الأربعاء 14 اكتوبر 2026

مقالات

رائد‭ ‬مسرح‭ ‬الهواة‭ ‬في‭ ‬بور‬سعيد

  • 10-10-2026 | 14:44
طباعة

أول‭ ‬فرقة‭ ‬مسرحية‭ ‬أجنبية‭ ‬زارت‭ ‬بور‭ ‬سعيد‭ ‬وعرضت‭ ‬فيها‭ ‬مسرحياتها‭ ‬عام‭ ‬1881‭, ‬كانت‭ ‬فرقة‭ ‬إيطالية‭! ‬أما‭ ‬فرقة‭ ‬‮«‬سليمان‭ ‬القرداحي‮»‬‭ ‬فكانت‭ ‬أول‭ ‬فرقة‭ ‬مسرحية‭ ‬عربية‭ ‬محترفة‭ ‬تزور‭ ‬بور‭ ‬سعيد‭ ‬وتمثل‭ ‬بها‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬عطيل‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1901‭. ‬أما‭ ‬أول‭ ‬جمعية‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬نشاط‭ ‬مسرحي‭, ‬فهي‭ ‬‮«‬الجمعية‭ ‬الرياضية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬عرضت‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬الألدورادو‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬الحقد‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1907‭, ‬وخصصت‭ ‬ريعها‭ ‬لإعانة‭ ‬الكتاتيب‭ ‬في‭ ‬بور‭ ‬سعيد‭. ‬أما‭ ‬أول‭ ‬جمعية‭ ‬متخصصة‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬بور‭ ‬سعيد‭ ‬واختفت‭ ‬سريعًا‭, ‬فكانت‭ ‬‮«‬جمعية‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأخوي‭ ‬التمثيلية‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1926‭.‬

أما‭ ‬أول‭ ‬نادٍ‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬المسرحي‭ ‬للهواة،‭ ‬فكان‭ ‬‮«‬نادي‭ ‬نهضة‭ ‬بور‭ ‬سعيد‭ ‬التمثيلية‭ ‬لترقية‭ ‬فن‭ ‬التمثيل‮»‬،‭ ‬والذي‭ ‬تكوّن‭ ‬بحماس‭ ‬من‭ ‬مديره‭ ‬الفني‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬مصطفى‭ ‬يوسف‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬أعدّه‭ ‬رائد‭ ‬المسرح‭ ‬في‭ ‬بور‭ ‬سعيد؛‭ ‬عندما‭ ‬نشر‭ ‬مقالة‭ ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬‮«‬المؤدب‮»‬‭ ‬بتاريخ‭ ‬مارس‭ ‬1926،‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬التمثيل‭ ‬في‭ ‬بلادنا‮»‬،‭ ‬قال‭ ‬فيها‭ ‬الآتي‭:‬

