في التاسع من سبتمبر 2026 كان افتتاح معرض الطلائع للفنون التشكيلية في دورته الخامسة والستين, والمعرض الذي طالما قدم رموزًا وعلامات مهمة في تاريخ الحركة التشكيلية المصرية منذ أقامت جمعية محبي الفنون الجميلة دورته الأولى في الثلاثين من نوفمبر عام 1960.
إن استمرارية إقامة هذا الحدث الثقافي الهام على امتداد أكثر من ستة عقود يعتبر إنجازًا ثقافيًا بارزًا يحسب لجمعية محبي الفنون الجميلة برئاسة الفنان الكبير الأستاذ الدكتور أحمد نوار، الذي أكد في كلمته عن المعرض على مفهوم التنوع الذي نتج عن هذا التنافس الفني في معرض الطلائع، لجدير بالتوثيق والتأريخ من قِبل النقاد، كمرحلة مركزية تنطلق إلى آفاق أوسع وأشمل تحمل في مخزونها البصري جماليات تجاوزت التقنيات والخامات التي استخدمها الفنانون الشباب، وأكدت على الأفكار التي تُعمّق قيمة الإبداع الفني، الذي تجاوز أيضًا الممارسة الفنية المطلقة الخالية من القيم الإنسانية. أكدت هذه الدورة على عمق التعبير والتمكن من الأداء. كما ذكر أن هذا الحدث الملهم يحتاج إلى كتب للتحليل والتوثيق.
طلائع شباب التشكيليين يتألقون في حضرة محمود مختار:
إن استضافة قطاع الفنون التشكيلية للحدث الفني التاريخي الراسخ «معرض مسابقة الطلائع في دورتها الخامسة والستين» بقاعتي «نهضة مصر» و«إيزيس» بمتحف «محمود مختار»، بالتعاون مع جمعية محبي الفنون الجميلة، حيث يخرج معرض الطلائع لأول مرة من مقر الجمعية بجاردن سيتي، فهي ليست مجرد استضافة تقليدية، بل هي امتداد لواجب أصيل يؤمن به القطاع في رعاية واكتشاف طاقات أجيال المستقبل. فهذه المسابقة التي تجاوزت ستة عقود، كما كتب الأستاذ الدكتور محمود حامد في كلمته عن معرض الطلائع: «لطالما كانت الحاضنة الأولى التي أخرجت أبرز رموز الحركة التشكيلية المعاصرة، ومصنعًا حقيقيًا للوعي الجمالي والبصري في مصر. تحمل الدورة الراهنة عنوانًا محوريًا «هو أنا»، ليطرح تساؤلات الوعي، والهوية، والبحث عن الذات بعيون شبابنا الواعد، مانحًا إياهم مساحة حرة للتعبير بصدق وتجرد، وحين يحتضن متحف رائد الفن التشكيلي المصري «محمود مختار» هذه الطاقات الواعدة، فهو بمثابة جسر فني يربط بين ريادة الماضي وطموحات الغد. ونأمل في مشاركة شبابية واعدة ومتميزة تتجدد بهم حيوية المشهد الثقافي المصري».
وفي موسم ثقافي ثري حافل بالأحداث الثقافية التشكيلية التي تهتم بشباب الفنانين، حيث يأتي معرض الطلائع 65 في المقدمة بمسابقتين لفئتين عمريتين، وبكثافة عددية ملحوظة وفارقة عن الدورات السابقة والتي أقيمت بمقر الجمعية، ثم يليه صالون الشباب، ثم تأتي بعض الفعاليات الثقافية التي ترعاها المؤسسات الخاصة مثل مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون وغيرها، ولقد ذكر الفنان أ.د. أشرف رضا، نائب رئيس جمعية محبي الفنون الجميلة، في كلمته حول المعرض التي وجهها لشباب الفنانين: «ألا يجعلوا الجائزة نهاية الرحلة، بل يجعلوها بداية جديدة، وأن يستمروا في البحث، والتجريب، ولا يتعجلوا الوصول، فالفنان الحقيقي هو من يكتشف رؤيته الخاصة، ويظل طوال مشواره في حالة سؤال وبحث واكتشاف. وفي هذه الدورة من مسابقة «الطلائع»، نفتح الأبواب للأجيال الجديدة، نحتفي بالمواهب، ونشجع التجريب، ونصغي إلى أصوات جديدة، ونضع أمام أعيننا سؤالًا واحدًا: أي فن مصري جديد سيولد من بين هؤلاء الطلائع؟ ربما لا نملك الإجابة اليوم... لكننا نملك الشغف بأن نبحث عنها معهم. مرحبًا بطلائع الفن المصري... جيل جديد يبدأ اليوم، ليكتب غدًا فصلًا جديدًا في تاريخ الفن».
