكملها‭.‬
أما‭ ‬سينما‭ ‬أكتوبر‭ ‬المصرية‭ ‬فقد‭ ‬اتخذت‭ ‬شكلًا‭ ‬مختلفًا‭ ‬تمامًا‭. ‬من‭ ‬‮«‬الرصاصة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬جيبي‮»‬‭ (‬1974‭) ‬إلى‭ ‬‮«‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬إيلات‮»‬‭ (‬1993‭)‬،‭ ‬تركّزت‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬غالبًا‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب،‭ ‬وحملت‭ ‬طابع‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل‭ ‬الآني‭. ‬وسمتها‭ ‬المشتركة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬سردي‭ ‬مبني‭ ‬على‭ ‬العاطفة‭ ‬الفردية‭ ‬والمصير‭ ‬الشخصي،‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬الحرب‭ ‬كخلفية‭ ‬أو‭ ‬ذروة،‭ ‬لا‭ ‬كموضوع‭ ‬يُفحَص‭.‬
فحبكة‭ ‬‮«‬الرصاصة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬جيبي‮»‬‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬‮«‬جندي‭ ‬يعود‭ ‬ليجد‭ ‬زوجته‭ ‬خانته،‭ ‬فيجد‭ ‬الخلاص‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‮»‬،‭ ‬فتُنسج‭ ‬الحرب‭ ‬داخل‭ ‬قالب‭ ‬دراما‭ ‬أسرية‭ ‬أخلاقية‭.‬
و«العمر‭ ‬لحظة‮»‬‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬وتمثيل‭ ‬الفنانة‭ ‬ماجدة‭ ‬وُصف‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬يجمع‭ ‬قصة‭ ‬حب‭ ‬ومشاهد‭ ‬قتال‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬رومانسي‭ ‬حربي‮»‬‭.‬
وحتى‭ ‬‮«‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬إيلات‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يُعدّ‭ ‬من‭ ‬أنجح‭ ‬الأعمال،‭ ‬يحكي‭ ‬عن‭ ‬عملية‭ ‬كوماندوز‭ ‬بحرية‭ ‬قبل‭ ‬الحرب،‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬نفسها‭.‬
هذا‭ ‬عن‭ ‬السينما‭ ‬الغربية‭ ‬وما‭ ‬يسمى‭ ‬بالسينما‭ ‬العالمية،‭ ‬فماذا‭ ‬عن‭ ‬سينمات‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى؟
ثانيًا‭: ‬أهم‭ ‬التجارب‭ ‬غير‭ ‬الأمريكية‭ ‬الجديرة‭ ‬بالاقتداء
•المدرسة‭ ‬السوفييتية‭/‬الروسية‭ ‬والحرب‭ ‬كصدمة‭ ‬أخلاقية
تعد‭ ‬السينما‭ ‬الروسية‭ ‬الأكبر‭ ‬والأغنى‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬سينما‭ ‬الحرب،‭ ‬وذلك‭ ‬لسبب‭ ‬بسيط‭ ‬للغاية،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬فقد‭ ‬27‭ ‬مليون‭ ‬إنسان‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭. ‬أفلام‭ ‬مثل‭ ‬«The Cranes Are Flying» (1957) و‮«‬Ballad‭ ‬of‭ ‬a‭ ‬Soldier‮»‬‭ (‬1959‭) ‬و‮«‬Come and‭ ‬See‮»‬‭ (‬1985‭) ‬لا‭ ‬يحتفل‭ ‬فيها‭ ‬الروس‭ ‬بالنصر،‭ ‬بل‭ ‬يقدمون‭ ‬ببراعة‭ ‬صورة‭ ‬واقعية‭ ‬لتكلفة‭ ‬الحرب‭ ‬إنسانيًا‭ ‬وماديًا‭.‬
ما‭ ‬يميز‭ ‬المدرسة‭ ‬الروسية‭ ‬هو‭ ‬الشعرية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الرعب‭. ‬ففي‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬طفولة‭ ‬إيفان‮»‬‭ ‬Ivan's‭ ‬Childhood‭ (‬1962‭) ‬لتاركوفسكي،‭ ‬يحكي‭ ‬عن‭ ‬طفل‭ ‬تجنّده‭ ‬المخابرات‭ ‬كأداة‭ ‬حرب،‭ ‬ويصوّر‭ ‬فقدانه‭ ‬لطفولته‭ ‬بلغة‭ ‬بصرية‭ ‬شاعرية‭. ‬النموذج‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬‮«‬كيف‭ ‬نصوّر‭ ‬المعركة‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬‮«‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نصوّر‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬المعركة‭ ‬بالإنسان،‭ ‬وبجوهره‭ ‬وسلوكه‭ ‬ومصيره‮»‬‭.‬
ما‭ ‬يمكن‭ ‬للسينما‭ ‬المصرية‭ ‬أن‭ ‬تأخذه‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬استخدام‭ ‬رموز‭ ‬بصرية‭ ‬عميقة‭ ‬بدل‭ ‬المشاهد‭ ‬الضخمة‭ ‬المكلفة‭. ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬تاركوفسكي‭ ‬تُرى‭ ‬في‭ ‬أحلام‭ ‬وخيالات‭ ‬الطفل‭ ‬وكوابيسه،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬مشاهد‭ ‬ساحات‭ ‬المعارك‭.‬
•المدرسة‭ ‬الألمانية‭ ‬السينمائية‭ ‬والحرب‭ ‬كمسؤولية‭ ‬أخلاقية
