في رحلة إنسانية امتدت أربع سنوات، تنتقل الدكتورة أمل صديق عفيفي، الأستاذة الجامعية، في كتابها "بيت آمن" من تجربة فقد ابنتها "عاليا" إلى محاولة تحويل الألم إلى عمل إنساني يمنح فتيات محرومات من الرعاية الأسرية فرصة لحياة أكثر استقرارا وأمانا.
ترصد الكاتبة في الكتاب تجربة فقد ابنتها وما خلفه رحيلها من فراغ نفسي وأسئلة وجودية وشعور بالعجز، قبل أن تتحول المأساة تدريجيا إلى مشروع حمل اسم "بيت عاليا"، ثم إلى تجربة أوسع في رعاية الفتيات، في مسار يكشف قدرة الإنسان على تحويل ألمه إلى فعل يترك أثرا في حياة الآخرين.
وتبدأ الرحلة من اللحظة التي تعرضت فيها "عاليا" لأزمة صحية حادة، لتعيش الأم أياما بين المستشفى والأمل والخوف، قبل أن تفقد ابنتها بعد فترة من الانتظار والدعاء. ولا تقدم عفيفي الفقد باعتباره حدثا عابرا، بل ترصد حضوره في تفاصيل الحياة اليومية، وما صاحبه من أسئلة حول أسباب الرحيل وإمكان إنقاذها.
وتتنقل الكاتبة بين مراحل الحزن والإنكار والغضب ومحاولة البحث عن تفسير والاكتئاب، وصولا إلى التصالح مع الحقيقة، قبل أن يتحول سؤالها من «كيف أتجاوز الألم؟» إلى «كيف أحول هذا الألم إلى عمل نافع؟».
ومن هنا تبدأ فكرة "بيت عاليا"، بعدما منحتها والدتها مبلغا كانت تنوي تقديمه لابنتها عند زواجها، وطلبت منها إنفاقه في صدقة جارية باسمها. وتتذكر الكاتبة حلما كانت «عاليا» قد تحدثت عنه قبل رحيلها، وهو إنشاء بيت للمشردين، فتسهم في تجهيز أحد المباني ليحمل اسم ابنتها.
غير أن التجربة تقودها إلى إدراك أن المشروع الخيري وحده لا يكفي لاستعادة المعنى، فتتجه إلى مجالات أخرى للمساعدة، قبل أن تكتشف أن مشكلة الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية تتجاوز توفير الطعام والملابس والمأوى، لتشمل التعليم والتأهيل والانتماء والاستقرار النفسي، فضلا عن مستقبل الفتيات بعد بلوغهن سن الثامنة عشرة.
وتكتشف عفيفي أن بعض الفتيات قد يخرجن من دور الرعاية دون مؤهل دراسي أو خبرة حياتية أو شبكة اجتماعية تساعدهن على الاستقلال، وأن حل المشكلة لا يكمن في مساعدة مالية مؤقتة أو الزواج، وإنما في بناء الإنسان وإعداده منذ الصغر.
ومن هذه الرؤية تتبلور فكرة "البيت الآمن"، وهو بيت صغير يضم عددا محدودا من الأطفال، ويوفر لهم أجواء أقرب إلى الأسرة الطبيعية، مع الرعاية المادية والمعنوية والتعليمية، بعيدا عن نموذج المؤسسات الكبيرة.
وتعرض الكاتبة فكرتها على وزارة التضامن الاجتماعي، لتتعرف إلى النموذج القانوني المناسب للمشروع، ثم تبدأ الإجراءات الرسمية وتحضر دورة تدريبية للتعرف على مسؤوليات الأسرة الكافلة، لتكتشف أن الأمر يتجاوز الرغبة في فعل الخير إلى مسؤولية طويلة الأمد تجاه أطفال لهم تجارب واحتياجات خاصة.
وبعد استكمال الموافقات، تبدأ رحلة البحث عن المسكن واختيار الأطفال، وتقرر عفيفي التركيز على عدد محدود من الفتيات تستطيع منحهن الوقت والرعاية الكافيين. ومع مرور الوقت، تتطور العلاقة بينهن، فتتعرف إلى تفاصيل طفولتهن ومخاوفهن وأحلامهن، وتدرك أن حاجتهن الأساسية لا تقتصر على الرعاية، وإنما تمتد إلى الشعور بالانتماء والثبات والأمان.
وتناديها الفتيات "ماما أمل"، لتتحول الكلمة تدريجيا من وسيلة للتأكد من وجودها إلى تعبير عن الأمان والانتماء والاحترام، فيما تكتشف الكاتبة أن الفتيات أصبحن جزءا من رحلة تعافيها هي أيضا؛ فالنزهات والاحتفالات والرحلات والزيارات، وهي تفاصيل عادية في حياة الأسر، تتحول بالنسبة إليهن إلى تجارب جديدة لاكتشاف العالم واستعادة معنى الحياة.
ويصل الكتاب إلى أن الأطفال أعادوا إلى الكاتبة القدرة على رؤية العالم بعيون جديدة، فأصبحت تفاصيل بسيطة، مثل الشوارع والورود والغروب والبحر، تحمل معنى مختلفا من خلال دهشة الفتيات وفرحهن.
وبعد سنوات من التجربة، تتحول العلاقة إلى رحلة متبادلة؛ تمنح أمل الفتيات الأمان، بينما يمنحنها بدورهن سببا جديدا للحياة، فتتعايش ذكريات «عاليا» المؤلمة مع ذكريات جديدة تصنعها الفتيات، وتصبح اللحظات الصغيرة، كرسمة أو احتفال أو رحلة، مصدرا لفرح ظنت الكاتبة أنها فقدته إلى الأبد.
ويخلص "بيت آمن" إلى أن الإنسان لا يستطيع إنقاذ من فقدهم، لكنه يستطيع أن يواصل شيئا من رسالتهم، وأن يجعل ذكراهم سببا في مساعدة آخرين. وهكذا يتحول «بيت عاليا» و«البيت الآمن» إلى امتداد لحب الأم لابنتها، ومساحة تمنح فتيات أخريات ما حرمن منه: بيتا، وأما، وتعليما، وذكريات آمنة، وحلما بالمستقبل.
ولا يقدم الكتاب قصة حزن أو عملا خيريا بالمعنى التقليدي فحسب، بل يرسم مسارا يبدأ بالفقد وينتهي بالحياة، وينتقل من سؤال الألم إلى إجابة قوامها العطاء، مؤكدا أن تجاوز الفقد لا يعني النسيان، وإنما تحويل الذكرى إلى فعل حي يمنح الآخرين الأمان والمحبة وفرصة جديدة للحياة.