أول فرقة مسرحية أجنبية زارت بور سعيد وعرضت فيها مسرحياتها عام 1881, كانت فرقة إيطالية! أما فرقة «سليمان القرداحي» فكانت أول فرقة مسرحية عربية محترفة تزور بور سعيد وتمثل بها مسرحية «عطيل» عام 1901. أما أول جمعية كان لها نشاط مسرحي, فهي «الجمعية الرياضية» التي عرضت على مسرح الألدورادو مسرحية «الحقد» عام 1907, وخصصت ريعها لإعانة الكتاتيب في بور سعيد. أما أول جمعية متخصصة ظهرت في بور سعيد واختفت سريعًا, فكانت «جمعية الاتحاد الأخوي التمثيلية» عام 1926.
أما أول نادٍ متخصص في النشاط المسرحي للهواة، فكان «نادي نهضة بور سعيد التمثيلية لترقية فن التمثيل»، والذي تكوّن بحماس من مديره الفني «محمد مصطفى يوسف»، الذي أعدّه رائد المسرح في بور سعيد؛ عندما نشر مقالة في جريدة «المؤدب» بتاريخ مارس 1926، تحت عنوان «التمثيل في بلادنا»، قال فيها الآتي:
"التمثيل في بلادنا المصرية مجهول بعكس ما هو عليه في سائر بلدان العالم المتمدين؛ والمسارح عندنا متأخرة مع أنها رمز لكل أمة ناهضة، ولا تُعرف منزلة الأمة إلا بها؛ فإن كانت مسارحها راقية فهي أمة حيّة، وإن كانت دون ذلك فهي بلا شك أمة متأخرة، ولا تكون مسارحنا في مستوى الرقي إلا إذا احترمنا التمثيل وقدرناه حق قدره، حتى يسمو بنا إلى أعلى درجات المجد، لكن يا للأسف لا نزال ننظر إليه بازدراء واحتقار، ونعتبره كنوع من (...) والممثل كبهلوان والممثلة كعاهرة. فإلى متى لا يدرك شعبنا أهمية التمثيل، ذلك الفن الذي نهضت به العالم أجمع وجعلته في مقدمة الفنون الجميلة. فلا مندوحة إذًا لبلادنا المصرية الناهضة لإعادة حياتها الأولى من نشر فكرة ترقية التمثيل، وإعلاء شأنه وتشجيع كل مؤلف وممثل على ابتكار الأعمال الفنية، إذ هي الخطوة النظامية الأولى نحو المدينة وتقدم حياتنا الاجتماعية، حتى تشعر الجماهير بوجود باعث نفساني جليل يتحرك فينا. لا بد وأن يسيطر على غرائزنا الخاملة هذا، إذا كنا حقًا نطمح إلى حياة المجد العظيمة. ونحن معشر المصريين ممن يبذلون النفس والنفيس فيما يعود على البلاد بالعز الأبدي والسؤدد السرمدي. فإذا أردنا أن ننتشل آدابنا من المستنقعات التي تتمرغ فيها، فلنقم على ترقية فن التمثيل، إذ هو العامل الأكبر في تقويم اعوجاجنا حتى تكون نهضتنا نهضة حياة إفاق من نوم طويل؛ لا نهضة عاجز فتح عينيه ليرى الموت أمامه".
لعل القارئ سيتوقف كثيرًا عند منحي لقب الريادة المسرحية في بور سعيد إلى «محمد مصطفى يوسف»؛ ظنًّا منه أنني منحته هذا اللقب لأنه نشر هذه المقالة! ومن المؤكد أيضًا أن جميع المسرحيين في بور سعيد عندما يطلعون على هذا الرأي، سيصرخون في وجهي قائلين: هناك رائد أسبق منه بكثير لم تتحدث عنه، ومن حقه هذه الريادة، وهو الكاتب المسرحي «عباس علام»!! وأمام هذه الصرخة، سأقول مبررًا كلامي بأن «عباس علام» من مواليد بور سعيد، ولكنه تركها بعد حصوله على البكالوريا واستقر في القاهرة، وسخّر قلمه في التأليف المسرحي لصالح فرقة أولاد عكاشة المحترفة تحديدًا، بالإضافة إلى فرق مسرحية محترفة أخرى بالقاهرة، ناهيك عن قصصه ورواياته التي أصبحت أفلامًا سينمائية.. إلخ، ولكن كل هذا الجهد الفني قام به عباس وهو في القاهرة، ولم يمارس أي نشاط مسرحي أو فني داخل مدينته بور سعيد!! وعندما كانت العروض المسرحية التي من تأليفه تُعرض في بور سعيد، كانت تُعرض بعد سنوات عديدة من عرضها أولًا في القاهرة!