في‭ ‬السينما‭ ‬الألمانية،‭ ‬وفي‭ ‬أفلام‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬Das‭ ‬Boot‮»‬‭ (‬1981‭) ‬و‮«‬Downfall‮»‬‭ (‬2004‭) ‬و‮«‬All‭ ‬Quiet‭ ‬on‭ ‬the‭ ‬Western‭ ‬Front‮»‬‭ (‬2022‭)‬،‭ ‬تشترك‭ ‬جميعها‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬واحد،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬الألمان‭ ‬لا‭ ‬يستطيعون‭ ‬صنع‭ ‬فيلم‭ ‬حرب‭ ‬‮«‬بطولي‮»‬؛‭ ‬فالمخرج‭ ‬إدوارد‭ ‬بيرغر‭ ‬يصرح‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لفيلم‭ ‬ألماني‭ ‬أن‭ ‬يُظهر‭ ‬جنديًا‭ ‬يقتل‭ ‬عدوًا‭ ‬ويشعر‭ ‬أنه‭ ‬فعل‭ ‬شيئًا‭ ‬جيدًا‮»‬‭.‬
هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأفلام‭ ‬‮«‬معادية‭ ‬للجيش‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬ترفض‭ ‬تحويل‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬ملحمة‭. ‬وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬فإن‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬Das‭ ‬Boot‮»‬‭ ‬يدور‭ ‬داخل‭ ‬غواصة،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬معركة‭ ‬مفتوحة،‭ ‬ويصوّر‭ ‬الحرب‭ ‬كمعتقل‭ ‬وخوف‭ ‬وانتظار‭ ‬للموت‭.‬
ما‭ ‬يمكن‭ ‬للسينما‭ ‬المصرية‭ ‬أن‭ ‬تأخذه‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬هو‭ ‬تحويل‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬‮«‬بطولة‭ ‬جماعية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تجربة‭ ‬فردية‮»‬،‭ ‬وهذا‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬أصلًا‭. ‬الفرق‭ ‬أن‭ ‬الأفلام‭ ‬المصرية‭ ‬تستخدم‭ ‬الفرد‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬الرسالة،‭ ‬بينما‭ ‬الأفلام‭ ‬الألمانية‭ ‬تستخدم‭ ‬الرسالة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬الفرد‭.‬
•المدرسة‭ ‬السينمائية‭ ‬الآسيوية‭ (‬الصينية‭ ‬والكورية‭) ‬والحرب‭ ‬كجرح‭ ‬مفتوح‭ ‬دائمًا
في‭ ‬الفيلم‭ ‬الصيني‭ ‬‮«‬Assembly‮»‬‭ (‬2007‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب،‭ ‬بل‭ ‬يستمر‭ ‬ليتابع‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬بعدها،‭ ‬كيف‭ ‬يُنسى‭ ‬الجندي‭ ‬الذي‭ ‬قاتل،‭ ‬وكيف‭ ‬يُعاد‭ ‬كتابة‭ ‬التاريخ‭. ‬هذا‭ ‬سؤال‭ ‬لم‭ ‬تطرحه‭ ‬أي‭ ‬سينما‭ ‬عربية،‭ ‬بمعنى‭: ‬ماذا‭ ‬حدث‭ ‬للذين‭ ‬قاتلوا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انتهت‭ ‬الحرب؟‭ ‬كيف‭ ‬تعامل‭ ‬المجتمع‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬عادوا؟‭ ‬وكيف‭ ‬يشعرون‭ ‬بأنفسهم‭ ‬بشكل‭ ‬إنساني؟
في‭ ‬الفيلم‭ ‬الكوري‭ ‬‮«‬Tae Guk‭ ‬Gi‮»‬‭ (‬2004‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬الحرب‭ ‬الكورية‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬مأساة‭ ‬عائلية،‭ ‬أخوان‭ ‬يُجنّدان‭ ‬في‭ ‬طرفين‭ ‬متقابلين،‭ ‬والحرب‭ ‬تدمّر‭ ‬ما‭ ‬بينهما‭. ‬الفيلم‭ ‬لا‭ ‬يسأل‭ ‬‮«‬من‭ ‬انتصر؟‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬‮«‬ما‭ ‬الذي‭ ‬خسرناه‭ ‬كبشر‭ ‬وكوطن؟‮»‬
ما‭ ‬يمكن‭ ‬للسينما‭ ‬المصرية‭ ‬أن‭ ‬تأخذه‭ ‬هو‭ ‬تجاوز‭ ‬لحظة‭ ‬النصر‭. ‬الحرب‭ ‬لم‭ ‬تنتهِ‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973،‭ ‬استمرت‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬من‭ ‬عادوا،‭ ‬وفي‭ ‬ذاكرة‭ ‬من‭ ‬فقدوا،‭ ‬وفي‭ ‬أسئلة‭ ‬لم‭ ‬تُطرح‭ ‬بعد‭.‬
•المدرسة‭ ‬السينمائية‭ ‬اليابانية‭ ‬والحرب‭ ‬كدمار‭ ‬إنساني‭ ‬شامل
في‭ ‬فيلم‭ ‬الرسوم‭ ‬المتحركة‭ ‬الذي‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬استوديو‭ ‬غيبلي‭ ‬‮«‬Grave‭ ‬of the‭ ‬Fireflies‮»‬‭ (‬1988‭)‬،‭ ‬والذي‭ ‬يحكي‭ ‬عن‭ ‬أخ‭ ‬وأخته‭ ‬يتضوران‭ ‬جوعًا‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬مشهد‭ ‬واحد‭ ‬لمعارك‭. ‬‮«‬The‭ ‬Burmese‭ ‬Harp‮»‬‭ (‬1956‭) ‬يحكي‭ ‬عن‭ ‬جندي‭ ‬ياباني‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬راهب‭ ‬بوذي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬جثث‭ ‬رفاقه‭ ‬في‭ ‬بورما‭. ‬‮«‬Fires‭ ‬on‭ ‬the‭ ‬Plain‮»‬‭ (‬1959‭) ‬يصوّر‭ ‬جنودًا‭ ‬يابانيين‭ ‬مهزومين‭ ‬في‭ ‬الفلبين‭ ‬يأكلون‭ ‬البشر‭ ‬للبقاء‭. ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬النوعية‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬من‭ ‬الجندي‭ ‬بطلًا،‭ ‬بل‭ ‬ضحية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬وحشًا‭. ‬الحرب‭ ‬ليست‭ ‬شرفًا،‭ ‬بل‭ ‬جحيم‭.‬
