عند قراءة مسرح الأحداث سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا بعد حرب يونيو 1967م, وما أحدثته من متغيرات سلبية على مسارح العمليات وخسائر فادحة للقوات العربية والمصرية خاصة, وأفدحها احتلال العدو الإسرائيلي لأراضٍ عربية وسيناء المصرية, فإننا نجد أن القيادة المصرية لم يكن أمامها إلا الأخذ بالأسلوب العلمي الحديث في التخطيط الاستراتيجي لمعالجة هذه الكارثة, حيث أصبح ضروريًا بل حتميًا, وخاصة أنه لم يوجد تخطيط استراتيجي مسبق في المواجهات السابقة مع هذا العدو اللعين والمدعوم دائمًا من المستعمر الغربي مهما اختلفت أشكاله.
أعلن الرئيس جمال عبد الناصر مبدأ محددًا وحاسمًا، وهو أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، اعتمدت مصر على ذاتها والدعم العربي، ووضعت استراتيجيتها لتنفيذ ذلك، فاتخذت وانتهجت المنهج الحديث في استغلال جميع إمكانياتها المادية والمعنوية، أي قوى الدولة الشاملة في ذلك التخطيط، وحيث بدأت في دراسة كل المشكلات والمصاعب التي ستواجه أي خطة لتحرير الأرض في عدة اتجاهات في وقت واحد وتحت ضغط العدو، وكانت هناك عدد من المشكلات، لابد من إيجاد الحلول لها، منها التي سأتحدث عن أهمها فيما هو آتٍ:
1 - قناة السويس المانع المائي الكبير، والذي أضيف إلى الدفاعات الإسرائيلية على الضفة الشرقية للقناة، ومنها خط بارليف والاحتياطيات المدرعة لتأمينه.
2 - سرعة بناء الدفاعات على الضفة الغربية للقناة.
3 - إعادة بناء وتنظيم القوات المسلحة.
4 - تجهيز المسرح السياسي الدولي والإقليمي والمحلي لاسترداد الحقوق المشروعة والمغتصبة.
5 - انتهاج حرب الاستنزاف منهاجًا لإثبات صلابة الجندي المصري واستعداده للجولة القادمة، وكذا استعادة الكفاءة الفنية والقتالية تحت ستر أعمالها.
قناة السويس كمانع كبير
تعد قناة السويس مانعًا مائيًا كبيرًا وعريضًا، ويتغير منسوب المد والجزر بدرجة كبيرة بين الشمال والجنوب، إضافة إلى سرعة التيار التي تتغير أربع مرات في اليوم الواحد ما بين 18م/الدقيقة في القطاع الشمالي، و90م/الدقيقة في القطاع الجنوبي، مما يؤثر في سرعة واتجاه قوارب ومعدات العبور، فضلًا عن أن أجناب القناة لها تكسية مكونة من ستائر حديد من العمق حتى سطح المياه، ثم تعلوها تكسية خرسانية مسلحة ارتفاعها يغطي فرق المد والجزر، ثم تكسية بالدبش ارتفاعها نحو متر حتى سطح الأرض.
بناء الدفاعات المصرية على الضفة الغربية للقناة
تمت إعادة تنظيم وتجميع القوات المتيسرة في منطقة القناة، وعلى ضفتها الغربية، من القوات العائدة من سيناء والعائدة من الحرب في اليمن بعد انتهائها، وكذا ما استجد من قوات جديدة من التجنيد الحديث. كما تم تجهيز مسرح العمليات ووضع خطط العمليات بما يتناسب مع المتيسر، مع التعديل طبقًا للمتغيرات بالزيادة في الأسلحة والمعدات، وبما هو متاح من تجهيزات هندسية. وتم تنفيذ هذه البنود بأسرع ما يمكن، وفي الأولوية الأولى – إعادة بناء وتنظيم القوات المسلحة:
