هناك لحظات لا تكفي الكلمات لروايتها.. لحظات يصبح فيها للصورة صوت.. وللعدسة ذاكرة.. ولحظة واحدة قادرة على اختصار حكاية وطن.
وحرب أكتوبر 1973 واحدة من تلك اللحظات; حين عبرت مصر من ضفة إلى ضفة, وعبر معها جيل كامل من الخوف إلى الثقة, ومن انتظار طويل إلى يقين بأن ما يبدو مستحيلًا يمكن أن يصبح واقعًا.بعد أكثر من نصف قرن، تغيرت علاقتنا بالصورة. أصبحت الكاميرا في كل يد، وصارت الصورة تصل إلى العالم في ثوانٍ. لكن صور أكتوبر بقيت مختلفة؛ لأنها لا تعرض مشهدًا من الماضي فحسب، بل تعيد إلينا إحساس اللحظة نفسها. فما أن تقع العين عليها حتى يتوقف الزمن قليلًا، ونجد وجوهًا لم نلتقِ بأصحابها، ولكنها تبدو مألوفة على نحو غريب.
في صورة لجندي يرفع العلم، أو قارب يشق مياه القناة، أو مقاتل يبتسم بعد العبور، نرى أكثر من مشهد عسكري؛ نرى إنسانًا عاش الخوف والأمل والانتظار، ثم وجد نفسه جزءًا من لحظة صنعتها إرادة وطن.
عشر صور لا تختصر حربًا بحجم أكتوبر، لكنها تفتح نافذة على تفاصيلها، وتعيد ترتيب بعض لحظاتها أمام أعيننا؛ من التخطيط والعبور إلى المعركة ورفع العلم، ومن مشاهد الميدان إلى وجوه المقاتلين التي حملت فرحة وطن كامل.
إنها عشر صور.. وخلف كل صورة حكاية.
وحين تستعيد العدسة هذه الحكايات، لا تعود مجرد شاهد على الحرب، بل تصبح شاهدًا على الإنسان الذي صنع النصر.
فبعض الصور تُلتقط بالكاميرا.. أما الصور التي تعيش طويلًا، فيلتقطها التاريخ.
الصورة الأولى: غرفة العمليات.. حيث بدأ القرار
قبل أن تظهر أولى الصور في السماء، وقبل أن تتحرك القوارب نحو الضفة الشرقية، كانت هناك غرفة عمليات تجري فيها حسابات دقيقة، وتُتخذ قرارات يعرف أصحابها أن ثمنها قد يكون حياة آلاف الرجال.
كانت الخرائط أمام القادة لا تمثل مجرد خطوط وألوان، وإنما مواقع لجنود ينتظرون الأمر، وطائرات تستعد للإقلاع، وقوارب تستعد للعبور.
وفي السادس من أكتوبر 1973، تحولت الخطط والاستعدادات إلى عملية عسكرية بدأت في الثانية ظهرًا، لتدخل مصر واحدة من أكثر لحظاتها أهمية في تاريخها الحديث.
لم تكن الصورة الأولى للنصر قد التُقطت بعد، لكن المشهد كان قد بدأ بالفعل.
الصورة الثانية:
الطائرات.. حين بدأت السماء المعركة
في نحو الثانية من ظهر السادس من أكتوبر، انطلقت الطائرات المصرية في الضربة الجوية التي جاءت متزامنة مع بدء العمليات العسكرية المصرية.
وفي الصور التي حفظتها الذاكرة، تبدو الطائرات أحيانًا صغيرة أمام اتساع السماء، لكن خلف كل طائرة كان هناك طيار يعرف أنه يدخل معركة حقيقية، وربما لا يعرف كيف ستنتهي رحلته.
ومن هنا تبدو الصورة أكثر من مجرد مشهد عسكري؛ فهي تختصر شجاعة إنسان يعرف حجم الخطر، ومع ذلك يمضي إلى مهمته.
وبينما كانت الطائرات تعبر السماء، كان على الأرض جنود آخرون يستعدون للحظة مختلفة تمامًا: لحظة العبور.