أما «محمد مصطفى يوسف» فخصص كل جهده التأليفي والإخراجي والفني المسرحي داخل مدينته بور سعيد وخصصه للهواة! وأول نص مسرحي قام بتأليفه كان «الواجب» لصالح «نادي نهضة بور سعيد التمثيلية» في نوفمبر 1926. وضمن الوثائق المرفقة بالنص، وجدت خطابًا من محافظ القنال إلى مدير الرقابة قال فيه: "بناء على تعليمات الوزارة نرسل مع هذا ثلاث نسخ من رواية «الواجب» المقدمة من رئيس نادي نهضة بور سعيد التمثيلية، والمرغوب تمثيلها يوم 20 الجاري بأمل التصديق عليها وإرسالها قبل الموعد المذكور".
وأهم وثيقة مرفقة بمخطوطة المسرحية، كانت التقرير الرقابي نفسه المؤرخ في 18/11/1926، والذي يحدد اسم مراقب النص وهو «فرنسيس»، واسم مكان المسرح المراد التمثيل فيه «بور سعيد»، واسم المؤلف «محمد مصطفى يوسف»، واسم الرواية «الواجب». أما نص التقرير، فجاء فيه: "اطلعت على هذه الرواية وهي تتلخص في أن شابًا كان سيء السيرة، ثم أحبّ فتاة ما زال بها حتى أوقعها في شر إثم معيب وانتهى به الأمر أن ندم على ما كان منه، وتزوج من الفتاة وليس في الرواية ما يمنع من تمثيلها بعد حذف ما تأشر عليه بالقلم الأحمر".
وآخر وثيقة رقابية موجودة كانت التصريح بالتمثيل الصادر من الرقابة إلى محافظ القنال، ونصه يقول: "حضرة صاحب السعادة محافظ القنال.. بالنسبة لمكاتبة المحافظة بشأن رواية «الواجب» والتي يرغب في تمثيلها نادي نهضة بور سعيد التمثيلية يوم 20 منه، نرسل مع هذا لسعادتكم نسختين من هذه الرواية مصدقًا عليهما بالترخيص. فالأمل التنبيه بحفظ إحداهما بالمحافظة وتسليم الأخرى إلى النادي بعد أخذ التعهد على رئيسه بأن يراعي بدقة كل ما حذف في الصفحات ..... فلا يُلقى ولا يُمثَّل".
ومن المحتمل أن هذا العرض نجح نجاحًا كبيرًا؛ بوصفه باكورة إنتاج النادي! ومما يؤكد هذا النجاح أن مجلة «الصباح» كتبت كلمة عن النادي في يناير 1927، قالت فيها: "تكونت في بور سعيد فرقة من خلاصة الأندية التمثيلية باسم «نهضة بور سعيد التمثيلية» برئاسة الشاب الأديب عبد الله أفندي عبد الغفار. ولم يمضِ على هذه الفرقة شهران حتى أخرجت روايتين، وهما «بدري عليك» من نوع الفارس، و«اللي اختشوا؟» من نوع الأوبرا كوميك من تأليف وتلحين المدير الفني «محمد أفندي مصطفى يوسف». وسوف يمثل النادي رواية جديدة كل شهر، وستظهر الرواية الثالثة «نادي العباطة» قريبًا".
هذا الخبر يؤكد لنا أن «محمد مصطفى يوسف» هو مؤلف ومخرج هذه المسرحيات الثلاث، بالإضافة إلى مسرحية «الواجب»، مما يعني تأكيد قولنا بأنه يُعدّ رائدًا لمسرح الهواة في بور سعيد! ويُمكننا، بالإضافة إلى ما سبق، أن نضيف مسرحية خامسة إليه، وهي مسرحية «الوطنية» أو «الطاغية» التي اقتبسها وأخرجها وتم تمثيلها في النادي أواخر عام 1927، وهذا من واقع الوثائق المرفقة لمخطوطة مسرحية «الوطنية»، كما يلي:
في 16 أكتوبر 1927 أرسل محافظ القنال خطابًا إلى مدير الرقابة، قال فيه: "بناء على تعليمات الوزارة نرسل مع هذا ثلاث نسخ من رواية «الوطنية» المرغوب تمثيلها بالمدينة بمعرفة نادي نهضة التمثيل ببور سعيد في أوائل شهر نوفمبر القادم، حتى بعد الاطلاع عليها التصديق عليها والتكرم بإعادتها قبل الموعد المذكور. وتفضلوا بقبول احترامنا".