ما إن توقفت الحرب في 10 يونيو عام 1967، حتى بدأت مصر في تعديل أوضاعها، ووضع الأسس والمبادئ السياسية والعسكرية السليمة لإعادة تنظيم وبناء القوات المسلحة على أسس علمية، والتي على أساسها ستقود مسيرتها الشاقة المقبلة. وكانت أولى الخطوات هي البدء في إعادة بناء القوات، والإعداد المعنوي والعملي للمقاتل، وأصدرت القيادة العسكرية المصرية توجيهات قبل أن ينتهي شهر يونيو 1967، حيث سارعت القوات المسلحة المصرية على امتداد الجبهة بتنظيم الدفاعات بما تيسر لها من قوات وإمكانيات، إضافة إلى ما وصل من مساعدات الدول العربية والصديقة، إلى جانب تنفيذ الاتحاد السوفيتي لبعض عقود صفقات أسلحة قديمة، مما مكن من إنشاء وحدات فرعية، ووحدات وتشكيلات ميدانية جديدة، لتصل كفاءة القوات المسلحة إلى نحو 50 بالمائة من الكفاءة المقررة لها في نهاية عام 1967. وقامت القيادة العامة للقوات المسلحة بإعادة التنظيم كالآتي:
• على مستوى الوحدات الفرعية والوحدات والتشكيلات:
تم تعديل التنظيم للوحدات الفرعية والوحدات والتشكيلات بما يتناسب مع المهام التي تحددت لها، فتم دعمها بأسلحة الدعم، إما بضمها ضمن صلب التنظيم، أو الإلحاق الدائم، مثل الوحدات الفرعية للمشاة، التي ضُمَّ إليها عناصر مضادة للدبابات، ودفاع جوي، وكذلك وحدات المشاة أو الميكانيكية بضم وحدات فرعية من الدبابات والمدفعية، والمضادة للدبابات. وهكذا الوحدات المدرعة، تم دعمها بوحدة فرعية من المشاة الميكانيكية، والأسلحة المعاونة التخصصية، وإعادة تنظيم التشكيلات المشاة الميكانيكية لتصبح وحدتين: مشاة ميكانيكية، ووحدة مدرعات، وكذا التشكيلات المدرعة لتصبح بالتكوين نفسه، مع اختلاف التخصص، بالإضافة لوحدات المدفعية، والدفاع الجوي، والأسلحة المتخصصة.
• على المستويين التعبوي والاستراتيجي:
انتهت القيادة العامة للقوات المسلحة من إعادة تنظيم عناصرها على المستويين التعبوي والاستراتيجي كالآتي:
على المستوى التعبوي:
تم إلغاء قيادة المنطقة الشرقية، وتشكيل قيادتين تعبويتين جديدتين، هما الجيش الثاني الميداني، والجيش الثالث الميداني، ولكل منهما التجميع القتالي المناسب لتنفيذ المهام المحددة لكل منهما، سواء كانت الدفاعية أو الهجومية المنتظرة، مع توفير الدعم اللازم تحت قيادة كل منهما، وفي نطاق مسؤوليتهما. كما تمت، بالإضافة إلى ذلك، تشكيل أربع مناطق عسكرية إقليمية، هي المنطقة المركزية، والمنطقة الشمالية، والمنطقة الغربية، والمنطقة الجنوبية.
على المستوى الاستراتيجي:
• إصدار التشريعات اللازمة:
تسبب غياب المؤسسات التشريعية لشؤون الدفاع عن الدولة، وتنظيم أسلوب القيادة والسيطرة على القوات المسلحة، في إحداث فجوة بين الاستراتيجية السياسية التي كان يتبعها رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبين الاستراتيجية العسكرية التي كان يخطط لها ويديرها القائد العام ومعه وزير الحربية، الأمر الذي أخل بالتوازن بين المستويين، وهبط بالاستراتيجية العسكرية، وجعلها دون مستوى الاستراتيجية السياسية، وفشلت في مساندتها أو اللحاق بها، أو على الأقل عرض وبيان مطالبها الضرورية للموافقة على قرار الحرب من عدمه. لذا، حدث تحول جديد في الفكر الاستراتيجي الجديد، عندما رأت القيادة السياسية المصرية تطوير أسلوب اتخاذ القرارات الاستراتيجية باتباع النهج العلمي المؤسسي، واتباع أحدث ما وصلت إليه العلوم الاستراتيجية، وذلك بإنشاء آليات جديدة لاتخاذ قرار الحرب، وهي:
• قرار جمهوري بقانون رقم 68/4 بشأن القيادة والسيطرة وسلطات رئيس الجمهورية، ووزير الدفاع، ورئيس الأركان، وإنشاء مجلس الدفاع الوطني، ومجلس أعلى للقوات المسلحة.
• قرار جمهوري رقم 68/86 بتحديد اختصاصات مجلس الدفاع الوطني.