الصورة الثالثة:
باقي زكي يوسف.. حين أصبح الماء سلاحًا
على الضفة الغربية لقناة السويس، كان المهندسون العسكريون قد أمضوا سنوات في التفكير في السؤال الصعب: كيف يمكن فتح ثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف؟
كان الجواب عند اللواء باقي زكي يوسف، الذي ارتبط اسمه بفكرة استخدام مياه قناة السويس في تجريف الرمال وفتح الثغرات في الساتر الترابي.
ولد باقي زكي يوسف عام 1931، وتخرج في كلية الهندسة بجامعة عين شمس عام 1954، والتحق بالقوات المسلحة في ديسمبر من العام نفسه. وعمل في مشروع بناء السد العالي بين عامي 1964 و1967، وهناك جاءت الفكرة التي ستصبح لاحقًا إحدى الوسائل المهمة في خطة العبور.
ففي تجربة بناء السد، كان استخدام المياه في تجريف الرمال ونقلها عبر أنابيب جزءًا من العمل الهندسي. ومن هنا بدأت فكرة الاستفادة من المبدأ نفسه في التعامل مع الساتر الترابي لخط بارليف.
تلقفت القيادة العسكرية المصرية الفكرة، وبدأت سلسلة من التجارب والتدريبات للتأكد من فاعليتها، حتى أصبحت مضخات المياه جزءًا من خطة عبور القناة وفتح الثغرات في الساتر الترابي.
وفي السادس من أكتوبر، تحولت الفكرة إلى واقع. اندفعت المياه لتفتح عشرات الثغرات في الساتر الترابي، وأسهمت في إزالة كميات هائلة من الرمال، في مشهد بدا بسيطًا في صورته، لكنه كان ثمرة سنوات من التفكير والتجربة والإعداد.
وهنا تصبح الصورة أكثر إنسانية حين نتذكر أن وراء كل ابتكار عسكري ساعات طويلة من التفكير والتجربة، توفي باقي زكي يوسف في 23 يونيو 2018، بعد مسيرة حافلة ارتبط اسمه خلالها بواحدة من أبرز الأفكار الهندسية التي ساعدت في عبور قناة السويس.
الصورة الرابعة:
القوارب الصغيرة.. زودياك حين بدأ العبور الكبير
ثم جاءت اللحظة التي انتظرها الجميع. استخدمت القوات المصرية آلاف القوارب المطاطية في عملية العبور، وتذكر بعض المصادر أن عددها بلغ نحو 2000 قارب، بما أتاح نقل موجات متتالية من الجنود إلى الضفة الشرقية. في الثانية ظهرًا من السادس من أكتوبر، بدأ الجنود عبور القناة، بينما كانت الطائرات والمدفعية المصرية تمهد الطريق أمامهم.
كان المشهد مهيبًا: قوارب صغيرة تشق مياه القناة، تحمل رجالًا يعرفون أنهم يعبرون نحو مواقع محصنة ودبابات ومدافع وأسلاك شائكة، ولا يعرفون ما ينتظرهم في الدقائق التالية.
كان كل جندي يحمل سلاحه ومعداته، لكنه كان يحمل أيضًا شيئًا آخر لا يظهر في الصور: ذكريات بيته، ووجوه أسرته، وقلق من ينتظرون عودته.
وربما، في لحظة صامتة وسط ضجيج المعركة، فكر أحدهم في أمه، أو زوجته، أو طفل ينتظر أن يعود أبوه.
ومن المشاهد الخالدة التي التقطتها العدسات، ظهور القوارب المطاطية محملة بالجنود وهم يرفعون أيديهم، مرددين «الله أكبر» والدعاء بالنصر.
هكذا يصبح العبور في الصورة أكثر من عملية عسكرية؛ يصبح عبورًا إنسانيًا أيضًا.
فالجنود الذين ركبوا هذه القوارب لم يكونوا أرقامًا في جداول عسكرية، بل كانوا آباء وأبناء وأزواجًا، تركوا خلفهم حياة كاملة ليعبروا نحو لقاء التاريخ.