ما‭ ‬يمكن‭ ‬للسينما‭ ‬المصرية‭ ‬أن‭ ‬تأخذه‭ ‬هو‭ ‬الجرأة‭ ‬على‭ ‬تصوير‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُروى،‭ ‬مثل‭ ‬أحاسيس‭ ‬ومشاعر‭ ‬ولحظات‭ ‬الجوع،‭ ‬والخوف،‭ ‬واللاجئين،‭ ‬والمدنيين،‭ ‬ولحظات‭ ‬الهجرة‭. ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬الجبهات‭ ‬الأمامية‭ (‬الجيوش‭) ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬الجبهات‭ ‬الداخلية‭ ‬وتضحيات‭ ‬الشعوب،‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يقاتلوا،‭ ‬بل‭ ‬كانوا‭ ‬ضحايا‭ ‬للحرب‭ ‬أو‭ ‬استبسلوا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬دعم‭ ‬الجبهة‭ ‬الأمامية‭.‬
•المدرسة‭ ‬السينمائية‭ ‬البوسنية‭/‬البلقانية‭ ‬والحرب‭ ‬كعبث
الفيلم‭ ‬البوسني‭ ‬الحائز‭ ‬على‭ ‬أوسكار‭ ‬أفضل‭ ‬فيلم‭ ‬أجنبي‭ ‬‮«‬No‭ ‬Man's‭ ‬Land‮»‬‭ (‬2001‭)‬،‭ ‬وتعبير‭ ‬No‭ ‬Man’s‭ ‬Land‭ ‬يعني‭ ‬الخط‭ ‬الذي‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬جيشين‭ ‬وغير‭ ‬مسموح‭ ‬فيه‭ ‬بالقتال،‭ ‬أو‭ ‬خط‭ ‬الهدنة،‭ ‬وهو‭ ‬يحكي‭ ‬عن‭ ‬جنديين،‭ ‬صربي‭ ‬وبوسني،‭ ‬محصورين‭ ‬في‭ ‬خندق‭ ‬واحد‭ ‬بين‭ ‬الخطوط،‭ ‬وجندي‭ ‬ثالث‭ ‬يقف‭ ‬على‭ ‬لغم،‭ ‬ولا‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬مساعدته‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقتله‭. ‬يمثل‭ ‬الفيلم‭ ‬قمة‭ ‬السخرية‭ ‬والمأساوية‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬ولا‭ ‬ينتصر‭ ‬لأي‭ ‬طرف‭.‬
ما‭ ‬يمكن‭ ‬للسينما‭ ‬المصرية‭ ‬أن‭ ‬تأخذه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬ليست‭ ‬دائمًا‭ ‬بطولة؛‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عبث‭ ‬أحيانًا،‭ ‬بل‭ ‬وفناء‭ ‬للجميع،‭ ‬حيث‭ ‬البطل‭ ‬هو‭ ‬الموت‭ ‬والدمار‭.‬
ثالثًا‭: ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تفكر‭ ‬سينما‭ ‬أكتوبر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الزوايا؟
كلمة‭ ‬‮«‬النجاح‮»‬‭ ‬هنا‭ ‬تحتاج‭ ‬تحديدًا‭. ‬فسينما‭ ‬أكتوبر‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بلا‭ ‬جمهور‭ ‬محلي،‭ ‬وأنتجت‭ ‬أعمالًا‭ ‬ذات‭ ‬تأثير‭ ‬معيّن‭. ‬لكن‭ ‬إذا‭ ‬قيست‭ ‬بمعيار‭ ‬سينما‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية،‭ ‬أي‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬حرب‭ ‬محددة‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭ ‬فني‭ ‬خالد‭ ‬ذي‭ ‬عمق‭ ‬إنساني‭ ‬كوني،‭ ‬فإن‭ ‬الفجوة‭ ‬تبدو‭ ‬واضحة؛‭ ‬بل‭ ‬ويمكن‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬أبعادها‭ ‬وأسبابها‭ ‬عبر‭ ‬أربعة‭ ‬مستويات‭.‬
أولًا‭: ‬الدافع‭ ‬الإبداعي‭ ‬‮«‬الاحتفالي‮»‬‭ ‬و«الآني‮»‬‭.‬
لقد‭ ‬وُلدت‭ ‬معظم‭ ‬أفلام‭ ‬أكتوبر‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬بعد‭ ‬الحرب،‭ ‬وحملت‭ ‬سمة‭ ‬‮«‬الإهداء‮»‬‭ ‬الواضحة‭. ‬يشير‭ ‬الكاتب‭ ‬محمود‭ ‬عرفات،‭ ‬صاحب‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬سرابيوم‮»‬‭ ‬وأحد‭ ‬أبطال‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬اقتصرت‭ ‬على‭ ‬التأثيرات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والنفسية،‭ ‬ولم‭ ‬تتعمق‭ ‬في‭ ‬الأبعاد‭ ‬العسكرية‭ ‬والاستراتيجية‭. ‬ويعترف‭ ‬الناقد‭ ‬رامي‭ ‬عبد‭ ‬الرازق‭ ‬بأن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬أُنجزت‭ ‬‮«‬بسرعة‭ ‬للحاق‭ ‬بالحدث‮»‬‭. ‬فالحرب‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قد‭ ‬ترسخت‭ ‬بعد‭ ‬كتاريخ‭ ‬قابل‭ ‬للتأمل،‭ ‬حتى‭ ‬طُلب‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬موضوعًا‭ ‬للاحتفال‭. ‬كما‭ ‬صرح‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬النقاد‭ ‬والكتاب‭ ‬بما‭ ‬معناه‭ ‬أن‭ ‬الأفلام‭ ‬الحربية‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬أغلبها‭ ‬أفلامًا‭ ‬ذات‭ ‬‮«‬طابع‭ ‬احتفالي‮»‬‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تليق‭ ‬بعظمة‭ ‬وجلال‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭.‬