وفي 18 أكتوبر كتب الرقيب تقريره الرقابي لنص مسرحية «الوطنية» لمحمد مصطفى من أجل تمثيلها في نادي نهضة التمثيل ببور سعيد، قال فيه: "تتلخص هذه الرواية في أن «جيهان» فتاة تركية شاءت أن تكون في بلادها زعيمة النساء وقائدتهن إلى الحرية، وكان بينها وبين الجنرال «فون والستن» الألماني علاقات سياسية ورسائل، مما أنكره عليها أبوها. وكان لها ابن عم اسمه «شكري بك» يهواها، وكثيرًا ما شكا إليها غرامه، فوعدته بالزواج إذا عاد إليها بطلًا في الحرب القائمة إذ ذاك بين الأتراك واليونان. وكان القائد الألماني يتودد إليها ويرغب في الزواج منها، فأبت. فسعى أخيرًا إلى قتل ابن عمها وأبيها في محبس عسكري، ظنًّا منه أن الجو تحضر له فيستطيع أن ينال منها مأربه. وقد خاب ظنه لأنها قتلته وماتت منتحرة. وقد أشرت إلى بعض الألفاظ في الصفحات ..... استصوب شطبها، وليس في الرواية فيما عدا ذلك محظور".
وتبعًا للإجراءات المتبعة، أن النص المسرحي يحصل على التصريح خلال أيام، ولكن مسرحية «الوطنية» لم تنل التصريح بالتمثيل طوال أسبوعين، حتى جاء موعد التمثيل ولم يصدر التصريح؛ لذلك أرسل «محمد مصطفى يوسف» خطابًا إلى محافظ عموم القنال، قال فيه: "بكل إجلال واحترام نتشرف بعرض الآتي: في يوم 15 أكتوبر الماضي قدمنا إلى محافظ القنال ثلاث نسخ من رواية «الوطنية» للتصديق عليها من قلم المطبوعات بوزارة الداخلية. ولما كان الميعاد المحدد للتمثيل هو أول نوفمبر الجاري، أخطرنا قلم المطبوعات بذلك. وحيث إن الرواية لم نستلمها للآن، نرجو من سعادتكم التكرم بتكليف من يلزم باستعجال إرسال الرواية. وقد حددنا لها موعدًا آخر في يوم 12 الجاري، وتفضلوا يا صاحب السعادة بقبول فائق احتراماتنا".
وتأكيدًا على الأمر، لم يكتفِ محمد مصطفى يوسف بخطابه إلى محافظ القنال، فأرسل في اليوم التالي خطابًا إلى مدير قلم المطبوعات بوزارة الداخلية، قال فيه: "بكل احترام نتشرف بعرض الآتي: بتاريخ 15 أكتوبر الماضي قدمنا لمحافظة القنال ثلاث نسخ من رواية «الوطنية»، وقد حددنا موعدًا لتمثيل الرواية أول نوفمبر الجاري. وأرسلنا لعزتكم تلغرافًا بذلك. ولكن الرواية لم تصلنا لتاريخه. الأمر الذي ترتب عليه تأجيل حفلة التمثيل إلى 12 نوفمبر الجاري. فنرجو من عزتكم التصديق على الرواية المذكورة منعًا من الضرر الأدبي والمادي الذي يلحق بالنادي. وأملنا عظيم في عزتكم لما هو مشهور عنكم في تشجيع وتعضيد الأدب والفن بأن تصلنا الرواية بأقرب فرصة. ولعزتكم جزيل الشكر سلفًا".
وبالرغم من أن محمد مصطفى أرسل خطابين رسميين في يومي 2 و3 نوفمبر! وبالرغم من أن الرقيب وافق على إجازة النص منذ أكثر من أسبوعين! إلا أن مدير المطبوعات لم يرسل خطاب التصريح بتمثيل المسرحية إلا يوم 12 نوفمبر، وهو اليوم المحدد لتمثيل المسرحية! ونص الخطاب الموجه من مدير المطبوعات إلى محافظ القنال يقول: "نرسل مع هذا لسعادتكم نسخة من رواية «الوطنية» التي رُخِّص بها، وهي اقتباس محمد مصطفى يوسف والمرسلة إلى إدارة المطبوعات بإفادة المحافظة في 16 أكتوبر الماضي، حيث قد رُخِّص بها. فالأمل التنبيه بحفظها للإشراف على التمثيل بمقتضاها، مع مراعاة ما حذف منها في الصفحات ..... ومراقبة عدم إلقائه أو تمثيله".
ونختتم كلامنا بأن «محمد مصطفى يوسف» له مسرحيات أخرى غير التي ذكرناها، حيث وجدناه يختتم مخطوطة مسرحية «الوطنية» قائلًا: "انتهت الرواية، اقتبسها للمسرح محمد مصطفى يوسف، مؤلف رواية «الواجب، بدري عليك، على ذوقك، حلم واتفسر، بعد ما شاب، بعد العز»". هذه هي قصة رائد مسرح الهواة «محمد مصطفى يوسف».. فهل سيهتم به أحد أبناء بور سعيد ويبحث عن تاريخه أو أولاده أو أحفاده.. ويحكي لنا ما لا نعرفه عنه!!.