الصورة الخامسة:
الجسور.. حين تحولت القناة إلى طريق
لم يكن العبور مجرد انتقال بالقوارب. فمع تقدم العمليات، كان لا بد من إقامة وسائل عبور تسمح بانتقال القوات والمعدات الثقيلة إلى الضفة الشرقية. وتمكن المهندسون العسكريون من إنشاء الجسور في وقت قياسي، وسط ظروف قتالية بالغة الصعوبة.
وتحولت القناة، التي بدت لسنوات حاجزًا يفصل بين الجيش المصري وسيناء، إلى طريق يعبره الجنود والمركبات. فلم يعد عبور القناة لحظة للمشاة فقط، وإنما أصبح طريقًا مفتوحًا أمام الدبابات والمدرعات والمعدات. وفي الصور تظهر الجسور، وتظهر معها حركة لا تتوقف: جندي ينتظر دوره، وسائق يقود مركبته، وفني يتابع معداته، وضابط يراقب المشهد. قد لا يعرف المشاهد أسماء هؤلاء جميعًا، لكنهم كانوا جزءًا من اللحظة نفسها. فالنصر في الحروب لا تصنعه صورة واحدة ولا بطل واحد، وإنما تصنعه أعداد كبيرة من البشر الذين يؤدون أدوارًا قد لا يعرفها أحد.
الصورة السادسة:
محمد أفندي العباسي.. حين ارتفع العلم
وسط مشاهد العبور والقتال، جاءت واحدة من أكثر الصور التي ارتبطت بذاكرة المصريين: العلم المصري وهو يرتفع فوق أحد مواقع خط بارليف.
كان وراء هذه الصورة الجندي محمد محمد عبد السلام العباسي، المعروف باسم «محمد أفندي العباسي»، ابن مدينة القرين بمحافظة الشرقية.
ولد في 21 فبراير 1947، وحفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية، وحصل على الشهادتين الابتدائية والإعدادية، ثم اتجه إلى العمل في التجارة والزراعة.
بدأ فترة تجنيده في الأول من يونيو 1967، وكان جنديًا في سلاح المشاة بكتيبة في الإسماعيلية على الضفة الغربية لقناة السويس.
وفي صباح السادس من أكتوبر، كتب العباسي وصيته ووضعها في جيبه، وأوصى أحد رفاقه بأن يسلمها لأهله في حال وفاته.
وعند ساعة الصفر، كان العباسي في طليعة جنود المشاة الذين عبروا القناة نحو أحد المواقع الحصينة بخط بارليف. تقدم وسط النيران، وبعد تمكن القوات المصرية من اقتحام الموقع، نادى العباسي قائد الكتيبة، الذي طلب منه رفع علم مصر.
فنزل العباسي العلم الإسرائيلي ورفع العلم المصري فوق الموقع، مرددًا «الله أكبر».
لكن المفاجأة الأكبر كانت تنتظره بعد الحرب.
وسرعان ما تحولت عبارة «محمد أفندي رفعنا العلم» إلى هتاف شعبي ارتبط بفرحة المصريين بالنصر، وأصبح اسم «محمد أفندي» في الوجدان الشعبي رمزًا للجندي المصري الذي رفع العلم.
وفي الأيام الأولى للحرب، كتب الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور قصيدته «إلى أول جندي رفع العلم في سيناء»، مخاطبًا ذلك الجندي الذي لم يكن يعرف اسمه بعد:
«تملّيناك، حين أهلَّ
فوق الشاشة البيضاء، وجهك يلثم العلما»
لم يكن عبد الصبور يعرف اسم الجندي، لكنه كان يكتب عن روح النصر نفسها؛ عن ذلك المشهد الذي لمسته قلوب الملايين قبل أن تعرف العيون صاحبه.
وبعد الحرب، كرّم الرئيس الراحل أنور السادات البطل محمد أفندي العباسي.
عاد العباسي إلى بلدته القرين، واستقبله أهله في مشهد شعبي احتفالي، وكأن المدينة كلها كانت تحتفل من خلال واحد من أبنائها بعودة النصر إلى البيت.
توفي محمد أفندي العباسي في الأول من يوليو 2019 عن عمر ناهز 72 عامًا، لكن صورته وهو يرفع العلم بقيت شاهدًا على لحظة خلّدتها الصورة والشعر والذاكرة الشعبية.
الصورة السابعة:
عبد الرحمن القاضي.. حين ابتسمت مصر
ومن بين عشرات الصور التي بقيت في الذاكرة، ربما لا توجد صورة تختصر فرحة الانتصار مثل صورة الجندي عبد الرحمن أحمد عبد اللاه القاضي.
ولد القاضي في مدينة المراغة بمحافظة سوهاج، والتحق بالخدمة العسكرية في أكتوبر 1967 بسلاح المدرعات، وانضم إلى الكتيبة 212 دبابات ضمن تشكيلات الجيش الثالث الميداني.
في لحظة الانتصار، التُقطت له صورة شهيرة وهو يحمل سلاحه ويبتسم وسط أجواء الفرح.
تلك الابتسامة لم تكن ابتسامة شخص واحد فقط، بل بدت وكأنها ابتسامة وطن كامل.
وتناقلت الصورة صحف ووسائل إعلام على نطاق واسع، لتصبح واحدة من أشهر صور حرب أكتوبر.
بعد انتهاء خدمته العسكرية، عاد القاضي إلى حياته المدنية، وعمل في قطاع التربية والتعليم حتى أصبح موجهًا بالتعليم الابتدائي.
عرفه طلابه ومعلموه بدماثة خلقه وحبه لوطنه، وكان يتحدث عن أيام الحرب لا كبطل يتباهى، وإنما كمواطن يرى في النصر نعمة تستحق أن تُروى للأجيال.
أنجب خمسة من الأبناء، وكان دائم الدعاء أن يتوفاه الله وهو صائم في رمضان، كما قاتل وانتصر وهو صائم في حرب أكتوبر.
وفي الخميس 23 مايو 2019، الموافق 18 رمضان 1440 هجريًا، رحل البطل عبد الرحمن القاضي عن عالمنا بهدوء كما عاشه.
وتسلمت ابنته صفاء تكريم والدها، كما أطلق اسم الجندي على أحد ميادين مدينة المراغة بمحافظة سوهاج.
الصورة الثامنة:
محمد طه يعقوب.. حين تحولت الأصابع إلى خريطة
وفي صورة أخرى، يقف الجندي محمد طه يعقوب رافعًا إصبعين في علامة أصبحت مألوفة في صور الانتصار. ينتمي محمد طه يعقوب إلى محافظة بورسعيد، ودرس في كلية المعلمين بجامعة عين شمس. وقبل تجنيده كان يعمل مدرسًا، وأصر على الانضمام إلى القوات المسلحة رغم رفض طلبه أكثر من مرة بسبب عمله في التدريس. انضم إلى الجيش الثالث الميداني، ضمن الفرقة 19 مشاة، واللواء الثاني، والكتيبة 22 مشاة ميكانيكا. وأثناء المعارك، التُقطت له الصورة الشهيرة التي ظهر فيها وهو يرفع يده بعلامة النصر.
وقد أوضح لاحقًا أن الإشارة التي رفعها لم تكن مجرد علامة تقليدية للنصر، وإنما قصد بها شكل خريطة سيناء، في إشارة رمزية إلى الأرض التي يقاتل من أجل استعادتها.
لكن قصة الصورة تحمل معنى أعمق. ففي إحدى اللحظات، تعرض أحد زملائه لجروح بالغة، فقام بحمله وعبر به وسط النيران، ونجح في نقله إلى مكان آمن رغم الخطر الشديد.
وهكذا، فإن الصورة التي قد يراها البعض مجرد ابتسامة وإشارة باليد، تخفي وراءها قصة جندي يحمل جنديًا آخر. وربما لهذا السبب تحديدًا بقيت الصورة حية؛ لأنها لا تتحدث فقط عن الانتصار، وإنما عن الرفقة أيضًا. في الحرب، قد يحمل الإنسان سلاحه، لكنه أحيانًا يحمل إنسانًا آخر.
