الأربعاء 14 اكتوبر 2026

مقالات

قداسة‭ ‬المكان‭ ‬وصراع‭ ‬الجغرافيا‭ ‬والتاريخ‭ ‬والهوية


  • 10-10-2026 | 14:14

عمرو فاروق

طباعة
  • عمرو فاروق

تكتسب‭ ‬سيناء‭ ‬جانبًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬من‭ ‬قدسيتها‭ ‬من‭ ‬تقاطع‭ ‬روايات‭ ‬الأديان‭ ‬السماوية‭, ‬وتشابك‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأنبياء‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬الممتد‭ ‬من‭ ‬إبراهيم‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬إلى‭ ‬نبينا‭ ‬محمد‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭, ‬إذ‭ ‬إنها‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬الشمال‭ ‬الشرقي‭ ‬من‭ ‬مصر‭, ‬وتفصل‭ ‬بين‭ ‬قارتي‭ ‬إفريقيا‭ ‬وآسيا‭, ‬أو‭ ‬مجرد‭ ‬مساحة‭ ‬جغرافية‭ ‬احتلت‭ ‬موقعًا‭ ‬استثنائيًا‭ ‬في‭ ‬خرائط‭ ‬الصراع‭ ‬العسكري‭ ‬والسياسي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭; ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬بقاع‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تداخل‭ ‬الجغرافيا‭ ‬بالتاريخ‭, ‬والدين‭ ‬بالسياسة‭, ‬والهوية‭ ‬بالأمن‭ ‬القومي‭.‬

لا‭ ‬تتوقف‭ ‬القيمة‭ ‬الدينية‭ ‬لسيناء‭ ‬عند‭ ‬العقيدة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬لكنها‭ ‬حاضرة‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬اليهودي‭ ‬والمسيحي،‭ ‬وتتجلى‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬النبي‭ ‬موسى‭ ‬عليه‭ ‬السلام،‭ ‬وبالمكان‭ ‬الذي‭ ‬ارتبط‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬الديني‭ ‬بتلقي‭ ‬الألواح‭ ‬والميقات،‭ ‬وفي‭ ‬الروايات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بخروج‭ ‬بني‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬ورحلتهم‭ ‬في‭ ‬البرية،‭ ‬ويحضر‭ ‬فيها‭ ‬جبل‭ ‬الطور‭ ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الرموز‭ ‬الدينية،‭ ‬وقد‭ ‬ورد‭ ‬ذكر‭ ‬الطور‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬موضع،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: "‬وَطُورِ‭ ‬سِينِينَ‭"‬،‭ ‬وقوله‭ ‬تعالى‭: "‬وَالتِّينِ‭ ‬وَالزَّيْتُونِ‭ ‬*‭ ‬وَطُورِ‭ ‬سِينِينَ‭"‬،‭ ‬كما‭ ‬يرتبط‭ ‬المكان‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الإسلامية‭ ‬بقصة‭ ‬موسى‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬وخروجه‭ ‬ببني‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وبالمشهد‭ ‬القرآني‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬فيه‭ ‬الوادي‭ ‬المقدس‭ "‬طُوًى‭" ‬مساحة‭ ‬رمزية‭ ‬شديدة‭ ‬الأهمية‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬النبوة‭.‬

وصف‭ ‬سيناء‭ ‬بأنها‭ "‬الأرض‭ ‬المقدسة‭" ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يُفهم‭ ‬باعتباره‭ ‬توصيفًا‭ ‬عاطفيًا‭ ‬أو‭ ‬دينيًا‭ ‬مجردًا،‭ ‬وإنما‭ ‬بوصفه‭ ‬مدخلًا‭ ‬لفهم‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬اكتسبتها‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬عبر‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬فشبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬تمثل‭ ‬منطقة‭ ‬انتقال‭ ‬طبيعية‭ ‬بين‭ ‬وادي‭ ‬النيل‭ ‬وبلاد‭ ‬الشام،‭ ‬ولذلك‭ ‬كانت‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬ممرًا‭ ‬للحملات‭ ‬العسكرية‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬أو‭ ‬الغرب‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬عبور‭ ‬سيناء‭ ‬مجرد‭ ‬انتقال‭ ‬جغرافي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬انتقالًا‭ ‬بين‭ ‬عوالم‭ ‬سياسية‭ ‬وحضارية‭ ‬مختلفة‭.‬

