الإثنين 17 يونيو 2024

السلاح المهم فى حرب أكتوبر

أخرى7-10-2020 | 21:07


كما كان قرار تجنيد المؤهلات العليا فى الجيش بعد هزيمة يونيه مهما جدا، كان مهما أيضا جدا القرار الذى تلاه بعامين والخاص بتكليف ضباط للتوجيه المعنوى فى التشكيلات العسكرية بالجبهة.. فالقرار الأول حقق للقوات المسلحة استيعابا أسرع وأفضل للأسلحة الحديثة، خاصة فى أسلحة الدفاع الجوى والمدرعات والمدفعية، التى احتاجتها فى مرحلة إعادة بنائها بعد الهزيمة لتكون قادرة على تحقيق النصر فى الحرب التى كتب عليها أن تخوضها لاستعادة الأرض المحتلة والكرامة الوطنية التى تعرضت لطعنة دامية فى يونيه ٦٧..


أما القرار الثانى فقد حقق للقوات المسلحة أمرا شديد الأهمية، وهو الحفاظ على الروح المعنوية العالية للمقاتلين على الجبهة فى مواجهة التحديات النفسية الصعبة التى كانت تواجههم مع طول انتظار معركة الثأر واستعادة الأرض والكرامة، والهجمات النفسية التى كان يشنها العدو عليهم لإرهابهم من خلال تضخيم قوته ونشر الأساطير حول جيشه التى تصوره أنه لا يقهر، وما تم إشاعته حول خط برليف الذى لا يمكن اقتحامه وأنابيب النابالم التى ستحرق كل جندى مصرى يحاول عبور قناة السويس، وأسلحته المتقدمة الخطيرة والقاتلة التى لا يمكن مواجهتها!


وقد شاركت فى تنفيذ القرار الثانى حينما اخترت ضمن مجموعة من المجندين لتلقى دورة فى التوجيه المعنوى ومواجهة الحرب النفسية والحفاظ على الروح المعنوية لقواتنا.. وتلقيت بعدها دورة أخرى عسكرية للتأهل ضابطا احتياطا.. ونظرًا لأن الكلية الحربية وقتها كانت موزعة منشآتها ما بين أسيوط والخرطوم فقد تلقينا هذه الدورة فى مدرسة ضباط الصف بالتل الكبير وكان برفقتى فيها الصديق والأديب نصار عبدالله وظفرت منها بصداقات عديدة مازلت أتواصل مع البعض منهم أبرزهم الأصدقاء محمود عرفات ومحمد النقيب.. وبعد هذه الدورة صرت واحدا من دفعة الضباط الاحتياط رقم ٢٧ ألف وتشرفت بحضور الفريق فوزى الذى تولى مسؤولية قيادة الجيش بعد هزيمة يونيه ومهمة إعادة بنائه مهنيا ليكون قادرًا على خوض الحرب التى كتب عليه أن يخوضها، كما تشرفت بأنه هو الذى علق على كتفى رتبة الملازم أول بعد التخرج.. وكان من حظى أنه تم إلحاقى بالجبهة فى قيادة اللواء ٤٩ مدفعية بمنطقة جنيفة القريبة من مدينة السويس والتى شهدت مباحثات فك الاشتباك الأولى بيننا وبين الإسرائيليين بعد حرب أكتوبر وكان يقود فيها الفريق المفاوض المصرى الفريق الجمسى، وهو اللواء التابع للفرقة السابعة التى كان يتولى قيادتها فى ذلك الوقت الفريق أحمد بدوى الذى تولى مسؤولية وزارة الدفاع فيما بعد ولقى حتفه فى حادث سقوط طائرة هيلوكبتر ومعه عدد من قادة القوات المسلحة.. وقد شاءت الظروف أن أتعرف بعد سنوات على ابنه السفير إيهاب بدوى الذى عمل متحدثا باسم الرئيس عدلى منصور ثم متحدثا بعض الوقت باسم الرئيس السيسى قبل أن يتولى مسؤولية سفارتنا فى فرنسا، وقد ربطت بيننا صداقة أيضا منذ أن تعرفت عليه فى باريس ملحقا إعلاميا فى سفارتنا وكان خير معاون ورفيق لى خلال الفترة التى كانت تعالج فيها زوجتى فى عاصمة النور رحمها الله.


وقد كانت فترة خدمته فى جنيفة فى قيادة اللواء ٤٩ مدفعية شديدة الثراء الإنسانى وتراكمت لى خبرات حياتية ضخمة مازلت حتى الآن أنهل منها فى حياتى ما يعيننى على مواجهة ما يواجهنا من تحديات.. فهى بالنسبة لى فترة حافلة بالكثير من الذكريات التى لا تفارقنى رغم مشاعل الحياة اليومية.. فانا كنت مسؤولا بالكامل عن الحفاظ على الروح المعنوية لكل مقاتلى اللواء بكتائبه نظرا لأننا كنّا الدفعة الأولى من ضباط التوجيه المعنوى التى تم نشرها فى بداية عام ١٩٧٠ بالجبهة ولم يكن بعد تم تعيين ضابط توجيه معنوى على مستوى الكتيبة.. بل إننى فيما بعد توليت مسؤولية إدارة معسكر ترفيهى أقيم فى منطقة البحيرات كان يستقيل دفعات من جنود الجيش الثالث ويستضيفهم لكى يقضون ثلاثة أيام يمرحون ويلعبون ويمارسون أنواعا شتى من الرياضة ويسبحون فى مياه القناة ويشاهدون أفلاما ليلا أو ينظمون حفلات سمر، وكان يشرف على إعداد طعامهم مجند من طاقم المعسكر كان يعمل مساعد شيف فى أحد الفنادق الكبرى بالقاهرة قبل تجنيده تفنن فى إعداد صنوف الطعام الشهى لهم.. كما كان معسكرنا يستقبل أحيانا قائد الجيش الثالث الميدانى اللواء عبدالمنعم وَاصِل لقضاء بضعة ساعات ليلا يمارس فيها هواية الصيد مع بعض مساعديه.. وقد أضافت فترة المشاركة فى إدارة هذا المعسكر خبرات حياتية مهمة ساعدتنى فى التعامل مع الزملاء وأنا مدير للتحرير ثم رئيس للتحرير ورئيس لمجلس إدارة.


المهم أن قرار نشر ضباط للتوجيه المعنوى فى الجبهة كان قرارا مهما جديدا فى عملية التحضير والإعداد لحرب أكتوبر،.. ومثلما كانت قواتنا المسلحة فى مرحلة إعادة بنائها تحتاج لفرض الانضباط الصارم الذى شكت من افتقاده قبل هزيمة يونيه، وللأسلحة الفاعلة التى خاضت ببعضها حرب الاستنزاف المجيدة ثم حرب أكتوبر العظيمة، فإنها كانت تحتاج لحماية الروح المعنوية للمقاتلين والحفاظ عليها مرتفعة وقوية لا تتأثر بالحرب النفسية التى يشنها العدو الإسرائيلى علينا طوال الوقت لإرهابنا وإخافتنا حتى لا نفكر فى خوض حربنا ضده لاسترداد سيناء العزيزة واستعادة كرامتنا الوطنية التى تعرضت لطعنة قاسية ودامية نتيجة هزيمة يونيه.. كما كانت قواتنا المسلحة تحتاج إلى أن تكون الروح المعنوية للمقاتلين عالية وهم يخوضون الحرب التى انتظروها بشوق بالغ أكثر من ست سنوات وهم يسكنون الخنادق.. وهم يعبرون قناة السويس ويحطمون خط بارليف ويحرقون مدرعات ويسقطون طائرات ويأسرون جنود وضباط العدو الإسرائيلى ويستولون على نقاطه الحصينة.


وتجربتى فى جبهة القتال كضابط للتوجيه المعنوى تؤكد لى أن قرار نشر ضباط للتوجيه المعنوى فى الجبهة كان لا يقل أهمية عن قرار تجنيد المؤهلات العليا وقرار نشر بطاريات صواريخ سام التى وفرت حماية لمقاتلينا وهم يعبرون القناة ومنع طائرات العدو الإسرائيلى من الاقتراب من قواتنا التى تمركزت فى شرق القناة.. وهو بذلك يعد أحد الأسلحة المهمة فى حرب أكتوبر العظيمة.. وهو قرار يشترك فيه كل من الفريق فوزى والفريق الشاذلى.. تحية لهما ولكل أبطال حرب أكتوبر العظيمة.