‭"‬التمثيل‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬المصرية‭ ‬مجهول‭ ‬بعكس‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬سائر‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬المتمدين؛‭ ‬والمسارح‭ ‬عندنا‭ ‬متأخرة‭ ‬مع‭ ‬أنها‭ ‬رمز‭ ‬لكل‭ ‬أمة‭ ‬ناهضة،‭ ‬ولا‭ ‬تُعرف‭ ‬منزلة‭ ‬الأمة‭ ‬إلا‭ ‬بها؛‭ ‬فإن‭ ‬كانت‭ ‬مسارحها‭ ‬راقية‭ ‬فهي‭ ‬أمة‭ ‬حيّة،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬دون‭ ‬ذلك‭ ‬فهي‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬أمة‭ ‬متأخرة،‭ ‬ولا‭ ‬تكون‭ ‬مسارحنا‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الرقي‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬احترمنا‭ ‬التمثيل‭ ‬وقدرناه‭ ‬حق‭ ‬قدره،‭ ‬حتى‭ ‬يسمو‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬المجد،‭ ‬لكن‭ ‬يا‭ ‬للأسف‭ ‬لا‭ ‬نزال‭ ‬ننظر‭ ‬إليه‭ ‬بازدراء‭ ‬واحتقار،‭ ‬ونعتبره‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ (...) ‬والممثل‭ ‬كبهلوان‭ ‬والممثلة‭ ‬كعاهرة‭. ‬فإلى‭ ‬متى‭ ‬لا‭ ‬يدرك‭ ‬شعبنا‭ ‬أهمية‭ ‬التمثيل،‭ ‬ذلك‭ ‬الفن‭ ‬الذي‭ ‬نهضت‭ ‬به‭ ‬العالم‭ ‬أجمع‭ ‬وجعلته‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الفنون‭ ‬الجميلة‭. ‬فلا‭ ‬مندوحة‭ ‬إذًا‭ ‬لبلادنا‭ ‬المصرية‭ ‬الناهضة‭ ‬لإعادة‭ ‬حياتها‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬فكرة‭ ‬ترقية‭ ‬التمثيل،‭ ‬وإعلاء‭ ‬شأنه‭ ‬وتشجيع‭ ‬كل‭ ‬مؤلف‭ ‬وممثل‭ ‬على‭ ‬ابتكار‭ ‬الأعمال‭ ‬الفنية،‭ ‬إذ‭ ‬هي‭ ‬الخطوة‭ ‬النظامية‭ ‬الأولى‭ ‬نحو‭ ‬المدينة‭ ‬وتقدم‭ ‬حياتنا‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬حتى‭ ‬تشعر‭ ‬الجماهير‭ ‬بوجود‭ ‬باعث‭ ‬نفساني‭ ‬جليل‭ ‬يتحرك‭ ‬فينا‭. ‬لا‭ ‬بد‭ ‬وأن‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬غرائزنا‭ ‬الخاملة‭ ‬هذا،‭ ‬إذا‭ ‬كنا‭ ‬حقًا‭ ‬نطمح‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬المجد‭ ‬العظيمة‭. ‬ونحن‭ ‬معشر‭ ‬المصريين‭ ‬ممن‭ ‬يبذلون‭ ‬النفس‭ ‬والنفيس‭ ‬فيما‭ ‬يعود‭ ‬على‭ ‬البلاد‭ ‬بالعز‭ ‬الأبدي‭ ‬والسؤدد‭ ‬السرمدي‭. ‬فإذا‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬ننتشل‭ ‬آدابنا‭ ‬من‭ ‬المستنقعات‭ ‬التي‭ ‬تتمرغ‭ ‬فيها،‭ ‬فلنقم‭ ‬على‭ ‬ترقية‭ ‬فن‭ ‬التمثيل،‭ ‬إذ‭ ‬هو‭ ‬العامل‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬تقويم‭ ‬اعوجاجنا‭ ‬حتى‭ ‬تكون‭ ‬نهضتنا‭ ‬نهضة‭ ‬حياة‭ ‬إفاق‭ ‬من‭ ‬نوم‭ ‬طويل؛‭ ‬لا‭ ‬نهضة‭ ‬عاجز‭ ‬فتح‭ ‬عينيه‭ ‬ليرى‭ ‬الموت‭ ‬أمامه‭".‬

لعل‭ ‬القارئ‭ ‬سيتوقف‭ ‬كثيرًا‭ ‬عند‭ ‬منحي‭ ‬لقب‭ ‬الريادة‭ ‬المسرحية‭ ‬في‭ ‬بور‭ ‬سعيد‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬مصطفى‭ ‬يوسف»؛‭ ‬ظنًّا‭ ‬منه‭ ‬أنني‭ ‬منحته‭ ‬هذا‭ ‬اللقب‭ ‬لأنه‭ ‬نشر‭ ‬هذه‭ ‬المقالة‭! ‬ومن‭ ‬المؤكد‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬المسرحيين‭ ‬في‭ ‬بور‭ ‬سعيد‭ ‬عندما‭ ‬يطلعون‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الرأي،‭ ‬سيصرخون‭ ‬في‭ ‬وجهي‭ ‬قائلين‭: ‬هناك‭ ‬رائد‭ ‬أسبق‭ ‬منه‭ ‬بكثير‭ ‬لم‭ ‬تتحدث‭ ‬عنه،‭ ‬ومن‭ ‬حقه‭ ‬هذه‭ ‬الريادة،‭ ‬وهو‭ ‬الكاتب‭ ‬المسرحي‭ ‬‮«‬عباس‭ ‬علام‮»‬‭!! ‬وأمام‭ ‬هذه‭ ‬الصرخة،‭ ‬سأقول‭ ‬مبررًا‭ ‬كلامي‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬عباس‭ ‬علام‮»‬‭ ‬من‭ ‬مواليد‭ ‬بور‭ ‬سعيد،‭ ‬ولكنه‭ ‬تركها‭ ‬بعد‭ ‬حصوله‭ ‬على‭ ‬البكالوريا‭ ‬واستقر‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬وسخّر‭ ‬قلمه‭ ‬في‭ ‬التأليف‭ ‬المسرحي‭ ‬لصالح‭ ‬فرقة‭ ‬أولاد‭ ‬عكاشة‭ ‬المحترفة‭ ‬تحديدًا،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬فرق‭ ‬مسرحية‭ ‬محترفة‭ ‬أخرى‭ ‬بالقاهرة،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬قصصه‭ ‬ورواياته‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬أفلامًا‭ ‬سينمائية‭.. ‬إلخ،‭ ‬ولكن‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الجهد‭ ‬الفني‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬عباس‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬ولم‭ ‬يمارس‭ ‬أي‭ ‬نشاط‭ ‬مسرحي‭ ‬أو‭ ‬فني‭ ‬داخل‭ ‬مدينته‭ ‬بور‭ ‬سعيد‭!! ‬وعندما‭ ‬كانت‭ ‬العروض‭ ‬المسرحية‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬تأليفه‭ ‬تُعرض‭ ‬في‭ ‬بور‭ ‬سعيد،‭ ‬كانت‭ ‬تُعرض‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬عديدة‭ ‬من‭ ‬عرضها‭ ‬أولًا‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭!‬