سيناء‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هامشًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية،‭ ‬وإنما‭ ‬كانت‭ ‬دائمًا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬قلب‭ ‬الدولة،‭ ‬فالخطر‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬وادي‭ ‬النيل‭ ‬مباشرة،‭ ‬وإنما‭ ‬يمر‭ ‬غالبًا‭ ‬عبر‭ ‬هذا‭ ‬الامتداد‭ ‬الجغرافي،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬ارتبط‭ ‬أمن‭ ‬سيناء‭ ‬تاريخيًا‭ ‬بأمن‭ ‬مصر‭ ‬ذاتها‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬سيناء‭ ‬قد‭ ‬لعبت‭ ‬أدوارًا‭ ‬متعددة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬القديم،‭ ‬فإن‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬جعلها‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬سيناء‭ ‬مواجهات‭ ‬عسكرية‭ ‬متكررة،‭ ‬وأصبحت‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬عام‭ ‬1967‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬انتهت‭ ‬باستعادة‭ ‬السيادة‭ ‬المصرية‭ ‬عليها‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة‭.‬

وكانت‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬استراتيجية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لأنها‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬المعادلة‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية،‭ ‬ولكن‭ ‬لأنها‭ ‬أعادت‭ ‬قضية‭ ‬سيناء‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬سياسي‭ ‬انتهى‭ ‬باتفاقية‭ "‬السلام‭"‬،‭ ‬ثم‭ ‬الانسحاب‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬من‭ ‬معظم‭ ‬أراضي‭ ‬سيناء،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬استكمال‭ ‬الانسحاب‭ ‬عام‭ ‬1982،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬وضع‭ ‬طابا‭ ‬محل‭ ‬نزاع‭ ‬قانوني‭ ‬حتى‭ ‬استعادتها‭ ‬مصر‭ ‬عام‭ ‬1989‭.‬

تحتل‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬سيناء‭ ‬مكانة‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الصهيوني‭ ‬والاستراتيجي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وتتنوع‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الأبعاد‭ ‬الدينية،‭ ‬والأطماع‭ ‬الاستعمارية‭ ‬التاريخية،‭ ‬والاعتبارات‭ ‬الأمنية‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وتُشير‭ ‬المؤرخة‭ ‬زبيدة‭ ‬عطا‭ ‬في‭ ‬كتابها‭ "‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬النيل‭" ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الفكر‭ ‬الصهيوني‭ ‬منذ‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬الـ20‭ ‬لم‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬سيناء‭ ‬باعتبارها‭ ‬منطقة‭ ‬مصرية‭ ‬خالصة،‭ ‬بل‭ ‬بوصفها‭ ‬فضاءً‭ ‬جغرافيًا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المجال‭ ‬الحيوي‭ ‬للمشروع‭ ‬الصهيوني‭.‬