الصورة التاسعة:
يسري عمارة.. حين أصبح الأسير صورة أخرى للنصر
وبعد أيام قليلة من بدء الحرب، تبدلت بعض المشاهد.
في الثامن من أكتوبر، حاولت القوات الإسرائيلية تنفيذ هجوم مضاد، لكن القوات المصرية تمكنت من التصدي له وإلحاق خسائر كبيرة بالقوات المهاجمة. وفي سياق المعارك، أُسر العقيد عساف ياجوري، قائد اللواء 190 المدرع الإسرائيلي، في واحدة من أشهر عمليات الأسر خلال حرب أكتوبر.
وكان النقيب يسري عمارة أحد أبطال هذه العملية، وهو الذي عُرف لاحقًا بلقب «صائد الأسرى».
ويروي يسري عمارة في إحدى شهاداته تفاصيل تلك اللحظة، عندما وجد ياجوري بعد الاشتباك، وتمكن مع أفراد مجموعته من السيطرة عليه واقتياده أسيرًا.
كان المشهد مختلفًا تمامًا عن الصور الأولى التي ظهر فيها الجنود وهم يعبرون إلى الشرق. هذه المرة، كان أحد قادة القوات الإسرائيلية أسيرًا لدى الجيش المصري.
ومن هنا تحولت الصورة إلى وثيقة أخرى من وثائق الحرب؛ صورة لا تُظهر عبور الجنود فقط، وإنما تُظهر تغير ميزان القوة على أرض المعركة.
الصورة العاشرة:
وجوه المقاتلين.. الصورة التي لا تظهرها الخرائط
ومع كل هذه الصور، تظل هناك صور أخرى ربما لا تحمل أسماءً مشهورة ولا يعرف أصحابها، لكنها في الحقيقة تختصر القصة كلها. وجوه جنود متعبة، ملابس غطاها التراب، ابتسامات خجولة، عيون تبحث عن رفاقها، وأيدٍ تمسك بالسلاح بعد ساعات طويلة من القتال. هؤلاء هم الذين لا تظهر أسماؤهم دائمًا في عناوين الصحف، لكن صورهم بقيت شاهدة على وجودهم. وخلف كل وجه قصة.
هناك أم كانت تنتظر، وأب يدعو، وزوجة تخفي خوفها، وطفل ربما لم يكن يعرف لماذا غاب أبوه كل هذه الأيام. لهذا فإن صورة الجندي المجهول قد تكون أحيانًا أكثر صدقًا من الصورة الشهيرة؛ لأنها لا تقدم لنا بطلًا واحدًا، وإنما تقدم لنا جيلًا كاملًا عاش الحرب.
ويروي المصور مكرم جاد الكريم في إحدى شهاداته مشهدًا مؤثرًا: في أحد الأيام، وبينما كان يوثق المعركة بكاميرته، انفجرت طائرة إسرائيلية في السماء، فصرخ من أعماقه «الله أكبر»، لكنه اكتشف أن الجندي الذي كان بجواره قد استشهد. اقترب منه زميله، وحمله في هدوء، ثم وضعه جانبًا وحمل سلاحه ومضى ناحية هدفه. في تلك اللحظة، لم تعد الكاميرا توثق معركة فقط؛ كانت توثق معنى الإنسان في الحرب، حيث يمكن للحظة واحدة أن تجمع بين الفقد والاستمرار، بين الحزن والواجب.
قد تنتهي الحروب، لكن بعض لحظاتها تبقى حية في الذاكرة.
وصور أكتوبر ليست مجرد لقطات من معركة مضت، بل ذاكرة وطن ووجوه رجال صنعوا لحظة النصر.
عشر صور لا تختصر حربًا كاملة، لكنها تذكّرنا بأن وراء كل صورة حكاية، ووراء كل نصر إنسانًا آمن بأن المستحيل يمكن أن يصبح ممكنًا.
وهكذا حفظت العدسة لحظة النصر.. لتتحول إلى تاريخ ينبض بالحياة.