أما‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬مصطفى‭ ‬يوسف‮»‬‭ ‬فخصص‭ ‬كل‭ ‬جهده‭ ‬التأليفي‭ ‬والإخراجي‭ ‬والفني‭ ‬المسرحي‭ ‬داخل‭ ‬مدينته‭ ‬بور‭ ‬سعيد‭ ‬وخصصه‭ ‬للهواة‭! ‬وأول‭ ‬نص‭ ‬مسرحي‭ ‬قام‭ ‬بتأليفه‭ ‬كان‭ ‬‮«‬الواجب‮»‬‭ ‬لصالح‭ ‬‮«‬نادي‭ ‬نهضة‭ ‬بور‭ ‬سعيد‭ ‬التمثيلية‮»‬‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬1926‭. ‬وضمن‭ ‬الوثائق‭ ‬المرفقة‭ ‬بالنص،‭ ‬وجدت‭ ‬خطابًا‭ ‬من‭ ‬محافظ‭ ‬القنال‭ ‬إلى‭ ‬مدير‭ ‬الرقابة‭ ‬قال‭ ‬فيه‭: "‬بناء‭ ‬على‭ ‬تعليمات‭ ‬الوزارة‭ ‬نرسل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬ثلاث‭ ‬نسخ‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬الواجب‮»‬‭ ‬المقدمة‭ ‬من‭ ‬رئيس‭ ‬نادي‭ ‬نهضة‭ ‬بور‭ ‬سعيد‭ ‬التمثيلية،‭ ‬والمرغوب‭ ‬تمثيلها‭ ‬يوم‭ ‬20‭ ‬الجاري‭ ‬بأمل‭ ‬التصديق‭ ‬عليها‭ ‬وإرسالها‭ ‬قبل‭ ‬الموعد‭ ‬المذكور‭".‬

وأهم‭ ‬وثيقة‭ ‬مرفقة‭ ‬بمخطوطة‭ ‬المسرحية،‭ ‬كانت‭ ‬التقرير‭ ‬الرقابي‭ ‬نفسه‭ ‬المؤرخ‭ ‬في‭ ‬18‭/‬11‭/‬1926،‭ ‬والذي‭ ‬يحدد‭ ‬اسم‭ ‬مراقب‭ ‬النص‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬فرنسيس‮»‬،‭ ‬واسم‭ ‬مكان‭ ‬المسرح‭ ‬المراد‭ ‬التمثيل‭ ‬فيه‭ ‬‮«‬بور‭ ‬سعيد‮»‬،‭ ‬واسم‭ ‬المؤلف‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬مصطفى‭ ‬يوسف‮»‬،‭ ‬واسم‭ ‬الرواية‭ ‬‮«‬الواجب‮»‬‭. ‬أما‭ ‬نص‭ ‬التقرير،‭ ‬فجاء‭ ‬فيه‭: "‬اطلعت‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬وهي‭ ‬تتلخص‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬شابًا‭ ‬كان‭ ‬سيء‭ ‬السيرة،‭ ‬ثم‭ ‬أحبّ‭ ‬فتاة‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬بها‭ ‬حتى‭ ‬أوقعها‭ ‬في‭ ‬شر‭ ‬إثم‭ ‬معيب‭ ‬وانتهى‭ ‬به‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬ندم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬منه،‭ ‬وتزوج‭ ‬من‭ ‬الفتاة‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬ما‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬تمثيلها‭ ‬بعد‭ ‬حذف‭ ‬ما‭ ‬تأشر‭ ‬عليه‭ ‬بالقلم‭ ‬الأحمر‭".‬