فتقول‭ ‬الدكتورة‭ ‬ألفت‭ ‬أحمد‭ ‬الخشاب‭ ‬في‭ ‬كتابها‭ "‬تاريخ‭ ‬تطور‭ ‬حدود‭ ‬مصر‭ ‬الشرقية‭": "‬احتلال‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬سيناء،‭ ‬هدف‭ ‬سياسي‭ ‬واستراتيجي‭ ‬توسعي‭ ‬له‭ ‬أصوله‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الصهيوني‭ ‬الديني،‭ ‬فلم‭ ‬تغب‭ ‬يومًا‭ ‬فكرة‭ ‬إعادة‭ ‬احتلال‭ ‬سيناء‭ ‬عن‭ ‬الأجندة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تبدأ‭ ‬مع‭ ‬مشروع‭ ‬هرتزل‭ ‬بتوطين‭ ‬اليهود‭ ‬فيها،‭ ‬ولم‭ ‬تبدأ‭ ‬بمحاولات‭ ‬بول‭ ‬فريدمان،‭ ‬وإنما‭ ‬بدأت‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1517م‭ ‬مع‭ ‬دخول‭ ‬العثمانيين‭ ‬لمصر،‭ ‬هذا‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬كتابات‭ ‬المفكرين‭ ‬الأوائل‭ ‬من‭ ‬اليهود‭ ‬الصهاينة‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬التطلعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬تجاه‭ ‬سيناء،‭ ‬لأنها‭ ‬جزء‭ ‬ثابت‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬اليهودي‭ ‬التوسعي،‭ ‬حيث‭ ‬يرون‭ ‬فيها‭ ‬دولة‭ ‬المستقبل،‭ ‬فهي‭ ‬المكان‭ ‬المناسب،‭ ‬لأنها‭ ‬مركز‭ ‬شبكة‭ ‬الخطوط‭ ‬الجديدة‭ ‬للعالم‭".‬

بينما‭ ‬يرى‭ ‬المؤرخ‭ ‬د‭. ‬محمد‭ ‬عفيفي‭ ‬في‭ ‬دراسته‭ "‬فلسطين‭ ‬المصرية،‭ ‬الحلم‭ ‬الصهيوني‭ ‬القديم‭" ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬اجتهاد‭ ‬لغوي‭ ‬أو‭ ‬ثقافي،‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬امتدادًا‭ ‬لتوجه‭ ‬سياسي‭ ‬ثابت‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الصهيوني‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تصوير‭ ‬سيناء‭ ‬كأرض‭ ‬بلا‭ ‬هوية‭ ‬قومية‭ ‬محددة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تهيئتها‭ ‬فكريًا‭ ‬لتكون‭ ‬قابلة‭ ‬للضم‭ ‬أو‭ ‬للتوظيف‭ ‬في‭ ‬المشروع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬متى‭ ‬تهيأت‭ ‬الظروف‭".‬

مع‭ ‬صعود‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الـ19،‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬محاولات‭ ‬منظمة‭ ‬لإقامة‭ ‬مستوطنات‭ ‬يهودية‭ ‬في‭ ‬سيناء‭ ‬أو‭ ‬بالقرب‭ ‬منها،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬باسم‭ ‬مشروع‭ "‬بول‭ ‬فريدمان‭" ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1891‭ ‬و1892،‭ ‬وهو‭ ‬مشروع‭ ‬يحمل‭ ‬دلالات‭ ‬سياسية‭ ‬ودينية‭ ‬بالغة،‭ ‬وفي‭ ‬مطلع‭ ‬العقد‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الـ20‭ ‬أعادت‭ ‬الدوائر‭ ‬الصهيونية‭ ‬محاولات‭ ‬الاستيطان‭ ‬في‭ ‬سيناء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشروع‭ "‬ألكسندر‭ ‬كنيسيفيتش‭"‬،‭ ‬وهو‭ ‬يهودي‭ ‬بريطاني‭ ‬شغل‭ ‬منصب‭ ‬وكيل‭ ‬القنصل‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1905‭ ‬و1914‭.‬

وتشير‭ ‬الوثائق‭ ‬البريطانية‭ ‬التي‭ ‬جمعها‭ ‬مردخاي‭ ‬إلياف‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ "‬بريطانيا‭ ‬والأرض‭ ‬المقدسة‭.. ‬وثائق‭ ‬مختارة‭ ‬من‭ ‬القنصلية‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬القدس‭"‬،‭ ‬وخاصة‭ ‬تلك‭ ‬الوثائق‭ ‬المتعلقة‭ ‬بأراضي‭ ‬رفح‭ ‬المصرية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كنيسيفيتش‭ ‬سعى‭ ‬لشراء‭ ‬أراضٍ‭ ‬على‭ ‬تخوم‭ ‬رفح‭ ‬والعريش‭ ‬بغرض‭ ‬إنشاء‭ ‬مستعمرات‭ ‬يهودية،‭ ‬ورفع‭ ‬مشروعه‭ ‬إلى‭ ‬المعتمد‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬إلدون‭ ‬جورست‭ ‬طالبًا‭ ‬الدعم‭ ‬السياسي‭.‬