لماذا كان معرض الطلائع في دورته الخامسة والستين حدثًا ثقافيًا استثنائيًا؟
في حديثها لمجلة الهلال، ذكرت الفنانة التشكيلية والناقدة الصحفية سوزي شكري أن مسابقة الطلائع هذا العام جاءت تحت عنوان «هو أنا»، موجهة لفئتين عمريتين، أولهما لطلائع الشباب فيما قبل سن الثلاثين، والثانية للفئة العمرية من ثلاثين إلى خمسة وثلاثين عامًا، كما كان قرار الفنان الكبير الأستاذ الدكتور أحمد نوار، رئيس مجلس إدارة جمعية محبي الفنون الجميلة، بمنح اثنين من الشباب، كل منهما لوحة من أعماله الفنية، لفتة غاية في الأهمية وسابقة هي الأولى من نوعها، رسختها مسابقة الطلائع بالدورة الـ65/2026، وكان الفائزان بالجائزة الكبرى هما الفنان الشاب أحمد حسين عبد الله والفنان الشاب مينا نصيف فهمي. كما أضيفت جائزة جديدة لمجال فن الخزف، مقدمة باسم الفنان الكبير الخزاف الراحل «سمير الجندي»، وقيمتها 5000 جنيه، مقدمة من الفنان الخزاف «محمد الجندي»، استكمالًا لمسيرة العطاء والدعم لشباب الطلائع.
ولقد تكونت لجنة الفرز والتحكيم من رئيس اللجنة د/ إيمان أسامة، ود/ أسماء الدسوقي، والفنان/ سامح إسماعيل، والفنان/ أيمن لطفي، والناقدة/ سوزان شكري، ود/ محمد عيد، ود/ شيماء درويش، ود/ محمد سمير الجندي، والناقد/ محمد إبراهيم توفيق، الكوميسير العام لمسابقة الطلائع الدورة 65، والكوميسير المساعد الفنان/ أحمد شعبان، فريق العمل المساعد للكوميسير: أ/ نهاد فكري شعبان، أ/ هيام مصطفى محمد.
وجاءت الجوائز المقدمة من رواد الفن المصري الراحلين من أعضاء جمعية محبي الفنون الجميلة، هؤلاء قدموا نموذجًا رفيعًا للمسؤولية المجتمعية للفنان الحقيقي، وأن الفنان دوره لا ينتهي بانتهاء حياته، بل يمتد ليدعم أجيالًا جديدة. هؤلاء الراحلون قرروا دعم مسابقة الطلائع مدى الحياة، ورحلوا من سنوات بعيدة، وتركوا ودائعهم أمانة مدى الحياة. تلك الوديعة بمثابة «وديعة الخلود» - كما ذكرت سوزي شكري - تتحول كل عام إلى جوائز لمسابقة الطلائع للشباب. لذا يجب أن يعلم كل فنان شاب أنه حصل على اسم ولقب أحد هؤلاء الرواد بجانب القيمة المالية الرمزية، رحم الله فنانينا الكبار الذين منحونا درسًا في الوفاء والعطاء، وتلك الجوائز أتت كالتالي:
جائزة الفنان الراحل/ صلاح طاهر، قيمتها 1000 جنيه مصري إلى «ياسمين علي محمود».
جائزة الفنانة الراحلة/ فاطمة رفعت، قيمتها 1000 جنيه مصري إلى كل من «سماعزيز يارا أسامة تجهيز في الفراغ».
جائزة الراحل م/ عصام نصر، قيمتها 1000 جنيه مصري إلى «منة الله عصمت محمد تصوير».
جائزة الفنانة الراحلة/ عايدة عبد الكريم، قيمتها 500 جنيه مصري إلى «أحمد حسام حسني».
جائزة الفنان الراحل/ زكريا الخناني، قيمتها 500 جنيه مصري إلى «بسمة عبد الرحمن فتحي رسم».
جائزة الراحل الكاتب والناقد أ. بدر الدين أبو غازي، قيمتها 500 جنيه مصري إلى «أحمد جمال عاشور فوتوغرافيا».
جائزة الفنان الراحل/ حسن حشمت، قيمتها 500 جنيه مصري إلى «يحيى عماد الدين فوتوغرافيا».