ج- قرار جمهوري رقم 68/128 وتعديله بقرار رقم 446/70 بتشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة. ساعدت تلك التشريعات المؤسسية، خاصة لمجلس الدفاع الوطني، على وضع السياسة العسكرية لمصر، ودراسة التحديات والتهديدات، وتقييم المخاطر ودرجاتها، وأنسب أسلوب لمواجهتها (إعداد دولة وقوات مسلحة – تكاليف الحرب المنتظرة ماديًا وبشريًا – توقيتها ومدتها اللازمة – الوضع السياسي المناسب)، واتخاذ قرار الحرب في الوقت المناسب، وتأكيد أن قرار الحرب أصبح مؤسسيًا، وليس فرديًا.
• القيادة العامة للقوات المسلحة وتشكيلاتها:
تم تشكيل فرع رئيسي من أفرع القوات المسلحة، وهو قيادة قوات الدفاع الجوي، وتكونت لها قيادة استراتيجية، بعد أن كانت تتبع إدارة المدفعية تنظيميًا، والقوات الجوية في إدارة أعمال القتال. وأصبحت هي المسؤولة عن دفاع جوي الدولة، ودفاع جوي التشكيلات البرية. كما تم تشكيل قيادة قوات الدفاع الشعبي التي تتولى الحماية المدنية للأهداف الحيوية بالمحافظات، بالتعاون مع الشرطة المدنية، بالإضافة إلى وحدات فنية، وإدارية، وطبية على مستوى القيادة العامة لدعم أعمال الجيوش والمناطق العسكرية، في أثناء الإعداد للحرب، أو في أثناء العمليات الحربية، وكذا إنشاء وتوسيع المنشآت التعليمية والتدريبية لاستيعاب الزيادة في حجم وتخصصات المجندين الجدد، طبقًا لمتطلبات الإدارات التخصصية، وميادين التدريب المركزية اللازمة لتمكين القوات من العمل ضد – أو الرد على – أعمال العدو العدائية.
تهيئة المسرح السياسي الدولي والإقليمي
قام منهج السياسة الخارجية المصرية على رفض الهزيمة العسكرية، وذلك من خلال الخطوات الآتية:
• العمل السياسي لكسب الوقت دون الوصول إلى حل كغطاء، حتى تتم إعادة واستكمال القدرة العسكرية المصرية لتكون داعمة في الوصول لحل المشكلة.
• إقناع الرأي العام العالمي بأن مصر لا تريد الحرب من أجل الحرب، وإنما من أجل استعادة أرض مغتصبة بالقوة، وتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني.
كان منهج ووسيلة العمل السياسي العربي، على الصعيدين الدولي والدبلوماسي، في الفترة بين حربي 1967 و1973، أن أي مباحثات أو مفاوضات لمبادرات لحل الأزمة تتعامل من قاعدة الأساس، وهو قرار مجلس الأمن الدولي، المعروف بالرقم 242، الذي قبلته آنذاك كل من مصر والأردن، ورفضته سوريا. وعين الأمين العام للأمم المتحدة مبعوثًا شخصيًا له، هو السويدي جونار يارنج، ليقوم بالاتصالات مع مصر، والأردن، وإسرائيل، من أجل تنفيذ أحكام قرار مجلس الأمن. وقد استمر هذا الوسيط الدولي في اتصالاته حتى نشبت حرب أكتوبر 1973.
وإلى جانب مهمة الوسيط الدولي وجهوده، نشطت وساطات ومبادرات متعددة، انتهت جميعها، ومعها جهود الوسيط الدولي، إلى الفشل بسبب تعنت إسرائيل، وتهربها من الالتزام بأحكام القرار الرقم 242، خاصة ما يتعلق بالانسحاب من الأراضي المحتلة، وهو ما دعا مصر إلى اللجوء إلى مجلس الأمن في يوليو 1973 لمناقشة المأزق الذي وصلت إليه المساعي لحل الأزمة. وكانت تأمل في استصدار قرار من المجلس، يوضح ويعدل القرار 242، في شأن الانسحاب من الأراضي المحتلة وحقوق الشعب الفلسطيني. غير أن مشروع القرار، رغم الأكثرية اللازمة، سقط بحق الفيتو، الذي استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية، والذي استندت إليه واستخدمته مصر كمسوغ لبدء الحرب.
