هل نجحت الدراما التلفزيونية بالفعل في التعبير عن أصحاب المهن المختلفة بصورة واقعية؟ وهل مهمتها أن تنقل الواقع كما هو بكل ما يحمله من إيجابيات وسلبيات، أم أنها مطالبة بتقديم نماذج إيجابية تصلح لأن تكون قدوة للجمهور؟
تساؤلت عديدة أثيرت عقب عرض مسلسل «بنج كلي»، وهو ما يثار بين الحين والآخر كلما عرض عمل درامي يتطرق إلى واقع أي من المهن المختلفة، حيث تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول حدود الدراما في تناول المهن المختلفة، ومدى مسؤوليتها عن الصورة التي قد ترسمها للطبيب والمحامي والإعلامي ورجل الأعمال والموظف وغيرهم.
«الكواكب» حرصت على أن تبحث عن الإجابة مع عدد من صناع الدراما والنقاد والمبدعين في السطور التالية.

فى البداية
يرى المؤلف عمرو محمود ياسين أن وظيفة الدراما الأساسية رصد التجارب الإنسانية وتحويلها إلى حكايات وصور وشخصيات تجعل المتلقي يشعر ويتفاعل ويتلاحم مع الشخصية، ليتعرف على طريقة تفكيرها وخططها في حياتها وعملها وردود أفعالها داخل بيئة العمل، وفقًا لرؤية الكاتب.
ويؤكد أن وظيفة الفن والدراما في الأساس هي الإمتاع وإحداث التأثير الوجداني، حيث يعيش الجمهور مع أحداث المسلسل على مدار حلقاته، ويتعاطف مع الشخصيات ويتأثر بمشاهد البكاء والضحك والتوتر والألم، ومن خلال هذه الشخصيات والمهن المختلفة، يتعرف المشاهد على تجارب إنسانية متنوعة، وقد يستفيد منها سواء بشكل إيجابي أو سلبي، لأنها تمنحه خبرة التجربة والمعايشة.
ويضيف أن الفن والدراما ليس هدفهما إبراز الإيجابيات أو السلبيات فقط، أو الدعوة إلى مهنة معينة، وإنما تقديم تجربة إنسانية متكاملة، مشيرا إلى أن لكل كاتب منظورًا مختلفًا في تقديم الشخصيات والمهن، ولذلك لا يمكن إطلاق حكم عام على العمل الدرامي باعتبار شخصياته إيجابية أو سلبية فقط، لأن كل كاتب يختار الزاوية التي يتناول منها الشخصية وفقًا لما يخدم النص.
ويؤكد ياسين أن ظهور طبيب أو محامى على سبيل المثال بشكل جيد في عمل درامي لا يعني رصد لكل جوانب الواقع، ونفس الأمر ينطبق على غيرهم من أصحاب المهن المختلفة، ولذلك يجب أن تتضمن الدراما نماذج إيجابية وأخرى سلبية وفقًا لما يخدم الأحداث، لأن الكاتب في النهاية يسعى إلى تحقيق المتعة والجذب وضمان متابعة الجمهور، مع الحفاظ على المصداقية، فلا يمكن أن تكون كل الشخصيات سلبية لمجرد زيادة إعجاب الجمهور.
ويستكمل مشيراً إلى أن الدراما تقوم في الأساس على فكرة الصراع بين الخير والشر، وبين الجيد والسيئ، ومن هذا الصراع ينشأ الجذب وتزداد أهمية السيناريو، فهناك بطل لديه هدف، وخصم يحاول منعه من الوصول إلى هذا الهدف، وإذا لم يوجد هذا الخصم أو الشخصية التي تقف في طريق البطل، فإن عنصر الصراع يفقد أهميته.
كما يرى أن الدراما في الفترة الأخيرة عبرت عن أصحاب المهن بدرجات متفاوتة، فهناك أحيانًا نموذج حقيقي وآخر مركب يتم استخدام خلفيته المهنية لتبرير بعض أفعاله وجعل الشخصية أكثر إقناعًا للمشاهد.
ويختتم مؤكدًا أن الدراما تحتاج إلى الصدق والمسؤولية، وليس الوعظ المباشر أو تقديم الشخصيات المثالية طوال الوقت.

لا تحاكموا المهنة
من جانبه، يطالب المؤلف أيمن سلامة برفع مستوى الوعي والإدراك لدى الجمهور بأن الدراما تقدم أصحاب المهن بصورة واقعية وملموسة ومدروسة من جانب الكاتب، وهو يوظف الشخصية داخل العمل وفقًا لرؤيته والأحداث التي يريد التعبير عنها.
كما يضيف أيمن سلامة أن الكاتب يبدع وفق ظروف النص والأحداث وترابط الشخصيات وحبكة الموضوع، ويحدد شكل الصراع بين الشخصيات، سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا، مشيرًا إلى أنه لا يتفق مع بعض الآراء التى قد تلزم الكاتب بتقديم نماذج إيجابية فقط للشخصيات.
ويشير كذلك إلى أعمال المؤلف الكبير الراحل وحيد حامد، الذي قدم نماذج مختلفة من الشخصيات، لأن هدفه كان تقديم الدراما وليس رسم صورة مثالية للمجتمع.