وآخر‭ ‬وثيقة‭ ‬رقابية‭ ‬موجودة‭ ‬كانت‭ ‬التصريح‭ ‬بالتمثيل‭ ‬الصادر‭ ‬من‭ ‬الرقابة‭ ‬إلى‭ ‬محافظ‭ ‬القنال،‭ ‬ونصه‭ ‬يقول‭: "‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬السعادة‭ ‬محافظ‭ ‬القنال‭.. ‬بالنسبة‭ ‬لمكاتبة‭ ‬المحافظة‭ ‬بشأن‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬الواجب‮»‬‭ ‬والتي‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬تمثيلها‭ ‬نادي‭ ‬نهضة‭ ‬بور‭ ‬سعيد‭ ‬التمثيلية‭ ‬يوم‭ ‬20‭ ‬منه،‭ ‬نرسل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬لسعادتكم‭ ‬نسختين‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬مصدقًا‭ ‬عليهما‭ ‬بالترخيص‭. ‬فالأمل‭ ‬التنبيه‭ ‬بحفظ‭ ‬إحداهما‭ ‬بالمحافظة‭ ‬وتسليم‭ ‬الأخرى‭ ‬إلى‭ ‬النادي‭ ‬بعد‭ ‬أخذ‭ ‬التعهد‭ ‬على‭ ‬رئيسه‭ ‬بأن‭ ‬يراعي‭ ‬بدقة‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حذف‭ ‬في‭ ‬الصفحات‭ ..... ‬فلا‭ ‬يُلقى‭ ‬ولا‭ ‬يُمثَّل‭".‬

ومن‭ ‬المحتمل‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العرض‭ ‬نجح‭ ‬نجاحًا‭ ‬كبيرًا؛‭ ‬بوصفه‭ ‬باكورة‭ ‬إنتاج‭ ‬النادي‭! ‬ومما‭ ‬يؤكد‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬أن‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الصباح‮»‬‭ ‬كتبت‭ ‬كلمة‭ ‬عن‭ ‬النادي‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬1927،‭ ‬قالت‭ ‬فيها‭: "‬تكونت‭ ‬في‭ ‬بور‭ ‬سعيد‭ ‬فرقة‭ ‬من‭ ‬خلاصة‭ ‬الأندية‭ ‬التمثيلية‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬نهضة‭ ‬بور‭ ‬سعيد‭ ‬التمثيلية‮»‬‭ ‬برئاسة‭ ‬الشاب‭ ‬الأديب‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬أفندي‭ ‬عبد‭ ‬الغفار‭. ‬ولم‭ ‬يمضِ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الفرقة‭ ‬شهران‭ ‬حتى‭ ‬أخرجت‭ ‬روايتين،‭ ‬وهما‭ ‬‮«‬بدري‭ ‬عليك‮»‬‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬الفارس،‭ ‬و«اللي‭ ‬اختشوا؟‮»‬‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬الأوبرا‭ ‬كوميك‭ ‬من‭ ‬تأليف‭ ‬وتلحين‭ ‬المدير‭ ‬الفني‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬أفندي‭ ‬مصطفى‭ ‬يوسف‮»‬‭. ‬وسوف‭ ‬يمثل‭ ‬النادي‭ ‬رواية‭ ‬جديدة‭ ‬كل‭ ‬شهر،‭ ‬وستظهر‭ ‬الرواية‭ ‬الثالثة‭ ‬‮«‬نادي‭ ‬العباطة‮»‬‭ ‬قريبًا‭".‬