حرب الاستنزاف كمنهج جديد
اتخذت القوات المسلحة المصرية حرب الاستنزاف منهجًا وطريقًا لإعادة بناء القوات المسلحة تنظيميًا، وتدريبيًا، ومعنويًا، وبناء الدفاعات غرب القناة، مع استمرار القتال. كما استخدمت الدبلوماسية (المجال السياسي) لإثبات أنها تسعى إلى الانسحاب الإسرائيلي وتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني، وإقناع العالم بصفة عامة، والاتحاد السوفيتي بصفة خاصة، بأننا لا نريد الحرب من أجل الحرب، مع المحافظة على صلابة الجبهة الداخلية، والتضامن العربي، وذلك لتهيئة المسرح السياسي الدولي والإقليمي لاسترداد الحقوق المشروعة، وكان هذا المسعى أحد ركائز خطة الخداع الاستراتيجي فيما بعد.
تم خلال تلك الحرب دراسة العدو دراسة وافية، وخاصة تنظيم دفاعاته على الضفة الشرقية للقناة وسيناء، حيث إقامة العدو لساتر ترابي ارتفاعه من 16م إلى 20م، وبزاوية من 45-65 درجة، وأنشأ عليه خطًا دفاعيًا أطلق عليه خط بارليف، وهو من أكبر وأصعب الخطوط الدفاعية على مستوى العالم، وهو مكون من نقاط دفاعية حصينة، مساحة النقطة تصل إلى 400 م2، مدعمة بالمدفعية، والدبابات والصواريخ م/د. والخط مكون من 22 موقعًا، يحتوي على 31 نقطة حصينة من قطع بورفؤاد شمالًا حتى الشط بالسويس جنوبًا. وكانت تقديرات الخبراء الروس لخسائر العبور والاستيلاء على خط بارليف تقدر بـ60 بالمائة من القوات المهاجمة، وذلك في حالة احتلال العدو الخط الدفاعي بكامل قواته. بينما المعروف عالميًا في قوانين القتال أن الوحدة التي تخسر 40 بالمائة من قوتها تخرج من المعركة لاستعادة كفاءتها، لذا كانت خطة الخداع الاستراتيجي العظيمة، والتي كان جوهرها أن تصل بالقوات المصرية لأعلى درجات الاستعداد لتنفيذ الحرب ويرى العدو أعمالًا عادية، وقد اعترف بذلك قادته أثناء محاكمتهم أمام لجنة أجرانات عن أسباب الهزيمة.
• الارتكاز على الاحتياطيات المدرعة لردع أي هجوم على خط بارليف:
وهي مكونة من سرايا دبابات ومشاة ميكانيكية (13 دبابة + 4 عربات مدرعة) تتمركز على كل محاور الاقتراب إلى النقاط الحصينة، وخلف الخط الحصين بمسافة من 500م إلى 3كم، ويمكنها التدخل في معركة النقاط الحصينة عند مهاجمتها خلال 20 إلى 30 دقيقة. إما باحتلال مرابض نيران على الساتر الترابي مجهزة مسبقًا بفاصل 100م بين المرابض لضرب وتدمير القوات المحتشدة لعبور القناة، أو القيام بهجوم مضاد على القوات التي نجحت في العبور إلى الشرق لتدميرها أو صدها لحين وصول الاحتياطي التكتيكي بقوة كتيبة دبابات مدعمة خلال فترة تتراوح من ساعة إلى ساعة ونصف ساعة.
الإعجاز
النجاح في إفشال خطة الدفاع عن خط بارليف الحصين وعدم التمكن من استعادة الأوضاع، وذلك بالتخطيط الجيد الموقوت لصد الهجمات المضادة على المستوى القريب والتكتيكي، والضربات المضادة على المستوى التعبوي.
الإنجاز
مفاجأة العدو بالهجوم على خط بارليف بالمواجهة بالكامل وعبر الأراضي وعلى محاور التقدم، مما شتت اتجاهات الهجمات المضادة بالاحتياطيات القريبة والمخصصة لنجدة النقاط القوية، ومنعها أيضًا من التدخل بالصواريخ المضادة للدبابات من على المصاطب من غرب القناة.
البراعة
التنسيق الجيد لاستخدام الأسلحة المتنوعة ومن مرابض متنوعة، فالصواريخ م/د من مصاطب الضفة الغربية قامت بمنع تدخل الاحتياطيات القريبة لنجدة النقط القوية، وحتى نجاح اقتحام خط بارليف وعبور الدبابات والاشتراك في توسعة رؤوس الكباري للواءات النسق الأول، وصد وتدمير الاحتياطيات التكتيكية.
توسعة رؤوس الكباري للفرق المهاجمة بدفع الأنساق الثانية لها، والاستعداد لصد الضربات المضادة على المستوى التعبوي.