قوة ثقافية مؤثرة
ومن منظور آخر، ترى د. دينا محمد، أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس، أن الدراما التلفزيونية أصبحت وسيلة شديدة الأهمية للتأثير في أفراد المجتمع، خاصة عندما تتناول قضايا ومشكلات اجتماعية تخص أصحاب المهن المختلفة.
وتوضح أن الدراما تواجه المجتمع بقضاياه المتعددة، بما تحمله من إيجابيات وسلبيات، لأنها قوة ثقافية مؤثرة في الفرد والمجتمع ومتأثرة به في الوقت نفسه.
وتتميز الدراما، بحسب رؤيتها، بالانتشار الواسع والقدرة على جذب المشاهد والاستحواذ على جزء كبير من وقته، فضلا عن قدرتها على الوصول إلى مختلف الأذواق والشرائح، بغض النظر عن السن أو المستوى التعليمي أو الاقتصادي.
وتضيف د. دينا محمد أن المؤلف عندما يقدم عملا يتشابك معه الجمهور بكل عناصره وحواسه، فإن أصحاب المهن الذين قد يتناولهم العمل يصبحون أكثر تأثرًا به، لأن المهنة جزء أساسي من حياتهم وهويتهم اليومية، كما أن الخطاب التلفزيوني يسعى إلى توفير عناصر التأثير في أوسع شريحة ممكنة من الجمهور، وهو ما ينعكس على مضمون الدراما التي أصبحت أكثر التصاقًا بسياق الواقع وظروفه، وتطرح موضوعات تمس واقع قطاعات واسعة من المجتمع.
وتصف الدراما التلفزيونية بأنها وعاء حامل لثقافة الشعوب، فهي ثقافة حية تمزج بين الثقافات وتعكس جوانب مختلفة من حياة المجتمعات، كما أن الرسالة الدرامية تمتلك قدرة كبيرة على تخطي الحواجز والوصول إلى الجمهور والتأثير فيه.
وتؤكد أن قضايا الحياة الواقعية ومحاولة تقديمها في أعمال درامية هي الأكثر قدرة على جذب اهتمام المشاهد، لأنها تلامس حياته ومعيشته وهمومه اليومية، لكنها تشدد على أن وظيفة الدراما لا تتوقف عند مجرد رصد الظواهر السلبية أو محاكاة الواقع والكشف عن بعض جوانبه المظلمة، وإنما يمكنها أن تحول بعض جوانب الواقع من مجرد حدث درامي إلى قضية اجتماعية قابلة للنقد، بما يسهم في رفع الوعي بها وتفسير أسبابها، وتهيئة المجال أمام التغيير نحو الأفضل.
واختتمت حديثها مؤكدة على أن الدراما قادرة كذلك على المساهمة في تغيير بعض العادات والسلوكيات والمعتقدات السلبية أو المغلوطة، من خلال تقديم القدوة والأنماط الإنسانية الإيجابية.
الصورة كاملة
أما الناقدة ماجدة موريس، فترى أن المفترض أن ترصد الدراما جميع الجوانب المرتبطة بالمهن المختلفة، وأن تتعمق في التفاصيل وتكشف بعض المشكلات أحياناً، وصولا إلى طرح حلول تساهم فى الوصول إلى الصورة الإيجابية التى نتمناها جميعاً على أرض الواقع والتى تكمل ما يتم على أرض الواقع من جهود للبناء والتنمية حالياً من أجل المستقبل، مؤكدة أن هذا جزء أساسي من دور الدراما.
وتؤكد أن ظهور أعمال أكثر توازنًا حالياً ساهم في تقديم نماذج مختلفة تحمل فى جانب كبير منها الشق الإيجابي، كما أسهم في تشكيل وعي لدى الجمهور بضرورة اتخاذ بعض النماذج الإيجابية التى تقدمها الدراما كقدوة.

الدراما مرآة المجتمع
وترى الناقدة خيرية البشلاوي أن على الدراما ضرورة التدقيق في طريقة التناول لأى شخصيات حتى لا يتم ظلم أحد، مؤكدة على أن مرحلة التقييم والمعالجة يجب أن تكون ضمن الأهداف الأولية، مع ضرورة التحلي بالمصداقية.
وتؤكد أن مرحلة البناء الدرامي والتصور والهدف والمغزى مسؤولية الكاتب، حتى وإن كان العمل في النهاية مسؤولية جماعية، مشيرة إلى أن الكاتب عليه أن يسعى إلى تقديم قدوة حقيقية وإيجابية للجمهور تساهم فى توسيع مداركه نحو الأفضل.
وتختتم البشلاوي بالتأكيد على أن المؤلف يمتلك مخزونًا كبيرًا من الأفكار والتجارب والاحتكاك بالمجتمع، وهو ما يؤهله لصناعة عمل جذاب وممتع يشتبك معه الجمهور، وهذه هي وظيفة الدراما في المقام الأول.
لكنها ترى في الوقت نفسه ضرورة أن تظل وظيفة الدراما إيجابية فيما يقدمه الكاتب، وألا يشعر الجمهور بالرفض مثلاً لوظيفة ما أو مهنة بعينها، لأن الإبداع والدراما، في النهاية، هدفهما دفع المجتمع إلى الأمام، ولذلك تبقى مسؤولية صناع الدراما أن يقدموا للمشاهد رؤية بصرية وإنسانية وحسية قادرة على تطوير حياته نحو الأفضل، دون أن يتحول العمل إلى درس مباشر، ودون أن يفقد في الوقت نفسه مسؤوليته تجاه المجتمع.