ثانيًا‭: ‬استبدال‭ ‬‮«‬الشخصي‮»‬‭ ‬بـ«الملحمي‮»‬‭.‬
من‭ ‬الملاحظات‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬المصري‭ ‬غياب‭ ‬‮«‬الفيلم‭ ‬الملحمي‮»‬‭. ‬فروائع‭ ‬سينما‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬تمتلك‭ ‬غالبًا‭ ‬سردًا‭ ‬متعدد‭ ‬الخطوط،‭ ‬وبناءً‭ ‬جماعيًا‭ ‬للشخصيات،‭ ‬ورؤية‭ ‬استراتيجية‭ ‬شاملة‭. ‬ففيلم‭ ‬‮«‬أطول‭ ‬يوم‮»‬‭ ‬مثلًا،‭ ‬وهو‭ ‬عن‭ ‬إنزال‭ ‬نورماندي،‭ ‬يعيد‭ ‬بناء‭ ‬كل‭ ‬ساعة‭ ‬في‭ ‬الإنزال‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬متعدد‭ ‬الجنسيات،‭ ‬و«قائمة‭ ‬شندلر‮»‬‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬فردية‭ ‬مصير‭ ‬ستة‭ ‬ملايين‭ (‬في‭ ‬إعادة‭ ‬إحياء‭ ‬لمحرقة‭ ‬الهولوكوست،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬أعمال‭ ‬كثيرة‭ ‬تقول‭ ‬بأن‭ ‬العدد‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بكثير،‭ ‬وبالطبع‭ ‬هي‭ ‬أفلام‭ ‬تدعم‭ ‬الرواية‭ ‬اليهودية‭)‬،‭ ‬أما‭ ‬الأعمال‭ ‬المصرية‭ ‬فتكاد‭ ‬جميعها‭ ‬تدخل‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬جندي‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬مجموعة‭ ‬صغيرة،‭ ‬فتُضغط‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬محفّز‭ ‬لنمو‭ ‬فردي‭ ‬أو‭ ‬خلفية‭ ‬لقصة‭ ‬حب‭. ‬وكما‭ ‬قال‭ ‬أحد‭ ‬الكتاب‭: ‬‮«‬معظم‭ ‬المضمون‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬الحب،‭ ‬والحرب‭ ‬مجرد‭ ‬شيء‭ ‬مرفق،‭ ‬وهذا‭ ‬عكس‭ ‬أفلام‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬تمامًا‮»‬،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬يمكننا‭ ‬الإشارة‭ ‬لفيلم‭ ‬‮«‬أغنية‭ ‬على‭ ‬الممر‮»‬،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬ممتلئة‭ ‬بالأصوات،‭ ‬ولكنها‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭.‬
ثالثًا‭: ‬القيود‭ ‬البنيوية‭ ‬للقاعدة‭ ‬الصناعية‭ ‬والقدرة‭ ‬الإنتاجية‭.‬
فيلم‭ ‬الحرب‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬أنواع‭ ‬السينما‭ ‬تكلفة‭. ‬وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬فإن‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬صلاح‭ ‬الدين‮»‬‭ ‬‮«‬كاد‭ ‬يموت‭ ‬مرات‭ ‬عدة‮»‬،‭ ‬ولم‭ ‬يُنجَز‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلا‭ ‬بتدخل‭ ‬مباشر‭ ‬من‭ ‬الدولة‭. ‬ودون‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬الوطني‭ ‬المستنير،‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬شركات‭ ‬الإنتاج‭ ‬الخاصة‭ ‬تحمّل‭ ‬كلفة‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬حرب‭ ‬مدرعات‭ ‬وطيران‭ ‬وبرية‭ ‬وبرمائية‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬كما‭ ‬تنفق‭ ‬عليه‭ ‬السينما‭ ‬الأمريكية،‭ ‬كما‭ ‬يقف‭ ‬عائق‭ ‬اللغة‭ ‬أيضًا‭ ‬حائلًا‭ ‬وبين‭ ‬الوصول‭ ‬لدرجة‭ ‬من‭ ‬العالمية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الفجوة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬الكبيرة،‭ ‬فمصر‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬صناعة‭ ‬مؤثرات‭ ‬سينمائية‭ ‬ولا‭ ‬استوديوهات‭ ‬بالقدر‭ ‬الذي‭ ‬تملكه‭ ‬هوليوود،‭ ‬ولا‭ ‬آليات‭ ‬تنسيق‭ ‬عسكري،‭ ‬ولا‭ ‬منظومة‭ ‬إخراج‭ ‬حركي‭ ‬وأكشن‭. ‬ومن‭ ‬الحقائق‭ ‬التي‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تُغفَل‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬الأفلام‭ ‬المصرية‭ ‬عن‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬‮«‬لم‭ ‬تُصوَّر‭ ‬منها‭ ‬لقطة‭ ‬واحدة‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬كلها‭ ‬أُعيد‭ ‬تصويرها‭ ‬بعدها‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬الجمهور‭ ‬هو‭ ‬دائمًا‭ ‬‮«‬إعادة‭ ‬إنتاج‮»‬‭ ‬للحرب،‭ ‬لا‭ ‬‮«‬التقاطًا‮»‬‭ ‬لها،‭ ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬أفلام‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬تعتمد‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬البناء،‭ ‬فإن‭ ‬دقتها‭ ‬الصناعية‭ ‬ودعمها‭ ‬العسكري‭ ‬المتخصص‭ ‬يمنحانها‭ ‬مصداقية‭ ‬واقعية‭ ‬مقنعة‭.‬
