السبت 25 مايو 2024

ضحكة باكية.. مرة واحد جاله سرطان!

مقالات9-8-2021 | 19:31

لم يكتب الساخر "أيمن عبد التواب" من أجل النكات واللهو والعبث فى عقولنا بل كتب من أجل إخطارنا بحقيقة الأمور، وهى كلها أمور فى غاية الجدية، فاذا كانت الكتابة تحتاج لروح من أجل أن تبعث الحياة فى الكلمات، فالروح ذاتها تتألم عنده، لتسبق هذه الروح تلك الكلمات لتظل عالقة فى الذاكرة.

فى كتابه الأخير "مرة واحد جاله سرطان" نجده يمتلك قدرة عجيبة وصمود جارف ربما لا يمتلكه الكثير منا، وقد اكتشفت من خلال هذا الكتاب الرشيق رغبة كبيرة يمتلكها الكاتب على الكر والفر فى مواجهة هذا العين الذى يختفى كلما حانت ساعة المواجهة، كأنه لا يريد إنهاء الحرب، مفضلا تأجيل العراك لمرحلة مقبلة، سينتصر فيها بكل تأكيد أخونا "المنوفي" ولحظتها لن يرحم هذا اللعين الذى يتلون ويتبدل من حال إلى حال.

 رحلته المرضية لم تكن قصيرة كما كان يتوقع بل أصبحت طويلة وبها الكثير من التعاريج والمنحنيات، والتى بدأت منذ 2005 عندما أراد التبرع بالدم لأحدى قريبته، فعلم بالصدفة من ممرضة لم تكن تريد البوح بما رأت فى عينه الدم، لكن نكاته وسخريته دفعها لقول الحقيقة بأنه مريض بفيروس سي، وقد كان وقتها مجرد الاسم فقط يخيف ويرعب النفوس.

واستمر فى تلقى العلاج حتى شفاه الله، إلى أن دخل بعدها فى دوامة زراعة الكبد بعد أن نصحه كبار الأطباء فى مصر المحروسة، وظل ينتقل من مستشفى إلى آخر ومن طبيب لآخر، ولكل منهم رأيه العلمى الذى يختلف كليا أو جزئيا عن السابق، إلى أن نجح فى النهاية بعد لف ودوران لعدة شهور فى اكتشاف عيب خلقى فى القنوات المرارية، واحتاج الأمر لثلاث عمليات فى عملية واحدة وهى إزالة الحصوات واستئصال القنوات المرارية وتوصيل الكبد بالأمعاء مباشرة.

 

عزيزى مريض السرطان

لم يفق من دوامة الكبد حتى اكتشف أنه مريض بالسرطان اللعين أو المرض البطال كما يسميه أخونا "عبدالتواب"، وتحديدا منذ ثلاث سنوات مضت، ليرسل لنا برقية يحمل عنوانها.. "عزيزى مريض السرطان.. أما بعد" وقال فيها: "لم كل هذه الشكوى، لم كل هذا الضجر، لم كل هذا الضجيج الذى تثيره، لم كل هذا اليأس وتلك الروح الانهزامية فى مواجهة مرض تافه، فرض عليك، ولم يكن لك اختيار منازلته، كن رجلا، أو على الأقل استرجل، استرجل، فانت انسان، والإنسان كتبت عليه المواجهة فهل تهرب منها، وإذا هربت فإلى أين وإلى متى؟

اعلم يا عزيزى أن لا ورقة تسقط قبل أوانها وإن ذبلت على أغصانها، ولا بذرة تنبت فى الأرض إلا بعد أن تأخذ الإذن من صاحب الإذن، وحياتك يا صاحبى كخط مستقيم له بداية ونهاية، فإن سرت وفق هذا الخط أرحت نفسك، والا ستجلب الشقاء على نفسك وعلى من حولك، فاجعل أمورك بيدك لا بيد عمرو أو بيد عبد العزيز اللذيذ.

وقد نجح "التواب" فى الكتابة عن المرض، بل سخر منه، من أجل أن يهزمه، صحيح ان الجسد قد خانه فى بعض الأوقات لكن لم يخنه عقله وإبداعه أبدا، وهو ما دفعه لتحويل المرض إلى نصوص أدبية إبداعية تعبر عن معاناته النفسية والوجودية فى مواجهة عدو لعين.

ويقول بكل كبرياء: نعم يا سيدي، أنا كذلك، أنا الشخص الذى يتألم، ويعاني، ويصرخ، ويتمرغ فى الأرض من شدة الوجع، لكنى قد لا أعير كل ذلك اهتماما مقابل ضحكة حلوة، أو مقلب طريف، أو نكتة تخرجنا من الجو الملبد بغيوم المرض، وسحابات العقاقير الطبية، فما الذى يعود عليك إذا توجعت وتألمت وبكيت وصرخت وضجرت بالشكوى؟ وهل هذا يتعارض مع بشرتى وأنا أحاول رسم ابتسامة دون ألوان وفرشاة على شفاه الباحثين عن أمل أو ضحكة سلف؟

لم استسلم للمرض أى مرض، ليس شجاعة مني، بل تنفيذا لتوجيهات امى ونصائح امى وفلسفة امي، كل مرض يتلاشى أمام ضحكة أمى، أمام طوفان سخريتى إلى الدرجة التى اكاد أشفق على المرض من أنه تجرأ وزارنى دون استئذان، المرض لا ينتصر على "منوفي" أصلى، هذه قد تكون حقيقة علمية تحتاج إلى توثيق من أقوى جهاز مخابرات فى المنوفية ومن دار الوثائق فى القلعة.

 

عوالم جديدة

ومعركته تدعونا للتأمل فى القدرة البشرية على النكات والهزل وسط أجواء ملبدة بغيوم سوداء، وهذا يدفعنا على الإقرار بأنه يمتلك حسا بلاغيا فكاهيا لكسر حدة الملل أقصد الألم، فكل جملة قرأتها فى كتابه أشعر معها بمرارة أتذوقها.

وفى المرض فلسفة ذكرها الكاتب الألمانى "جيته" فى قوله: "إن المرض والضعف الجسمانى لازمان عند العباقرة لكى يستطيعوا الإحساس بالوجدانيات النادرة، ويقدروا على سماع الأصوات السماوية".

ونجد هذه الفلسفة عند أخونا "المنوفي" الذى كتب لنا: "أعظم ما فى المرض أنه يجعلك تكشف عوالم جديدة وجوانب أخرى فى حياة البشر لم تكن لتقف عليها وأنت بكامل صحتك وعافيتك، فى المرض تداعب عقلك بعض المفردات والمعانى التى قد تكون غابت عنك، فى ظل قسوة الحياة المادية شديدة التعقيد، وبقدر إخلاصك ونيتك الطيبة، يمن الله عليك ويمنحك القدرة على الصفح والعفو، ومسامحة من أساء إليك، وخاض فى عرضك وتقول عليك بما فيه، وليس بما فيك، فيجعلك تقهر الشر بالخير وتنتصر على الإساءة بالإحسان".

 

دمعة على جدار القلب

حتى ولو خانت الدنيا كلها فلن تخنك الزوجة الوفية التى اخترتها شريكة لك، وكاتبنا الساخر لم يبخل بمشاعره الفياضة فى تقديره زوجته "التى ترتضى أن تنام نصف نومة وبنصف عين، وعلى كنبة من الجلد تزفر لهيبا على من ينام عليها أو تقبل أن تفترش ملاءة خفيفة على الأرض، وتنام إلى جوار سريرى، لتكون رهن إشارتى، إن استيقظت ليلا، واحتجت شيئا، زوجتى راضية بأن ما تفعله نومة والسلام، وأننا وأولادنا أولى بالأموال التى ندفعها للحصول على امتيازات المرافق، تصرفها هذا وكلامها عن التوفير ولو على حساب صحتها وراحتها بقدر ما يسعدنى إلا أنه يسبب لى ألما مستمرا، إذ كيف أعوضها عما تفعله من أجلي، وبأى شيء أكافئها، فلا أجد إلا بكاء داخليا، وكلمات من الشكر والتقدير والاحترام والامتنان لصنيعها".

الاكثر قراءة