وتبيّن‭ ‬المراسلات‭ ‬المؤرخة‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬1911‭ ‬أن‭ ‬السلطات‭ ‬البريطانية‭ ‬كانت‭ ‬تتابع‭ ‬هذه‭ ‬المساعي‭ ‬بدقة،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬كنيسيفيتش‭ ‬كاد‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬شراء‭ ‬50‭ ‬ألف‭ ‬متر‭ ‬في‭ ‬رفح‭ ‬ومناطق‭ ‬قرب‭ ‬العريش،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتخذ‭ ‬السلطات‭ ‬البريطانية‭ ‬لاحقًا‭ ‬موقفًا‭ ‬حاسمًا‭ ‬بالرفض‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬اللورد‭ ‬كتشنر‭ ‬عام‭ ‬1913،‭ ‬بعد‭ ‬تزايد‭ ‬اعتراض‭ ‬القاهرة‭ ‬على‭ ‬أنشطة‭ ‬البيع‭ ‬غير‭ ‬القانونية‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الحدودية‭.‬

وأمام‭ ‬هذا‭ ‬الرفض‭ ‬المتعدد‭ ‬الأطراف‭ ‬انهارت‭ ‬مشاريع‭ ‬الاستيطان‭ ‬اليهودي‭ ‬في‭ ‬سيناء‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬فالقاهرة‭ ‬أصدرت‭ ‬قرارات‭ ‬حاسمة‭ ‬تحظر‭ ‬بيع‭ ‬الأراضي‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الحدودية‭ ‬للأجانب،‭ ‬وتُلزم‭ ‬أي‭ ‬مصري‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬التملك‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬موافقة‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الحربية،‭ ‬نظرًا‭ ‬لحساسية‭ ‬المنطقة،‭ ‬كما‭ ‬اختارت‭ ‬بريطانيا‭ ‬تجنب‭ ‬التصعيد‭.‬

وقد‭ ‬وضع‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬مخططًا‭ ‬آخر‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬مشروع‭ "‬جيورا‭ ‬آيلاند‭"‬،‭ ‬والذي‭ ‬نُشر‭ ‬في‭ ‬وثيقة‭ ‬بحثية‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬بيجن‭-‬السادات‭ ‬للدراسات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬التابع‭ ‬لجامعة‭ ‬بار‭ ‬إيلان‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ "‬البدائل‭ ‬الإقليمية‭ ‬لفكرة‭ ‬دولتين‭ ‬لشعبين‭"‬،‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2010‭.‬

ونصت‭ ‬الوثيقة‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬تزويد‭ "‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭" ‬بظهير‭ ‬شاسع‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬المقتطعة‭ ‬من‭ ‬شمال‭ ‬سيناء،‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬720‭ ‬كم،‭ ‬وتبدأ‭ ‬من‭ ‬الحدود‭ ‬المصرية‭ ‬مع‭ ‬غزة،‭ ‬وحتى‭ ‬حدود‭ ‬مدينة‭ ‬العريش،‭ ‬وهذه‭ ‬الأراضي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مستطيل،‭ ‬ضلعه‭ ‬الأول‭ ‬24‭ ‬كم،‭ ‬ويمتد‭ ‬بطول‭ ‬ساحل‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬رفح‭ ‬غربًا،‭ ‬وحتى‭ ‬حدود‭ ‬مدينة‭ ‬العريش،‭ ‬أما‭ ‬الضلع‭ ‬الثاني‭ ‬فيصل‭ ‬طوله‭ ‬إلى‭ ‬30‭ ‬كم‭ ‬من‭ ‬غرب‭ "‬كرم‭ ‬أبوسالم‭"‬،‭ ‬ويمتد‭ ‬جنوبًا‭ ‬بموازاة‭ ‬الحدود‭ ‬المصرية‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تحصل‭ ‬القاهرة‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬بديلة‭ ‬داخل‭ ‬صحراء‭ ‬النقب‭ (‬منطقة‭ ‬وادي‭ ‬فيران‭)‬،‭ ‬الواقعة‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬تل‭ ‬أبيب،‭ ‬وتؤدي‭ ‬هذه‭ ‬الزيادة‭ ‬إلى‭ ‬مضاعفة‭ ‬حجم‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬نحو‭ ‬3‭ ‬مرات،‭ ‬والبالغ‭ ‬حاليًا‭ ‬365‭ ‬كم‭.‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬كانت‭ ‬سيناء‭ ‬في‭ ‬عقل‭ ‬الجماعات‭ ‬الأصولية‭ ‬المسلحة،‭ ‬والتي‭ ‬حاولت‭ ‬تقديمها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ "‬فراغ‭ ‬صحراوي‭" ‬يمكن‭ ‬ملؤه‭ ‬بمشروعها‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬والعابر‭ ‬للحدود،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬أهمية‭ ‬المواجهة‭ ‬المصرية‭ ‬مع‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬سيناء‭ ‬باعتبارها‭ ‬مواجهة‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬مواجهة‭ ‬على‭ ‬معنى‭ ‬الدولة‭ ‬والهوية‭ ‬والانتماء‭.‬

أدركت‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬مبكرًا‭ ‬القيمة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والجغرافية‭ ‬لسيناء،‭ ‬فالسيطرة‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬جغرافية،‭ ‬حتى‭ ‬بصورة‭ ‬جزئية‭ ‬أو‭ ‬مؤقتة،‭ ‬تمنح‭ ‬التنظيم‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬صورة‭ ‬دعائية‭ ‬توحي‭ ‬بوجود‭ "‬تمكين‭" ‬ميداني،‭ ‬وهذا‭ ‬المفهوم‭ ‬ليس‭ ‬جديدًا‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬التنظيمات‭ ‬الأصولية،‭ ‬إذ‭ ‬ارتبطت‭ ‬فكرة‭ "‬التمكين‭" ‬لديها‭ ‬بإيجاد‭ ‬مجال‭ ‬جغرافي‭ ‬تستطيع‭ ‬الجماعة‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬العمل‭ ‬السري‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬السيطرة‭ ‬الكاملة‭.‬