من خلال عنوان المسابقة هذا العام يطرح بقوة مفهوم الهوية: من أنا؟ من نحن؟
إن التساؤل عن الهوية وفحص البنية الإبداعية للمجتمعات الإنسانية، والبحث عن مكونات الثقافة الوطنية، ينشط في الفترات التاريخية التي تتميز بالتغير السياسي والاجتماعي، ولقد تأثر المجتمع المصري بالتغيرات الثقافية والسياسية والاقتصادية التي حدثت على الساحة العالمية. ونحن إذ نربط بين الفن التشكيلي والهوية الثقافية، فإننا نفحص ونحلل النتاج الذي أفرزه المجتمع المصري في أطوار تغيره، والأشكال الإبداعية التي خلقها أو اقتبسها هذا التغير ليتلبسها ويتجلى فيها، فالفنون والآداب تسهم في صنع هوياتنا الفردية والجمعية، كما أنها مصادرنا للمعرفة، وهي للبشر المنارات الهادية في هذا العالم.
كيف كانت استجابات هؤلاء الشباب تحت وطأة العالم الجديد؟ ذلك العالم الصاخب الذي بات ينضح بالقبح والزيف. هل أتت المنتجات الإبداعية لهذه الشريحة معبرة عن عالمهم؟ أم أتت تحمل ثورة وموقفًا ثقافيًا ما؟ ففي السبعينيات وأوائل الثمانينيات طالبت الدول غير الغربية من خلال اليونسكو بضرورة إنشاء نظام عالمي جديد للمعلومات والاتصال، ولم يحدث شيء، بل إن الدول الغربية استطاعت أن تنقل الثقافة والاتصال إلى المجال الذي كانت فلسفة التجارة الحرة قد بدأت تزدهر فيه، وهو اتفاقية الجات التي ستصبح فيما بعد «منظمة التجارة العالمية» باتفاقياتها المعروفة «الجات» و«الجاتس» و«التربس»، وذلك في سنة 1995، وهنا ستبذل الدول الغربية قصارى جهدها لضبط وتنظيم الأسواق بما يسهل للتكتلات الاحتكارية العملاقة توزيع وترويج منتجاتها الثقافية والسيطرة على الأذواق والأسواق في العالم.
في منتصف التسعينيات برز مفهوم التنوع الثقافي كرد فعل لهذه السيطرة الاحتكارية، وفرض نفسه موضوعًا للحوار في كثير من المجتمعات، وليس في إطار اليونسكو فقط؛ التي أصدرت بالاشتراك مع الأمم المتحدة تقرير «تنوعنا الخلاق» السابق ذكره، بعد ذلك كان مؤتمر استوكهولم في أبريل 1998، حيث تم تبني برنامج اليونسكو الخاص بسياسات التنمية الثقافية، وفي نوفمبر 2001 تبنت اليونسكو إعلانًا عالميًا جديدًا للتنوع الثقافي لكي يكون دليل عمل لها إلى جانب الإعلان السابق، وفي أكتوبر 2003 طلبت الجمعية العامة لليونسكو من مديرها العام إعداد مسودة لاتفاقية عن التنوع الثقافي لمناقشتها في اجتماع الجمعية العمومية في خريف 2005، و«في ربيع 2004 اقترحت لجنة من الخبراء تغيير المسمى ليكون «اتفاقية حماية وتنمية تنوع المحتويات الثقافية والتعبيرات الفنية». يتضح من هذه المسيرة التي لم تسفر عن شيء حتى الآن، أن سؤال التنوع الثقافي أصبح مطروحًا بقوة على الأجندة السياسية منذ بدايات القرن الواحد والعشرين».
إن طرحنا للقضايا والمفاهيم التي ترتبط بتكوين الهوية الثقافية وإنتاج الخطاب الثقافي بالمجتمع المصري الآن، وكيفية تأثر هذه المفاهيم بالعولمة والهيمنة الثقافية وعلاقة المناخ التشكيلي الراهن بها، هل تغيرت الذائقة التشكيلية مع ظهور طبقات اجتماعية جديدة؟ هل تتذوق تلك الطبقات تنويعات مختلفة من الإنتاج الفني؛ حين تغيرت طبيعة المقتني مع تغير المجتمع؟
إن الانفلات من قبضة الثقافة الموحدة وإعادة تشكيل المناخ الثقافي والإبداعي في الوطن لهو مهمة ثقيلة وأمانة تتطلب إعدادًا وتثقيفًا وتعليمًا يتفق مع المعايير الإنسانية للجودة: جودة الحياة وجودة ما تفرزه، فالغزو الثقافي، وثورة المعلومات، وسيطرة مفهوم العولمة أو الكوكبية بعد تحول العالم إلى أحادية القطب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط حائط برلين؛ أحدثت تغيرات في المناخ الإبداعي في العالم أجمع، بما فيه المناخ الإبداعي المصري والعربي، وأثارت العديد من القضايا الثقافية الهامة على الساحة للنقاش والتساؤل، مثل: الهوية والقومية، والأخذ بالأصالة أم المعاصرة، وقضية العودة إلى التراث، أو الانسلاخ التام من الماضي، والاستفادة من الاتجاهات الفنية الحديثة، واغتراب الفنان عن المجتمع، وتسليع الفن، على الرغم من المناخ المفتوح الحر، هل أدى كل هذا إلى نشوء لغة جديدة في التعبير الفني، أم أنه لا جديد تحت الشمس في ظل السماوات المفتوحة والذكاء الاصطناعي الذي تتسع آفاقه يومًا بعد يوم؟
الشفرة الثقافية حضورٌ أم غياب؟
لقد عرفت د. نهاد صليحة الشفرة الثقافية بأنها التي تتشكل من حصيلة المعارف والخبرات المتاحة لمجتمع من المجتمعات في فترة زمنية ما، وشبكة الفرضيات والعقائد، والعادات والتقاليد، التي تبطن ممارساته، وتتدخل في تشكيل وعيه، إلى جانب التراث المرسب في اللاوعي الجمعي، وفي غيبة المعرفة بالشفرة الثقافية المبطنة للحوار الثقافي، قد يتعثر الفهم ويستحيل التفسير. ويتحقق «التواصل/الفعل» عبر شفرة مركبة، تجمع بين الشفرة الثقافية، والشفرة الفنية، والشفرة الأدبية، ويتحقق الاتصال مرحليًا من خلال التصريح والتضمين، والإيحاء والإغفال، ومن خلال حركة دائمة بين الالتزام بالشفرات المشتركة، والانحراف عنها، الذي قد يبلغ أحيانًا حد الإبدال أو التكسير، والذي قد يدفع المستقبل إلى الغضب والانسحاب من عملية الاتصال أحيانًا، وقد يدفعه في أحيان أخرى إلى مستوى آخر من مستويات التفسير، كالمستوى الرمزي مثلًا.
هل آن الأوان للاتجاه إلى تذويب الفوارق بين العلم والفن، وبين الفن والحياة، تحت شعار وحدة المعرفة الإنسانية وتعقدها وتشابكها؟ أم أن تلك المرحلة التي نعيشها هي إحدى تجليات الثقافة الخاضعة والهوية الشائهة التي نمت في ظل العولمة أو ما عرف بالنظام العالمي الجديد الذي أشار إليه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب في أثناء حرب الخليج: «هذا العالم الذي يسمح لأصحاب البنوك وخبراء التنمية أن يخططوا ويرسموا خريطة تدفق موارد العالم، وفق رؤية شاملة لاقتصاد عالمي يعمل بالأسلوب نفسه في كل مكان، ويقوم بمجانسة أسلوب الحياة والثقافة والقيم والأرض نفسها. والحقيقة أن إحدى خواص تلك الثقافة الموحدة أو ثقافة المجانسة وآلياتها لطمس الهوية الثقافية العربية: ميلها الدائم إلى إلغاء الماضي والذاكرة الجمعية، أن تكون لا مباليًا، ألا تعطي فرصة للتجربة الحاضرة، أن يدمر فورًا كل ما يبدأ وجوده، أن تفكك كل أشكال المعنى، أن تجعل كل اختيار ظاهرة عشوائية لحظية الدوام استهلاكية المغزى».
يطرح هذا العرض التشكيلي الذي أتت به مسابقة الطلائع 65 أمامنا مفهوم الهوية الثقافية، فحين نفهم ثقافتنا نتعرف على هويتنا، ومن ثم نبدأ في التعرف على أنفسنا، لنجيب بجدارة عن ذلك السؤال الذي يطرحه معرض الطلائع في دورته الخامسة والستين عن الهوية الثقافية والجذور التي ينطلق منها الفنان، وهو يقدم نفسه «هو أنا»، وموقع ذلك الفنان الشاب من ثقافته القومية. وتنبع تساؤلات عدة.
هل تتخذ التغيرات الاجتماعية والثقافية أشكالًا مادية، أكثر خضوعًا واستجابة وتكيفًا وتضبيطًا على عناصر وبنود ثقافة أخرى؟ خارجية غالبًا هل تشكلت الثقافة نتيجة لهيمنة مركز خارجي على مستويات البنية الاجتماعية، بما في ذلك المستوى الثقافي بالطبع، هل أصبحت الثقافة المحلية عاجزة وقاصرة عن تلبية متطلبات البنية الاجتماعية التابعة، فتستدعى هذه البنية عناصر ثقافات أخرى، تسهم بمرور الزمن في زحزحة الثقافة المحلية ومحاصرتها ونفيها بالتدريج بسبب تجزئتها وتفكيك علاقاتها بأصعدة بنيتها المشوهة، بفعل أنماط التبعية، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتقنية؟ من قبل الثقافة المهيمنة، وعلى الاستسهال والمحاكاة الكسولة من قبل الثقافة المحلية.