هذا‭ ‬الخبر‭ ‬يؤكد‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬مصطفى‭ ‬يوسف‮»‬‭ ‬هو‭ ‬مؤلف‭ ‬ومخرج‭ ‬هذه‭ ‬المسرحيات‭ ‬الثلاث،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬الواجب‮»‬،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬تأكيد‭ ‬قولنا‭ ‬بأنه‭ ‬يُعدّ‭ ‬رائدًا‭ ‬لمسرح‭ ‬الهواة‭ ‬في‭ ‬بور‭ ‬سعيد‭! ‬ويُمكننا،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬أن‭ ‬نضيف‭ ‬مسرحية‭ ‬خامسة‭ ‬إليه،‭ ‬وهي‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬الوطنية‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الطاغية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬اقتبسها‭ ‬وأخرجها‭ ‬وتم‭ ‬تمثيلها‭ ‬في‭ ‬النادي‭ ‬أواخر‭ ‬عام‭ ‬1927،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬الوثائق‭ ‬المرفقة‭ ‬لمخطوطة‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬الوطنية‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬يلي‭:‬
في‭ ‬16‭ ‬أكتوبر‭ ‬1927‭ ‬أرسل‭ ‬محافظ‭ ‬القنال‭ ‬خطابًا‭ ‬إلى‭ ‬مدير‭ ‬الرقابة،‭ ‬قال‭ ‬فيه‭: "‬بناء‭ ‬على‭ ‬تعليمات‭ ‬الوزارة‭ ‬نرسل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬ثلاث‭ ‬نسخ‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬الوطنية‮»‬‭ ‬المرغوب‭ ‬تمثيلها‭ ‬بالمدينة‭ ‬بمعرفة‭ ‬نادي‭ ‬نهضة‭ ‬التمثيل‭ ‬ببور‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬شهر‭ ‬نوفمبر‭ ‬القادم،‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬الاطلاع‭ ‬عليها‭ ‬التصديق‭ ‬عليها‭ ‬والتكرم‭ ‬بإعادتها‭ ‬قبل‭ ‬الموعد‭ ‬المذكور‭. ‬وتفضلوا‭ ‬بقبول‭ ‬احترامنا‭".‬

وفي‭ ‬18‭ ‬أكتوبر‭ ‬كتب‭ ‬الرقيب‭ ‬تقريره‭ ‬الرقابي‭ ‬لنص‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬الوطنية‮»‬‭ ‬لمحمد‭ ‬مصطفى‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تمثيلها‭ ‬في‭ ‬نادي‭ ‬نهضة‭ ‬التمثيل‭ ‬ببور‭ ‬سعيد،‭ ‬قال‭ ‬فيه‭:‬‭ "‬تتلخص‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬‮«‬جيهان‮»‬‭ ‬فتاة‭ ‬تركية‭ ‬شاءت‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬بلادها‭ ‬زعيمة‭ ‬النساء‭ ‬وقائدتهن‭ ‬إلى‭ ‬الحرية،‭ ‬وكان‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الجنرال‭ ‬‮«‬فون‭ ‬والستن‮»‬‭ ‬الألماني‭ ‬علاقات‭ ‬سياسية‭ ‬ورسائل،‭ ‬مما‭ ‬أنكره‭ ‬عليها‭ ‬أبوها‭. ‬وكان‭ ‬لها‭ ‬ابن‭ ‬عم‭ ‬اسمه‭ ‬‮«‬شكري‭ ‬بك‮»‬‭ ‬يهواها،‭ ‬وكثيرًا‭ ‬ما‭ ‬شكا‭ ‬إليها‭ ‬غرامه،‭ ‬فوعدته‭ ‬بالزواج‭ ‬إذا‭ ‬عاد‭ ‬إليها‭ ‬بطلًا‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬القائمة‭ ‬إذ‭ ‬ذاك‭ ‬بين‭ ‬الأتراك‭ ‬واليونان‭. ‬وكان‭ ‬القائد‭ ‬الألماني‭ ‬يتودد‭ ‬إليها‭ ‬ويرغب‭ ‬في‭ ‬الزواج‭ ‬منها،‭ ‬فأبت‭. ‬فسعى‭ ‬أخيرًا‭ ‬إلى‭ ‬قتل‭ ‬ابن‭ ‬عمها‭ ‬وأبيها‭ ‬في‭ ‬محبس‭ ‬عسكري،‭ ‬ظنًّا‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬الجو‭ ‬تحضر‭ ‬له‭ ‬فيستطيع‭ ‬أن‭ ‬ينال‭ ‬منها‭ ‬مأربه‭. ‬وقد‭ ‬خاب‭ ‬ظنه‭ ‬لأنها‭ ‬قتلته‭ ‬وماتت‭ ‬منتحرة‭. ‬وقد‭ ‬أشرت‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬الألفاظ‭ ‬في‭ ‬الصفحات‭ ..... ‬استصوب‭ ‬شطبها،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬فيما‭ ‬عدا‭ ‬ذلك‭ ‬محظور‭".‬