رابعًا‭: ‬قيود‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬‮«‬السرد‮»‬‭ ‬المتعلق‭ ‬بالحرب‭ ‬نفسها‭.‬
فحرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬انتصار‭ ‬عسكري،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬للشرعية‭ ‬السياسية‭. ‬وهذه‭ ‬المكانة‭ ‬مصدر‭ ‬إبداعي‭ ‬وقيود‭ ‬في‭ ‬آن‭. ‬ويشير‭ ‬النقاد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تقديم‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬لحرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬‮«‬خاضع‭ ‬لاعتبارات‭ ‬غير‭ ‬منظورة‮»‬،‭ ‬فكل‭ ‬حرب‭ ‬لها‭ ‬مشكلاتها‭ ‬وتكلفتها،‭ ‬بل‭ ‬وغموضها‭ ‬الأخلاقي‭. ‬لقد‭ ‬قامت‭ ‬السينما‭ ‬الأمريكية‭ ‬بنقد‭ ‬السياسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬فيتنام‭. ‬بالطبع،‭ ‬حروبنا‭ ‬تختلف‭ ‬شكلًا‭ ‬ومضمونًا؛‭ ‬لأنها‭ ‬حرب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحرير‭ ‬الأرض‭ ‬وإعادة‭ ‬الحقوق‭ ‬المسلوبة،‭ ‬وهكذا‭ ‬فإن‭ ‬الحرب‭ ‬مُفترَض‭ ‬بها‭ ‬سلفًا‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬انتصارًا‭ ‬نظيفًا،‭ ‬وهذا‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬على‭ ‬الفنان‭ ‬أن‭ ‬يلامس‭ ‬تلك‭ ‬المناطق‭ ‬الرمادية‭ ‬التي‭ ‬تشكّل‭ ‬جوهر‭ ‬أعظم‭ ‬أفلام‭ ‬الحرب‭: ‬الخوف،‭ ‬الفوضى،‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬الأوامر،‭ ‬الصراعات‭ ‬بين‭ ‬الرفاق‭. ‬وهذه‭ ‬بالضبط‭ ‬هي‭ ‬الآليات‭ ‬التي‭ ‬‮«‬تساعد‭ ‬الجمهور‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬الحرب‭ ‬وقبولها‮»‬‭ ‬في‭ ‬الأفلام‭ ‬العالمية‭. ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الأفلام‭ ‬الدعائية‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬كان‭ ‬يُسمح‭ ‬بطرح‭ ‬التساؤلات‭.‬
خامسًا‭: ‬ثراء‭ ‬مكتبة‭ ‬أفلام‭ ‬وصور‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬مصر‭.‬
تمتلك‭ ‬مصر‭ ‬مادة‭ ‬حربية‭ ‬فيلمية‭ ‬أرشيفية‭ ‬أغنى‭ ‬من‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭. ‬وكما‭ ‬يشير‭ ‬نقاد‭ ‬عدة،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬في‭ ‬كل‭ ‬محافظة‭ ‬بطولات‭ ‬حقيقية‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬أفرجت‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬عن‭ ‬‮«‬عشرين‭ ‬قصة‭ ‬عن‭ ‬مواقع‭ ‬أكتوبر‭ ‬وأبطالها‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬مبدع‭ ‬يستفيد‭ ‬منها‭ ‬ويحولها‭ ‬إلى‭ ‬سيناريوهات‭ ‬وأفلام‮»‬‭. ‬وسيناريو‭ ‬وحيد‭ ‬حامد‭ ‬عن‭ ‬صمود‭ ‬جزيرة‭ ‬كبريت‭ ‬‮«‬134‭ ‬يومًا‮»‬،‭ ‬ورواية‭ ‬جمال‭ ‬الغيطاني‭ ‬‮«‬الرفاعي‮»‬،‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬‮«‬منجَز‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬تنتج‭ ‬بعد‮»‬‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تلقت‭ ‬ضربة‭ ‬قاسية‭ ‬في‭ ‬أكتوبر،‭ ‬أنتجت‭ ‬عشرات‭ ‬الأعمال‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالحرب،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬‮«‬غولدا‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يحوّل‭ ‬‮«‬لحظة‭ ‬الهزيمة‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬دعائية‭ ‬لصالح‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬ابتعاد‭ ‬منطقي‭ ‬واضح‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‮»‬‭. ‬هذا‭ ‬التفاوت‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬الثقافي‭ ‬يكشف‭ ‬حقيقة‭ ‬مزعجة،‭ ‬من‭ ‬الثابت‭ ‬أن‭ ‬مصر‭ ‬كسبت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الميدان،‭ ‬لكنها‭ ‬تحتاج‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكسبها‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬الفضية‭ ‬الكبيرة،‭ ‬واعتقادي‭ ‬الجازم‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬سيحدث‭.‬
رابعًا‭: ‬الطريق‭ ‬الممكن
تغيير‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬جهودًا‭ ‬فردية‭ ‬متفرقة،‭ ‬بل‭ ‬استراتيجية‭ ‬ثقافية‭ ‬منهجية‭.‬
أولًا،‭ ‬إنشاء‭ ‬آلية‭ ‬وطنية‭ ‬لدعم‭ ‬سينما‭ ‬الحرب‭ (‬هيئة‭ ‬سينما‭ ‬عسكرية‭).‬
لقد‭ ‬قرأت‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬المطبعة‭ ‬العسكرية‭ ‬المصرية‭ ‬ما‭ ‬نفخر‭ ‬به‭ ‬جميعًا،‭ ‬إذن‭ ‬المسألة‭ ‬ليست‭ ‬توافر‭ ‬مادة،‭ ‬وليست‭ ‬مسألة‭ ‬تمويل‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬تعاونًا‭ ‬مؤسسيًا‭ ‬بين‭ ‬الجيش‭ ‬والصناعة‭ ‬السينمائية،‭ ‬مثل‭ ‬تقديم‭ ‬مستشارين‭ ‬عسكريين،‭ ‬وعتاد،‭ ‬ومواقع،‭ ‬ودعم‭ ‬بشري‭. ‬فالقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬المصرية‭ ‬تملك‭ ‬أرشيفًا‭ ‬حربيًا‭ ‬غنيًا‭ ‬وخبرة‭ ‬عسكرية‭ ‬متخصصة،‭ ‬وفتح‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‭ ‬للمبدعين‭ ‬سيرفع‭ ‬المصداقية‭ ‬التقنية‭ ‬للأعمال‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭.‬
ثانيًا،‭ ‬تقبّل‭ ‬السرد‭ ‬‮«‬غير‭ ‬الكامل‮»‬‭.‬
فأفلام‭ ‬الحرب‭ ‬العظيمة‭ ‬لا‭ ‬تتهرّب‭ ‬من‭ ‬فوضى‭ ‬الحرب‭ ‬وتعقيد‭ ‬الإنسان‭. ‬في‭ ‬‮«‬إنقاذ‭ ‬الجندي‭ ‬رايان‮»‬‭ ‬يتساءل‭ ‬الجنود‭: ‬‮«‬لماذا‭ ‬نضحي‭ ‬بثمانية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬رايان‭ ‬واحد؟‮»‬،‭ ‬وهذا‭ ‬التوتر‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬الفيلم‭ ‬فوق‭ ‬الدعاية‭ ‬الوطنية‭ ‬البسيطة‭. ‬مع‭ ‬الاعتراف‭ ‬بانتصار‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬تحتاج‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬إلى‭ ‬سينما‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬حالاته‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالخوف‭ ‬والشك‭ ‬وألم‭ ‬التضحية‭. ‬ففي‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬قصص‭ ‬كثيرة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تُروى،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬‮«‬الجنود‭ ‬الأبطال‮»‬،‭ ‬ولدينا‭ ‬الآلاف،‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬وزير‭ ‬الدفاع‭ ‬الأسبق‭ ‬وبطل‭ ‬الحرب‭ ‬المشير‭ ‬محمد‭ ‬حسين‭ ‬طنطاوي‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬المزرعة‭ ‬الصينية‭ (‬والذي‭ ‬كان‭ ‬مقدمًا‭ ‬حينها‭)‬،‭ ‬والجندي‭ ‬عبد‭ ‬العاطي‭ ‬وتدميره‭ ‬بسلاح‭ ‬آر‭ ‬بي‭ ‬جيه‭ ‬لعشرات‭ ‬الدبابات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬ارتجفوا‭ ‬تحت‭ ‬خط‭ ‬النار،‭ ‬ومن‭ ‬انهاروا‭ ‬بعد‭ ‬فقدان‭ ‬رفاقهم،‭ ‬ومن‭ ‬لم‭ ‬يستطيعوا‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬العادية‭ ‬بعد‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬فهم‭ ‬أيضًا‭ ‬بشر‭.‬
ثالثًا،‭ ‬إعداد‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬صنّاع‭ ‬أفلام‭ ‬الحرب‭ ‬والفرق‭ ‬التقنية‭.‬
فمصر‭ ‬لا‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬مخرجين‭ ‬وكتّاب،‭ ‬بل‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬كوادر‭ ‬متخصصة‭ ‬تعرف‭ ‬لغة‭ ‬فيلم‭ ‬الحرب‭ ‬الخاصة،‭ ‬من‭ ‬تصميم‭ ‬الأفلام‭ ‬الحربية‭ ‬والحركة‭ ‬والأكشن‭ ‬العسكري‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬المشاهد‭ ‬الضخمة،‭ ‬من‭ ‬تصميم‭ ‬الصوت‭ ‬إلى‭ ‬المؤثرات‭ ‬البصرية‭. ‬وهذا‭ ‬يحتاج‭ ‬تدريبًا‭ ‬منهجيًا‭ ‬وتعاونًا‭ ‬دوليًا،‭ ‬لا‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬وميض‭ ‬‮«‬عبقري‮»‬‭ ‬فردي‭.‬
رابعًا،‭ ‬والأهم،‭ ‬تحويل‭ ‬أكتوبر‭ ‬من‭ ‬‮«‬موضوع‭ ‬تذكاري‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬موضوع‭ ‬إبداعي‮»‬‭.‬