تفوق‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬هياكل‭ ‬الجماعات‭ ‬الأصولية‭ ‬المسلحة‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬حديث‭ ‬محلي،‭ ‬لكنه‭ ‬إشادة‭ ‬دولية‭ ‬رسمية‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬11‭ ‬فبراير‭ ‬2022،‭ ‬معبرة‭ ‬عن‭ ‬تقديرها‭ ‬للجهود‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬وقف‭ ‬تمدد‭ ‬الجماعات‭ ‬المتطرفة‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬السيناوي‭.‬
وركز‭ ‬تقرير‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬السيناوي،‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬جماعة‭ "‬أنصار‭ ‬بيت‭ ‬المقدس‭"‬،‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬امتدادًا‭ ‬لجماعة‭ "‬التوحيد‭ ‬والجهاد‭"‬،‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬تفجيرات‭ "‬شرم‭ ‬الشيخ‭" ‬و‭"‬دهب‭" ‬و‭"‬نويبع‭" ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2004‭ ‬و2006،‭ ‬واندمجت‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬في‭ ‬تحالف‭ "‬مجلس‭ ‬شورى‭ ‬المجاهدين‭"‬،‭ ‬الذي‭ ‬أعلن‭ ‬بيعته‭ ‬لـ‭"‬تنظيم‭ ‬داعش‭" ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬2014،‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ "‬ولاية‭ ‬سيناء‭".‬
وفي‭ ‬إطار‭ ‬المواجهة‭ ‬المباشرة،‭ ‬نفذت‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العمليات‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬سيناء‭ ‬ضد‭ ‬التنظيمات‭ ‬التكفيرية،‭ ‬بداية‭ ‬من‭ "‬العملية‭ ‬الشاملة‭" ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬2018،‭ ‬وسبقها‭ "‬العملية‭ ‬نسر‭ (‬1‭)" ‬في‭ ‬12‭ ‬أغسطس‭ ‬2011،‭ ‬عقب‭ ‬عدة‭ ‬تفجيرات‭ ‬استهدفت‭ ‬أنابيب‭ ‬الغاز،‭ ‬وتبعها‭ "‬العملية‭ ‬نسر‭ ‬2‭" ‬في‭ ‬5‭ ‬أغسطس‭ ‬2012،‭ ‬ثم‭ ‬عملية‭ "‬عاصفة‭ ‬الصحراء‭" ‬في‭ ‬27‭ ‬يوليو‭ ‬2013،‭ ‬تبعتها‭ ‬عملية‭ "‬حق‭ ‬الشهيد‭" ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2015،‭ ‬التي‭ ‬نُفذت‭ ‬داخل‭ ‬مناطق‭ ‬رفح‭ ‬والشيخ‭ ‬زويد‭ ‬والعريش،‭ ‬واستمرت‭ ‬المرحلة‭ ‬الرابعة‭ ‬منها‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬2017‭.‬
لم‭ ‬تتوقف‭ "‬العملية‭ ‬الشاملة‭ ‬سيناء‭" ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬الحدود‭ ‬الشرقية‭ ‬الشمالية،‭ ‬لكنها‭ ‬امتدت‭ ‬لتشمل‭ ‬جميع‭ ‬المنافذ‭ ‬الحدودية‭ ‬والأهداف‭ ‬الحيوية‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬الأخرى،‭ ‬منها‭ ‬تأمين‭ ‬الحدود‭ ‬الغربية‭ ‬والجنوبية،‭ ‬وإعاقة‭ ‬تمركز‭ ‬العناصر‭ ‬التكفيرية‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬الغربية‭ ‬ومدن‭ ‬صعيد‭ ‬مصر،‭ ‬ومنع‭ ‬تحويلها‭ ‬لممرات‭ ‬في‭ ‬توريد‭ ‬الأسلحة‭ ‬والذخائر‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬استخدامها‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬العمليات‭ ‬الإرهابية،‭ ‬وذلك‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تكثيف‭ ‬الضربات‭ ‬على‭ ‬الاتجاهين‭ ‬الغربي‭ ‬والجنوبي،‭ ‬مع‭ ‬تمشيط‭ ‬الطرق‭ ‬والمدقات‭ ‬الجبلية‭ ‬لملاحقة‭ ‬العناصر‭ ‬التكفيرية‭.‬
صورة‭ ‬سيناء‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬المصري‭ ‬ليست‭ ‬صورة‭ ‬صحراء‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬العاصمة،‭ ‬وإنما‭ ‬تمثل‭ ‬صورتها‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬المصري‭ ‬بوابة‭ ‬العبور‭ ‬والنصر،‭ ‬فهي‭ ‬أرض‭ ‬النبوة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الدينية،‭ ‬وأرض‭ ‬البطولات‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وأرض‭ ‬الحدود‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وأرض‭ ‬المستقبل‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬التنمية،‭ ‬وقد‭ ‬رسخت‭ ‬الحروب‭ ‬المصرية‭ ‬الحديثة‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬سيناء‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬سردية‭ ‬عسكرية‭ ‬ووطنية‭ ‬متكاملة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬الاحتلال‭ ‬والصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬مرورًا‭ ‬بحرب‭ ‬الاستنزاف،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر،‭ ‬ثم‭ ‬معارك‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬ضد‭ ‬التنظيمات‭ ‬الإرهابية‭.‬

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة