الإثنين 2 فبراير 2026

فن

شباب 1919

  • 15-10-2020 | 16:09

طباعة

ظلت مصر تترنح

من صدمة الاحتلال نحو عشرين سنة.

ثم تتابعت عليها عوامل التنبه والحركة مجتمعة ومتفرقة، وأهم هذه العوامل فيما نعتقد هو فاجعة دنشواى.

فهي الحادثة التي جمعت الأمة كلها فى حركة وطنية واحدة، بعد أن ظن الاحتلال أنه قد عزل طائفة الفلاحين ذوى الجلابيب الزرق عن طائفة الأفندية والباشوات. فلما وقع المصاب فى دنشواى على الفلاح صاحب الجلباب الأزرق، تلاقى الحضر والريف على شعور واحد وهو كراهة الاحتلال.

ويكفى أن نذكر من آثار هذه الفاجعة أن مصر عرفت الأحزاب السياسية لأول مرة فى تاريخها الحديث بعد فاجعة دنشواى بنحو سنة واحدة، وأن الشباب المتعلمين اشتركوا فى الحياة العامة على أثر ذلك، وكان افتتاح نادى المدارس العليا أول ما ظهر من بوادر هذا الاشتراك الإجماعى من جانب الطلاب والمتخرجين.

وجاءت الجمعية التشريعية فرفعت في البلاد علم القيادة الدستورية وعرفت الأمة سلفاً بقادتها المنتظرين.

ولم تمض سنوات معدودات على هذه النهضة حتى نشبت الحرب العالمية الأولى، وأعلن الإنجليز حمايتهم على مصر، فكانت سنوات الحرب أشأم فترة عبرت بمصر من الوجهتين السياسية والاجتماعية معاً، وكان أشأم آثارها ما أصاب نفوس الشبان خلالها.

فقد شاعت الجاسوسية فى أنحاء القطر كله، ونفى من البلاد كثيرون، واعتقل كثيرون، وروقب آخرون. وامتلأت العواصم بالملاهى التى أعدت للجنود والضباط وغيرهم من روادها، وامتلأت الأيدى بالنقود، فاشتغل الناس باللهو والكسب عن قضية الوطن، ولبثوا كذلك بضع سنين.

فأما العنصر الصالح من الشبان فى هذه الفترة فقد عكف على دروسه ولم يجد أمامه مجالا صالحاً للعمل أفضل من العكوف على تلك الدروس.

وأما العنصر الطالح أو الخامل فقد جرفه تيار اللهو وغلبته غواية المتاع الرخيص على خلقه وفكره وجهده، فلم تشهد مصر طبقة من شبانها فى جيل من الأجيال بلغ بها الإسفاف ما بلغ من تلك الطبقات فى ذلك الجيل.

وكنت يومئذ شابا أرقب لذاتي هؤلاء في كثير من المضض والتشاؤم، وهو ذلك المضض الذى أوحى إلى بقصيدتي الهمزية شباب مصروفيها أقول:

ويلي على مصر قد أمست وليس لها

سوى إعزاز منوط بالأذلاء.

شبان مصر وما أدرى : أهم زمر

من الأناسى؟ أم هم رسم وشاء؟

آمالهم فى المعالى تحت أرجلهم

فما ينالونها إلا بانحناء

وما تطلع منهم فى السماء فتى

إلا بعين عن الأضواء عشواء

نحوا وجوهكم عنى فقد سئمت

نفسى المقابر فى أسلاخ أحياء

أأنتم بشر؟ . إنى برئت إذن

من آدم حين يدعونى وحواء

ولكنى كنت أغالب القنوط فيهم كما يغالب الإنسان قنوطه من مريض عزيز عليه . فنظمت فى أخريات الحرب قصيدة

 

 هيكل إدفوعن ماضى مصر ومستقبلها ختمتها بهذه الأبيات:

عهد على الله القدير وذمة

ألا تضيم لها الحوادث آلا

فتجنبوا فيها القنوط وأجزلوا

قسط البنين معارفا وخصالا

إنا لنرجوها ونوقن أنه

ما كان يوما لا يكون محالا

وسنستقل فلا تقولوا إنها

صمد الهوان بها فلا استقلالا

 

وقد حذفت الرقابة هذا البيت الأخير عند نشر القصيدة فى الصحف، ولكننا شهدنا بحمد الله بعد ذلك تطوراً عاجلاً في نهضة الاستقلال، كان للشبان فيه قسط مشهود ومشكور.

ذلك أن الواقعة حين وقعت بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، قد نفضت الغبار المخيم على النفوس، فانجلى ما كان خافياً تحته، وظهر أن غاشية الإباحة إنما كانت غاشية إهمال واسترسال، وأن معظم الشباب الذين غمرتهم تلك الغاشية كانوا يسترسلون معها لأنهم لم يعرفوا لهم وجهة يولونها، فلما تبينت لهم هذه الوجهة بادروا إليها بمثل تلك الحماسة التى كانوا يبادرون بها إلي الملاهى والشهوات.

تلك حقيقة ينبغى أن تتقرر فى الأذهان بكل ما فى الوسع من قوة وتوكيد، لأننا لم نخرج من تجاربنا الوطنية بحقيقة أهم منها وأحق بالتقرير.

فالأمة تجد نفسها حين تجد وجهتها، وتجد وجهتها حين تجد زعامتها التى تنضوى إليها لما تحسه فيها من القدوة المتفق عليها.

وعلينا أن نذكر دائما أن الأمة المصرية لم تثر بعد انتهاء الحرب العظمى، ولكنها ثارت عند القبض على زعيمها، لأنه كان من طراز الزعامة المتفق عليها غير مدافع. فالتفت حولها الأمة بجميع عناصرها وطوائفها، وعرفت مصر لأول مرة زعيماً يتبعه الشيوخ والشبان، والرجال والنساء، والمسلمون والمسيحيون، وأهل الحضر وأهل الريف.

وذلك هو الفضل الأكبر فى نهضتنا للزعيم الأوحد سعد زغلول.

أما بعد الحرب العالمية الثانية فالأمر مختلف غاية الاختلاف . فقد تمخضت هذه الحرب عن مبادئكثيرة تروج بين الشبان خاصة إذا نفخها النافخون فيهم من ناحية الغرور، ولكنها لا تفهم حق الفهم إلا بالدرس الطويل والبحث المستفيض.

كان الفساد من قبل فساد إهمال واسترسال، فأصبح اليوم فساداً مدعوماً بالمبادئ والمذاهب، ولا يفهم منها الذين يدينون بها إلا ما يرضى غرورهم، وغرور الشباب أقرب شىء إلى الإرضاء.

فالشاب الذى يجنح إلى الإباحة يسترسل مع شهواته ولا يخجل منها، لأنه يسمى الخضوع للشهوات نزعة تقدميةتحررت من ربقة الأخلاق الرثة والتقاليد المتعفنة!

والشاب الذى يهم بخيانة وطنه يخونه ولا يخجل من فعلته، لأنه يسمى الخيانة فلسفة ماديةويتعلم من هذه الفلسفة أن حب الأوطان خدعة من خدع رأس المال.

والشاب الذى فى طبعه قحة وسوء أدب، يتوقح ويسىء أدبه على آبائه وكبرائه، لأنه يظن أنه خير منهم ولا يعلل ذلك بسبب غير أنهم نشأوا جميعاً فى عهد الاحتلال.

والشاب الذى فى طبعه إجرام وعدوان، يجرم ويعتدى، وينتحل المسوغات لجريمته واعتدائه مما يسميه جهاداً فى سبيل الدين.

وأراح أمثال هؤلاء الشباب أنفسهم من البحث عن القيادة الرشيدة بين من يتصدون للقيادة السياسية أو الاجتماعية، لأنهم جزموا بأنهم هم القادة وأن الدعوة التى تستجاب  هى الدعوة التى تملؤهم بهذا الغرور.

أما العنصر الصالح من الشباب فقد صنعوا ما صنع إخوانهم قبل ثلاثين سنة ونيف، فعكفوا على دروسهم وأعمالهم فى انتظار الفرج القريب، ريثما تنجلى الغاشية عن وجهة متفق عليها بين شعب الطريق.

وليس من حظ الشعوب أن ترزق فى كل جيل زعيماً مفطوراً على الزعامة تتفق على زعامته، بل ليس من حظها إذا رزقت هذا الزعيم أن يطول اتفاقها على طاعته.

وإنما المعول على من يقادون دائماً إذا كان المعول في بعض الأحيان على من يقودون، فإن فات الأمة الزعيم الأوحد فليس لها من حيلة إلا أن تحسن الموازنة بين الزعماء وتشد أزر الراجح منهم على المرجوح.

ولكن الغرور لا يفضل أبداً، ولم يفضل قط، إلا الفئة التى تصطنع التضليل والتدجيل، وما من قيادة شر من قيادة دجال يتبعه مغرورون.

لسنا اليوم نعالج فساداً جره الإهمال والاسترسال، ولكننا نعالج اليوم فساداً يسوغ نفسه بالمبادئ والمذاهب، ولا يسوغ تلك المبادئ والمذاهب بحجة غير الحجة التى تستهوى إليها الغرور.

وسواء أوجدت لهذه الأمة وجهة متحدة أم لم توجد، فلا فائدة من وجودها إلا بعد علاج الآفة فى جرثومتها الأولى، أو بعد تصحيح المبادئفى الأذهان واقتلاع الغرور من النفوس، وقد يكفى لاقتلاعه عزل المريض عن الصحيح، والإقلاع عن النفخ فيه، ومثابرة المصلحين على الإصلاح.

    الاكثر قراءة