وتبعًا‭ ‬للإجراءات‭ ‬المتبعة،‭ ‬أن‭ ‬النص‭ ‬المسرحي‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬التصريح‭ ‬خلال‭ ‬أيام،‭ ‬ولكن‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬الوطنية‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تنل‭ ‬التصريح‭ ‬بالتمثيل‭ ‬طوال‭ ‬أسبوعين،‭ ‬حتى‭ ‬جاء‭ ‬موعد‭ ‬التمثيل‭ ‬ولم‭ ‬يصدر‭ ‬التصريح؛‭ ‬لذلك‭ ‬أرسل‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬مصطفى‭ ‬يوسف‮»‬‭ ‬خطابًا‭ ‬إلى‭ ‬محافظ‭ ‬عموم‭ ‬القنال،‭ ‬قال‭ ‬فيه‭: "‬بكل‭ ‬إجلال‭ ‬واحترام‭ ‬نتشرف‭ ‬بعرض‭ ‬الآتي‭: ‬في‭ ‬يوم‭ ‬15‭ ‬أكتوبر‭ ‬الماضي‭ ‬قدمنا‭ ‬إلى‭ ‬محافظ‭ ‬القنال‭ ‬ثلاث‭ ‬نسخ‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬الوطنية‮»‬‭ ‬للتصديق‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬قلم‭ ‬المطبوعات‭ ‬بوزارة‭ ‬الداخلية‭. ‬ولما‭ ‬كان‭ ‬الميعاد‭ ‬المحدد‭ ‬للتمثيل‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬نوفمبر‭ ‬الجاري،‭ ‬أخطرنا‭ ‬قلم‭ ‬المطبوعات‭ ‬بذلك‭. ‬وحيث‭ ‬إن‭ ‬الرواية‭ ‬لم‭ ‬نستلمها‭ ‬للآن،‭ ‬نرجو‭ ‬من‭ ‬سعادتكم‭ ‬التكرم‭ ‬بتكليف‭ ‬من‭ ‬يلزم‭ ‬باستعجال‭ ‬إرسال‭ ‬الرواية‭. ‬وقد‭ ‬حددنا‭ ‬لها‭ ‬موعدًا‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬12‭ ‬الجاري،‭ ‬وتفضلوا‭ ‬يا‭ ‬صاحب‭ ‬السعادة‭ ‬بقبول‭ ‬فائق‭ ‬احتراماتنا‭".‬

وتأكيدًا‭ ‬على‭ ‬الأمر،‭ ‬لم‭ ‬يكتفِ‭ ‬محمد‭ ‬مصطفى‭ ‬يوسف‭ ‬بخطابه‭ ‬إلى‭ ‬محافظ‭ ‬القنال،‭ ‬فأرسل‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬خطابًا‭ ‬إلى‭ ‬مدير‭ ‬قلم‭ ‬المطبوعات‭ ‬بوزارة‭ ‬الداخلية،‭ ‬قال‭ ‬فيه‭: "‬بكل‭ ‬احترام‭ ‬نتشرف‭ ‬بعرض‭ ‬الآتي‭: ‬بتاريخ‭ ‬15‭ ‬أكتوبر‭ ‬الماضي‭ ‬قدمنا‭ ‬لمحافظة‭ ‬القنال‭ ‬ثلاث‭ ‬نسخ‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬الوطنية‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬حددنا‭ ‬موعدًا‭ ‬لتمثيل‭ ‬الرواية‭ ‬أول‭ ‬نوفمبر‭ ‬الجاري‭. ‬وأرسلنا‭ ‬لعزتكم‭ ‬تلغرافًا‭ ‬بذلك‭. ‬ولكن‭ ‬الرواية‭ ‬لم‭ ‬تصلنا‭ ‬لتاريخه‭. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ترتب‭ ‬عليه‭ ‬تأجيل‭ ‬حفلة‭ ‬التمثيل‭ ‬إلى‭ ‬12‭ ‬نوفمبر‭ ‬الجاري‭. ‬فنرجو‭ ‬من‭ ‬عزتكم‭ ‬التصديق‭ ‬على‭ ‬الرواية‭ ‬المذكورة‭ ‬منعًا‭ ‬من‭ ‬الضرر‭ ‬الأدبي‭ ‬والمادي‭ ‬الذي‭ ‬يلحق‭ ‬بالنادي‭. ‬وأملنا‭ ‬عظيم‭ ‬في‭ ‬عزتكم‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬مشهور‭ ‬عنكم‭ ‬في‭ ‬تشجيع‭ ‬وتعضيد‭ ‬الأدب‭ ‬والفن‭ ‬بأن‭ ‬تصلنا‭ ‬الرواية‭ ‬بأقرب‭ ‬فرصة‭. ‬ولعزتكم‭ ‬جزيل‭ ‬الشكر‭ ‬سلفًا‭".‬

وبالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬محمد‭ ‬مصطفى‭ ‬أرسل‭ ‬خطابين‭ ‬رسميين‭ ‬في‭ ‬يومي‭ ‬2‭ ‬و3‭ ‬نوفمبر‭! ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الرقيب‭ ‬وافق‭ ‬على‭ ‬إجازة‭ ‬النص‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أسبوعين‭! ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬مدير‭ ‬المطبوعات‭ ‬لم‭ ‬يرسل‭ ‬خطاب‭ ‬التصريح‭ ‬بتمثيل‭ ‬المسرحية‭ ‬إلا‭ ‬يوم‭ ‬12‭ ‬نوفمبر،‭ ‬وهو‭ ‬اليوم‭ ‬المحدد‭ ‬لتمثيل‭ ‬المسرحية‭! ‬ونص‭ ‬الخطاب‭ ‬الموجه‭ ‬من‭ ‬مدير‭ ‬المطبوعات‭ ‬إلى‭ ‬محافظ‭ ‬القنال‭ ‬يقول‭: "‬نرسل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬لسعادتكم‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬الوطنية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬رُخِّص‭ ‬بها،‭ ‬وهي‭ ‬اقتباس‭ ‬محمد‭ ‬مصطفى‭ ‬يوسف‭ ‬والمرسلة‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬المطبوعات‭ ‬بإفادة‭ ‬المحافظة‭ ‬في‭ ‬16‭ ‬أكتوبر‭ ‬الماضي،‭ ‬حيث‭ ‬قد‭ ‬رُخِّص‭ ‬بها‭. ‬فالأمل‭ ‬التنبيه‭ ‬بحفظها‭ ‬للإشراف‭ ‬على‭ ‬التمثيل‭ ‬بمقتضاها،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬ما‭ ‬حذف‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬الصفحات‭ ..... ‬ومراقبة‭ ‬عدم‭ ‬إلقائه‭ ‬أو‭ ‬تمثيله‭".‬

ونختتم‭ ‬كلامنا‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬مصطفى‭ ‬يوسف‮»‬‭ ‬له‭ ‬مسرحيات‭ ‬أخرى‭ ‬غير‭ ‬التي‭ ‬ذكرناها،‭ ‬حيث‭ ‬وجدناه‭ ‬يختتم‭ ‬مخطوطة‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬الوطنية‮»‬‭ ‬قائلًا‭: "‬انتهت‭ ‬الرواية،‭ ‬اقتبسها‭ ‬للمسرح‭ ‬محمد‭ ‬مصطفى‭ ‬يوسف،‭ ‬مؤلف‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬الواجب،‭ ‬بدري‭ ‬عليك،‭ ‬على‭ ‬ذوقك،‭ ‬حلم‭ ‬واتفسر،‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬شاب،‭ ‬بعد‭ ‬العز‮»‬‭". ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬قصة‭ ‬رائد‭ ‬مسرح‭ ‬الهواة‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬مصطفى‭ ‬يوسف‮»‬‭.. ‬فهل‭ ‬سيهتم‭ ‬به‭ ‬أحد‭ ‬أبناء‭ ‬بور‭ ‬سعيد‭ ‬ويبحث‭ ‬عن‭ ‬تاريخه‭ ‬أو‭ ‬أولاده‭ ‬أو‭ ‬أحفاده‭.. ‬ويحكي‭ ‬لنا‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نعرفه‭ ‬عنه‭!!‬.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة