السبت 1 اغسطس 2026

شويكار أيقونة الكوميديا الراقية التى صنعت البهجة

شويكار أيقونة الكوميديا الراقية التى صنعت البهجة

1-8-2026 | 13:24

ناصر جابر
تحل علينا هذا الشهر ذكرى رحيل الفنانة الكبيرة شويكار، إحدى أهم نجمات الفن المصرى والعربى، التى غادرت عالمنا فى 14 أغسطس عام 2020، بعد رحلة فنية امتدت لما يقرب من ستة عقود، تركت خلالها إرثًا فنيًا استثنائيًا جعلها واحدة من أبرز رموز الكوميديا الراقية فى تاريخ الفن، لقد استطاعت بموهبتها الفريدة وحضورها اللافت أن ترسم الابتسامة على وجوه الملايين، وأن تقدم نموذجًا مختلفًا للفنانة التى تجمع بين الجمال والثقافة وخفة الظل والقدرة على أداء الأدوار الكوميدية والدرامية بنفس القدر من الإتقان. ولم تكن شويكار مجرد فنانة ناجحة، بل كانت مدرسة فنية قائمة بذاتها، حيث ارتبط اسمها بالأعمال التى مازالت تعرض حتى اليوم وتحظى بمشاهدة جماهيرية كبيرة، سواء في السينما أو المسرح أو التليفزيون أو الإذاعة، لتبقى واحدة من الفنانات اللاتى لا يرتبط حضورهن بزمن معين، وإنما يظل تأثيرهن ممتدًا عبر الأجيال. من الإسكندرية بدأت الحكاية، لذا حرصت مجلة «الكواكب» على الاحتفال بذكرى رحيل هذه الفنانة الكبيرة وكشف الجانب الإنسانى فى حياتها. ولدت الفنانة شويكار فى مدينة الإسكندرية، وكانت البداية الحقيقية لاكتشاف موهبتها داخل أحد الأندية بالإسكندرية، حيث لفتت الأنظار بجمالها وحضورها، قبل أن تعمل فى أدوار تراجيدية خلال خطواتها الأولى، لكن نقطة التحول جاءت عندما شاهدها المخرج الكبير فطين عبدالوهاب، الذى رأى فيها موهبة كوميدية استثنائية لم تكن قد اكتشفتها بنفسها بعد، فقرر توجيهها نحو هذا اللون الذى أصبحت لاحقًا إحدى أبرز نجماته. وبالفعل بدأت مشوارها السينمائى عام 1960 من خلال دور فى فيلم «حبى الوحيد» للمخرج كمال الشيخ، ثم شاركت فى فيلم «غرام الأسياد»، قبل أن تأتى الانطلاقة الحقيقية عام 1962 عندما اختارها الفنان عبد المنعم مدبولى لبطولة مسرحية «السكرتير الفنى»، التى شكلت نقطة تحول كبرى فى حياتها، وفتحت أمامها أبواب النجومية المسرحية والسينمائية. ثنائية صنعت تاريخ الكوميديا يصعب الحديث عن شويكار دون التوقف أمام شريك نجاحها الفنان الكبير فؤاد المهندس، إذ شكّل الاثنان واحدًا من أنجح الثنائيات الفنية فى تاريخ الفن العربى، لم يكن نجاحهما قائمًا فقط على انسجامهما أمام الكاميرا أو فوق خشبة المسرح، وإنما على الكيمياء الخاصة التى جمعت بينهما، والتى جعلت الجمهور ينتظر أعمالهما بشغف كبير. قدم الثنائى ما يقرب من 160 عملاً فنيًا تنوعت بين المسرح والسينما، وتحولت معظمها إلى علامات خالدة فى ذاكرة المشاهد العربى، ومن أشهرها مسرحيات «أنا وهو وهى» و«سيدتى الجميلة» و«حواء الساعة 12» و«السكرتير الفنى» و«إنها حقًا عائلة محترمة»، إلى جانب أفلام مثل «أخطر رجل فى العالم» و«شنبو فى المصيدة» و«ربع دستة أشرار» و«العتبة جزاز» و«إجازة غرام» و«هارب من الزواج» و«اعترافات زوج» وغيرها من الأعمال التى لا تزال تعرض حتى الآن. ولم يكن نجاحها فى المسرح أقل من السينما، بل كانت من النجمات القليلات اللاتى استطعن تحقيق جماهيرية كبيرة فى المجالين معًا، فى وقت فضلت فيه معظم نجمات جيلها التركيز على الشاشة الفضية. ورغم النجاح الساحق الذى حققته فى الكوميديا، رفضت شويكار أن تبقى أسيرة لهذا القالب، فمع بداية سبعينيات القرن الماضى بدأت مرحلة جديدة من مشوارها، تخلت خلالها عن صورة الفتاة الأرستقراطية الجميلة أو البطلة الكوميدية، وقدمت شخصيات أكثر عمقًا وتعقيدًا. وشاركت فى عدد من الأفلام المهمة، منها: «الشحات» و«الإخوة الأعداء» و«الكرنك» و«الجبان والحب» و«الكذاب» و«الذئاب» و«درب الهوى»و«سعد اليتيم» و«طائر الليل الحزين»، قبل أن تعود إلى الكوميديا الاجتماعية فى أفلام مثل «أمريكا شيكا بيكا»، مؤكدة قدرتها على التنقل بين الأنماط الفنية المختلفة دون أن تفقد بريقها أو مكانتها. كما امتلكت رصيدًا سينمائيًا ضخمًا تجاوز المائة فيلم، من بينها «الزوجة 13» و«مدرسة المراهقين» و«النصاب والكلب» و«كشف المستور» و«كلمنى شكرًا» و«السقا مات» و«حديث المدينة» و«دنيا البنات» و«ابنتى والذئاب» و«المرأة هى المرأة» وغيرها من الأعمال التى عكست تنوع اختياراتها الفنية. حضور مختلف فى الدراما مع بداية التسعينيات، انتقلت شويكار إلى الدراما التليفزيونية، لتفتح صفحة جديدة فى مشوارها الفنى، حيث شاركت فى نحو عشرين مسلسلاً، أثبتت خلالها أن نجوميتها لا ترتبط بمرحلة عمرية أو وسيط فنى معين. وقدمت أعمالاً ناجحة مثل «الشرسة» و«بنت من شبرا» و«امرأة من زمن الحب» و«هوانم جاردن سيتى» و«ترويض الشرسة» و«سر علنى» الذى كان آخر أعمالها الدرامية عام 2012، قبل أن تبتعد تدريجيًا عن الأضواء، مكتفية بمتابعة الحركة الفنية من بعيد. محطات إنسانية صنعت شخصيتها لم تكن حياة شويكار الشخصية أقل درامية من أدوارها على الشاشة.. فقد تزوجت وهى فى الـ16 من عمرها من المحاسب حسن نافع، وأنجبت منه ابنتها الوحيدة منة الله، لكن القدر لم يمهلهما طويلاً، إذ توفى بعد عامين فقط من الزواج إثر إصابته بمرض خطير، لتجد نفسها أرملة فى مقتبل العمر وأمام مسئولية تربية طفلتها.. ورغم قسوة التجربة، واصلت تعليمها وتمسكت بالحياة. ومع انطلاقها فى عالم الفن، شاءت الأقدار أن تجمعها بالفنان الكبير فؤاد المهندس، لتنشأ بينهما قصة حب تحولت إلى واحدة من أشهر العلاقات فى الوسط الفنى، ويروى أن المهندس عرض عليها الزواج وهي تقف بجواره على خشبة المسرح أثناء تقديم مسرحية «أنا وهو وهى»، لتبدأ رحلة زوجية وفنية استمرت نحو عشرين عامًا، لم تكن خلالها زوجة فقط، بل لعبت أيضًا دور الأم لأبنائه من زيجته الأولى، ونجحت فى بناء أسرة متماسكة امتزجت فيها الحياة الخاصة بالنجاح الفنى. حب انتهى بالطلاق.. ولم تنتهِ المودة ورغم قصة الحب الكبيرة التى جمعتهما، انتهى الزواج بالانفصال عام 1980، فى خطوة أثارت دهشة الوسط الفنى والجمهور، خاصة أن الثنائى كان يعيش قمة النجاح على المستويين الفنى والشخصى، لكن اللافت أن كليهما تمسك بعدم الكشف عن الأسباب الحقيقية للطلاق، وظلت تلك الصفحة مغلقة حتى بعد رحيلهما. كواليس تكشفها اللقاءات التليفزيونية احتفظ التليفزيون المصرى بعدد من اللقاءات التى أظهرت خفة ظل شويكار وحضورها العفوى، وكان من أبرزها مشاركتها فى برنامج «سينما القاهرة» خلال سبعينيات القرن الماضى، حين سُئلت عن مميزات وعيوب فؤاد المهندس بعد سنوات من الزواج. وقالت وقتها إن المهندس «رب أسرة ممتاز ويحب البيت»، لكنها أضافت بابتسامتها المعهودة أنه «عصبى جدًا، ويكره الموسيقى المرتفعة والسهر، كما أنه شديد الغيرة»، وهى الصفات التى كانت تثير ضيقها أحيانًا. وفى موقف آخر لا يخلو من الطرافة، استضافت الفنانة صفاء أبو السعود فؤاد المهندس فى أحد برامجها، وبعد أن تحدث بإعجاب عن حياته الأسرية، فاجأته بعرض تسجيل تتحدث فيه شويكار عن عصبيته، ليبتسم المهندس بعد لحظات من الحرج ويعلق قائلاً: «كلام شويكار مش مضبوط.. واكتشفت أننا أصدقاء أفضل من زوجين»، فى مشهد عكس طبيعة العلاقة الراقية التى استمرت بينهما حتى بعد الانفصال. إيفيهات لا تزال حاضرة فى ذاكرة الجمهور امتلكت شويكار قدرة استثنائية على إطلاق الجمل الكوميدية التى تحولت مع مرور السنوات إلى إيفيهات رددها الجمهور فى حياته اليومية، ومن أشهرها: «شيء لايصدقه عكل»، و«يا حضرة البشكوتة»، و«إنت بتقول عز... يبقى إنت اللي قتلت بابايا»، وهى عبارات ارتبطت بأعمالها الفنية وأصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية. كما قدمت واحدة من أشهر شخصياتها المسرحية فى «سيدتى الجميلة»، عندما جسدت شخصية «صدفة بنت حسب الله بعضشى» أمام الفنان الكبير فؤاد المهندس، وأبدعت فى تقديم الشخصية بخفة ظل جعلت الجمهور يحفظ حواراتها عن ظهر قلب، ومن أشهر عباراتها: «طلعت فى إيدى غلط» و«علمنى الكتاكيت» و«أنت نعجة وحصان»، وهى جمل ما زالت تتردد حتى اليوم باعتبارها من علامات المسرح المصرى. سنوات الابتعاد والرحيل الهادئ فى سنواتها الأخيرة، فضلت شويكار الابتعاد عن الأضواء، لكنها كانت ترفض وصف ما حدث بأنه اعتزال، مؤكدة أن كلمة «الاعتزال» قاسية على أى فنان، وأنها اكتفت فقط بالابتعاد عن التمثيل، ولهذا اعتذرت عن المشاركة فى عدد من الأعمال. وعرفت أيضًا بابتعادها عن التكنولوجيا، فلم تكن تمتلك هاتفًا محمولاً أو جهاز كمبيوتر، وكانت تفضل الحياة الهادئة بصحبة ابنتها وأحفادها، بعيدًا عن ضجيج الشهرة. وخلال تلك الفترة تعرضت لعدد من الوعكات الصحية، ورغم ابتعادها عن الظهور، حافظت على علاقتها بعدد من أصدقائها المقربين، وفي مقدمتهم الفنانتان نبيلة عبيد وميرفت أمين. تكريم يليق بمشوار استثنائى حظيت شويكار خلال مسيرتها بعشرات الجوائز وشهادات التقدير من المؤسسات والمهرجانات الفنية، وكان من أبرزها تكريمها فى المهرجان القومى للمسرح المصرى عام 2016، تقديرًا لمسيرتها الطويلة وإسهاماتها الكبيرة فى إثراء المسرح المصرى، وهو تكريم اعتبره كثيرون تتويجًا لمشوار استثنائى صنعته بإخلاصها لفنها واحترامها لجمهورها. إرث لا يموت وفى الرابع عشر من أغسطس عام 2020، أسدل الستار على حياة واحدة من أهم نجمات الكوميديا فى العالم العربى، بعدما رحلت عن عمر ناهز 85 عامًا، إثر معاناة مع المرض، لتفقد الساحة الفنية قامة كبيرة، بينما بقيت أعمالها حاضرة فى وجدان الجمهور. ورغم مرور سنوات على رحيلها، لا تزال شويكار تعيش فى ذاكرة الجمهور من خلال عشرات الأفلام والمسرحيات والمسلسلات التى أعادت تعريف الكوميديا الراقية، ورسخت صورة الفنانة القادرة على الجمع بين الجمال والموهبة والثقافة وخفة الظل.. لقد كانت أكثر من مجرد فنانة ناجحة؛ كانت حالة فنية وإنسانية خاصة، صنعت الضحكة دون ابتذال، واحترمت عقل جمهورها، وكتبت اسمها بحروف من نور فى تاريخ الفن العربى، لتظل بحق واحدة من أيقونات الزمن الجميل التى لا يغيب بريقها مهما تعاقبت السنوات.