فأعظم‭ ‬أفلام‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬لم‭ ‬تُصنع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ذكرى‭ ‬سنوية،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬مبدعيها‭ ‬دفعتهم‭ ‬معضلة‭ ‬إنسانية‭ ‬عميقة‭. ‬‮«‬القيامة‭ ‬الآن‮»‬‭ ‬وُلد‭ ‬من‭ ‬غضب‭ ‬كوبولا‭ ‬على‭ ‬فيتنام‭ ‬التي‭ ‬مزّقت‭ ‬روح‭ ‬أمريكا،‭ ‬و«الخط‭ ‬الأحمر‭ ‬الرفيع‮»‬‭ ‬وُلد‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬تيرينس‭ ‬ماليك‭ ‬الفلسفي‭: ‬‮«‬هل‭ ‬يوجد‭ ‬إنسان‭ ‬في‭ ‬الحرب؟‮»‬‭ ‬ما‭ ‬تحتاجه‭ ‬مصر‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬أكتوبر‭ ‬مخزونًا‭ ‬يمكن‭ ‬استخراجه‭ ‬ومساءلته‭ ‬وإعادة‭ ‬تفسيره‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت،‭ ‬لا‭ ‬وسامًا‭ ‬يُخرَج‭ ‬كل‭ ‬أكتوبر‭ ‬للعرض‭.‬
لقد‭ ‬استخدمت‭ ‬مصر‭ ‬الناصرية‭ ‬السينما‭ ‬لتشكيل‭ ‬خيال‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬بأكمله‭. ‬وما‭ ‬تستحقه‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬فيلمًا‭ ‬يليق‭ ‬بمن‭ ‬أقاموا‭ ‬الجسور‭ ‬العائمة‭ ‬على‭ ‬القناة،‭ ‬وبمن‭ ‬صمدوا‭ ‬في‭ ‬مواقعهم‭ ‬في‭ ‬الصحراء،‭ ‬وبمن‭ ‬صمتوا‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬يتحرقون‭ ‬لتحرير‭ ‬الأرض‭. ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬لم‭ ‬يُولد‭ ‬بعد‭. ‬ولكن‭ ‬طالما‭ ‬أراد‭ ‬السينمائيون‭ ‬المصريون‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬بصفة‭ ‬فنان‭ ‬جاد‭ ‬لا‭ ‬بصفة‭ ‬مُحتفِل،‭ ‬فسيولد‭ ‬يومًا‭.‬
فروق‭ ‬تفصيلية‭ ‬بين‭ ‬سينما‭ ‬أكتوبر‭ ‬والسينما‭ ‬العالمية،‭ ‬ونماذج‭ ‬غير‭ ‬أمريكية‭ ‬جديرة‭ ‬بالاقتداء
خامسًا‭: ‬الاختلافات‭ ‬التفصيلية‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬السردي‭ ‬والبصري
•الحرب‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالإنسان‭ ‬هي‭ ‬القضية‭: ‬عكس‭ ‬الاتجاه‭ ‬تمامًا
في‭ ‬أفلام‭ ‬أكتوبر‭ ‬المصرية،‭ ‬الحرب‭ ‬ليست‭ ‬الموضوع‭ ‬الأساسي،‭ ‬الحرب‭ ‬غالبًا‭ ‬خلفية‭ ‬لقصة‭ ‬حب‭ ‬أو‭ ‬أزمة‭ ‬أسرية‭. ‬فيلم‭ ‬‮«‬العمر‭ ‬لحظة‮»‬‭ (‬1978‭) ‬يحكي‭ ‬عن‭ ‬صحفية‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬ضابط‭ ‬خلال‭ ‬تغطيتها‭ ‬للحرب،‭ ‬و«الوفاء‭ ‬العظيم‮»‬‭ (‬1974‭) ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬قصة‭ ‬حب‭ ‬يرفضها‭ ‬الأهل‭ ‬ثم‭ ‬تتغير‭ ‬الأمور‭ ‬بعد‭ ‬النصر‭. ‬الحرب‭ ‬هنا‭ ‬محفّز‭ ‬للدراما‭ ‬العاطفية،‭ ‬وليست‭ ‬الموضوع‭ ‬نفسه‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬الأفلام‭ ‬العالمية،‭ ‬وحتى‭ ‬غير‭ ‬الأمريكية،‭ ‬تجعل‭ ‬الحرب‭ ‬هي‭ ‬البطل‭. ‬ففي‭ ‬الفيلم‭ ‬الكوري‭ ‬‮«‬Tae‭ ‬Guk‭ ‬Gi‮»‬‭ (‬2004‭) ‬يضع‭ ‬في‭ ‬مركزه‭ ‬علاقة‭ ‬أخوين،‭ ‬لكن‭ ‬الفيلم‭ ‬بأكمله‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬كيف‭ ‬تحوّل‭ ‬الحرب‭ ‬أحدهما‭ ‬إلى‭ ‬وحش‭ ‬والآخر‭ ‬إلى‭ ‬ضحية،‭ ‬وليس‭ ‬حول‭ ‬قصة‭ ‬حب‭. ‬الفرق‭ ‬جوهري‭: ‬في‭ ‬الأولى‭ ‬الحرب‭ ‬وسيلة،‭ ‬وفي‭ ‬الثانية‭ ‬غاية‭.‬
•نمط‭ ‬الترميم‭: ‬‮«‬النهاية‭ ‬السعيدة‮»‬‭ ‬مقابل‭ ‬‮«‬الصدمة‭ ‬الأخلاقية‮»‬
الأفلام‭ ‬المصرية‭ ‬تنتهي‭ ‬غالبًا‭ ‬بالنصر‭ ‬أو‭ ‬بالتحول‭ ‬الإيجابي‭: ‬البطل‭ ‬يجد‭ ‬الخلاص،‭ ‬الحب‭ ‬يتحقق،‭ ‬الأسرة‭ ‬تجتمع‭. ‬‮«‬الرصاصة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬جيبي‮»‬‭ (‬1974‭) ‬يبدأ‭ ‬بجندي‭ ‬مهزوم‭ ‬نفسيًا‭ ‬بعد‭ ‬1967‭ ‬وينتهي‭ ‬بخلاصه‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭. ‬هذا‭ ‬نمط‭ ‬‮«‬الترميم‮»‬،‭ ‬الحرب‭ ‬تعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬الأمور‭ ‬نحو‭ ‬الأفضل‭.‬
السينما‭ ‬العالمية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬غير‭ ‬الأمريكية،‭ ‬تنتهي‭ ‬غالبًا‭ ‬بالدمار‭ ‬الأخلاقي‭. ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬Come‭ ‬and‭ ‬See‮»‬‭ ‬الروسي‭ (‬1985‭)‬،‭ ‬الفتى‭ ‬فلورا‭ ‬ينجو،‭ ‬لكنه‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬وقد‭ ‬شاخ‭ ‬وشاب‭ ‬شعره‭ ‬من‭ ‬الرعب‭. ‬الفيلم‭ ‬لا‭ ‬يعيد‭ ‬ترميم‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬بل‭ ‬يوثّق‭ ‬التحلل‭ ‬الكامل‭. ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬المأخوذ‭ ‬عن‭ ‬الرواية‭ ‬الألمانية‭ ‬الشهيرة‭ ‬‮«‬كل‭ ‬شيء‭ ‬هادئ‭ ‬على‭ ‬الجبهة‭ ‬الغربية‮»‬‭ ‬‮«‬All‭ ‬Quiet on‭ ‬the Western‭ ‬Front‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬أُنتج‭ ‬عام‭ (‬2022‭)‬،‭ ‬ينتهي‭ ‬الفيلم‭ ‬بموت‭ ‬البطل‭ ‬في‭ ‬الساعات‭ ‬الأخيرة‭ ‬قبل‭ ‬الهدنة،‭ ‬بينما‭ ‬يوقّع‭ ‬الجنرالات‭ ‬على‭ ‬السلام‭.‬
•الزمن‭ ‬السردي‭: ‬آني‭ ‬مقابل‭ ‬تراكمي
أفلام‭ ‬أكتوبر‭ ‬أُنتجت‭ ‬كلها‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬الحرب‭: ‬1974،‭ ‬1975،‭ ‬1978،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬كُتبت‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تترسخ‭ ‬الحرب‭ ‬كتاريخ‭. ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬نجد‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬تعال‭ ‬وانظر‮»‬‭ ‬‮«‬Come‭ ‬and‭ ‬See‮»‬‭ ‬صُوّر‭ ‬عام‭ ‬1985،‭ ‬أي‭ ‬بعد‭ ‬أربعين‭ ‬عامًا‭ ‬من‭ ‬الأحداث،‭ ‬و«كل‭ ‬شيء‭ ‬هادئ‭ ‬على‭ ‬الجبهة‭ ‬الغربية‮»‬‭ ‬‮«‬All‭ ‬Quiet‭ ‬on‭ ‬the‭ ‬Western‭ ‬Front‮»‬‭ ‬الألماني‭ ‬صدر‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬أي‭ ‬بعد‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭. ‬هذه‭ ‬المسافة‭ ‬الزمنية‭ ‬تسمح‭ ‬بتحويل‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬‮«‬ذكرى‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مادة‮»‬‭ ‬قابلة‭ ‬للفحص‭ ‬الفني‭.‬
•التوثيق‭ ‬مقابل‭ ‬التأويل
الأفلام‭ ‬المصرية‭ ‬تحاول‭ ‬‮«‬توثيق‮»‬‭ ‬الحرب،‭ ‬أي‭ ‬إعادة‭ ‬تمثيل‭ ‬أحداثها‭ ‬كما‭ ‬‮«‬حدثت‮»‬‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يُفترض‭ ‬أنها‭ ‬حدثت‭. ‬أما‭ ‬الأفلام‭ ‬العالمية‭ ‬الكبرى‭ ‬فتحاول‭ ‬‮«‬تقديم‭ ‬تفسير‭ ‬وتأويل‮»‬،‭ ‬فتطرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭: ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬يموت‭ ‬إنسان‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الأرض‭ ‬أو‭ ‬حفنة‭ ‬من‭ ‬التراب؟‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تفعله‭ ‬الحرب‭ ‬بالروح‭ ‬البشرية؟‭ ‬ما‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬التاريخ‭ ‬والفلسفة؟
كلمة‭ ‬أخيرة‭:‬
حين‭ ‬دعت‭ ‬صحيفة‭ ‬أخبار‭ ‬اليوم‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬التسعينيات‭ ‬لمسابقة‭ ‬روائية‭ ‬عن‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر،‭ ‬قرأت‭ ‬عشرات‭ ‬الروايات‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭ ‬والحرب‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬وكيف‭ ‬واجه‭ ‬الحرب،‭ ‬ولعلنا‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬نتذكر‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬المواطن‭ ‬مصري‮»‬‭ (‬1991‭) ‬المأخوذ‭ ‬عن‭ ‬قصة‭ ‬الكاتب‭ ‬الكبير‭ ‬يوسف‭ ‬القعيد‭ ‬‮«‬الحرب‭ ‬في‭ ‬بر‭ ‬مصر‮»‬،‭ ‬هذا‭ ‬فيلم‭ ‬يعيش‭ ‬وسيظل‭ ‬يعيش،‭ ‬الحرب‭ ‬كانت‭ ‬الخلفية‭ ‬للحالة‭ ‬الإنسانية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بتضحيات‭ ‬الشعب‭ ‬المصري،‭ ‬إذن‭ ‬نحن‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬ننتج‭ ‬أفلامًا‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬بكل‭ ‬أنواعها‭ ‬وأشكالها،‭ ‬الفرق‭ ‬الجوهري‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬الميزانية‭ ‬أو‭ ‬التقنية‭ ‬ولا‭ ‬اللغة‭ ‬ولا‭ ‬التكلفة‭ ‬ولا‭ ‬الرواية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬تطرحه‭ ‬السينما،‭ ‬تسأل‭ ‬هنا‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬‮«‬كيف‭ ‬انتصرنا؟‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬تسأل‭ ‬‮«‬ماذا‭ ‬فعل‭ ‬الانتصار‭ ‬بنا؟‮»‬
الإجابة‭ ‬على‭ ‬السؤال‭ ‬الأول‭ ‬تنتج‭ ‬توثيقًا،‭ ‬والإجابة‭ ‬على‭ ‬السؤال‭ ‬الثاني‭ ‬تنتج‭ ‬فنًا،‭ ‬ونحن‭ ‬أحوج‭ ‬ما‭ ‬نكون‭ ‬إلى‭ ‬الفن‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬للأبد،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نتخلى‭ ‬عن‭ ‬توثيق‭ ‬اللحظة‭!‬

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة