هناك نجوم لا تنتهي حكاياتهم برحيلهم، بل تبدأ من جديد كلما حاول فنان أو مخرج أو كاتب الاقتراب من سيرتهم، فهم أسماء صنعت مجدها بالصوت والصورة والموهبة، وتحولت مع مرور الزمن إلى جزء من ذاكرة أجيال كاملة، ولذلك ظلت حياتهم الفنية مادة خصبة لصناع السينما والدراما والمسرح، لأن الجمهور أحب هؤلاء النجوم وأعمالهم.
فمن أم كلثوم وعبد الحليم حافظ إلى سعاد حسني وليلى مراد وصباح وأسمهان، قدمت الشاشة وكذلك المسرح نماذج مختلفة من السير الذاتية لعمالقة الفن والغناء؛ بعضها نجح في البقاء، والبعض الآخر تعرض لبعض التحديات، ومع الاستعداد لتقديم عمل مسرحى جديد عن العندليب عبد الحليم حافظ، نعيش معاً فى جولة بين هذه الأعمال، ونتعرف على الصورة التى قدمت بها هذه السير ومدى اقترابها من الواقع.
البداية
تأتى مما أعلنه مؤخراً الدكتور مدحت العدل عن الاستعداد حالياً لتقديم العرض المسرحى الجديد «حليم زمن الرومانسية» والذي سوف يتزامن مع الذكرى الخمسين لوفاة العندليب عبد الحليم حافظ.
ففي شهر مارس المقبل، وبعد شهر رمضان المبارك، يستعد المسرح لاستقبال العرض المسرحي «حليم.. زمن الرومانسية»، والمسرحية من تأليف الكاتب الدكتور مدحت العدل وإخراج أحمد فؤاد، وقد أعلن العدل خلال المؤتمر الصحفي الخاص بالمشروع الانتهاء من كتابتها قبل نحو شهرين.
ويستعرض العمل قرابة عشرين عامًا من مسيرة عبد الحليم الفنية، مع التركيز على الجانب العاطفي والروحي، وعلى المرحلة التي ارتبطت في وجدان الجمهور بـ«زمن الرومانسية»، بعيدًا عن الغوص الموسع في التفاصيل الشخصية في حياته.

«العدل» أمام اختبار جديد
لا يعد «حليم.. زمن الرومانسية» التجربة الأولى التي تجمع مدحت العدل وأحمد فؤاد في عالم السير الفنية، فقد سبق أن قدما العرض المسرحي «أم كلثوم.. دايبين في صوت الست»، التجربة التى لفتت الأنظار لأنها لم تقدم أم كلثوم باعتبارها مجرد مطربة صاحبة أغنيات خالدة، وإنما حاولت الدخول إلى عالمها الإنساني والفني وصناعة حالة كاملة تستعيد زمن «الست»، ومنذ دخول الجمهور إلى المسرح، كان واضحًا الاهتمام بالموسيقى والفضاء البصري والتفاصيل التي تساعد على استحضار أجواء عصر أم كلثوم، إلى جانب عرض بعض مقتنياتها النادرة.
ولأن كوكب الشرق أم كلثوم لم تكن بالنسبة إلى جمهورها مجرد مطربة، بل كانت حالة ثقافية وإنسانية ووطنية امتدت آثارها لأجيال طويلة، لهذا نجح العرض في بناء علاقة مباشرة مع الجمهور، وظهر ذلك في الإقبال الكبير عليه، ووجود مشاهدين من مختلف الأعمار والطبقات فعندما يجد الجمهور تجربة تحترم عقله وذاكرته ومشاعره، فإنه قادر على التفاعل معها مهما تغيرت الأذواق.
وفي الوقت الذي حقق فيه المسرح نجاحًا لافتًا مع «أم كلثوم.. دايبين في صوت الست»، قدمت السينما تجربة أخرى عن أم كلثوم من خلال فيلم «الست»، من تأليف أحمد مراد وإخراج مروان حامد وبطولة منى زكي، حيث حاول الفيلم تقديم قراءة سينمائية حديثة لسيرة كوكب الشرق، وبذلت منى زكي جهدًا كبيرًا في الاقتراب من شخصية شديدة الخصوصية.
لكن التجربة فتحت نقاشًا مهمًا حول العلاقة بين الفن والتاريخ وإلى أي مدى يستطيع الكاتب والمخرج استخدام الخيال والمعالجة؟
«أم كلثوم».. مسلسل أصبح علامة
كما نجد أن تاريخ السير الذاتية يقدم نموذجًا واضحًا على أن نجاح العمل لا يرتبط باسم الشخصية فقط صاحبة السيرة الذاتية، ففي عام 1999 قدم التليفزيون المصري مسلسل «أم كلثوم»، من تأليف محفوظ عبد الرحمن وإخراج إنعام محمد علي، وجسدت صابرين شخصية كوكب الشرق، وقد حقق المسلسل نجاحًا كبيرًا، وأصبحت شخصية أم كلثوم واحدة من أهم علامات مسيرة الفنانة صابرين الفنية، كما استطاع العمل الجمع بين إعجاب الجمهور والنقاد، وظل حاضرًا حتى بعد مرور سنوات طويلة على عرضه.
والمثير أن السينما قدمت في العام نفسه تجربة أخرى عن أم كلثوم، بطولة فردوس عبد الحميد ومحمود ياسين وإخراج محمد فاضل.
«عبد الحليم».. الجوانب النفسية والإنسانية
في عام 2006 عاد العندليب عبد الحليم حافظ إلى الشاشة من خلال مسلسل «العندليب حكاية شعب»، الذي جسد شخصيته شادي شامل بعد اختياره من خلال مسابقة، وقد رأى البعض أن العمل كان لابد وأن يتطرق إلى الجوانب النفسية والإنسانية فى حياة العندليب بجانب الناحية الفنية.
وفي العام نفسه جاء فيلم «حليم»، الذي كان حلمًا للفنان الراحل أحمد زكي وآخر أعماله، ورحل أحمد زكي قبل استكمال العمل، ليكمل نجله الراحل هيثم أحمد زكي الدور، وقد حظى الفيلم بإعجاب الجمهور، فى حين رأى البعض الآخر فى نفس الوقت أنه ركز أكثر على الجوانب الأكثر صعوبة فى حياة العندليب.

«أبو ضحكة جنان»
أما مسلسل «أبو ضحكة جنان» الذى أنتج عام 2009، فيحكي قصة حياة الفنان الكوميدي الكبير إسماعيل ياسين، حيث يرصد رحلة كفاحه حتى أصبح نجم الكوميديا الأول في مصر وخاصة في حقبة الخمسينيات.
كما يتطرق إلى علاقته بالمبدع الكبير المؤلف أبو السعود الإبياري، ويعرض تفاصيل حياته الشخصية، وقد لعب البطولة أشرف عبد الباقي في «دور إسماعيل ياسين»، كما شارك في البطولة صلاح عبد الله في «دور أبو السعود الإبياري»، رانيا فريد شوقي، كارمن لبس في «دور بديعة مصابني»، ولطفي لبيب.
والتأليف لأحمد الإبياري، وقد نجح فى تقديم صورة قريبة جداً من حياة الفنان الكوميدي الكبير إسماعيل ياسين.

«الشحرورة».. وحياة الفنان
في عام 2011، ظهر مسلسل «الشحرورة» عن حياة الفنانة الكبيرة صباح، وجسدت كارول سماحة الشخصية، وقد تطرق المسلسل لحياتها الفنية والشخصية ومراحل عديدة من التحديات التى واجهتها، وحظى المسلسل بإعجاب البعض، فى حين رأى البعض الآخر أنه ركز بصورة كبيرة على الحياة الشخصية أكثر من الحياة الفنية.
«أسمهان».. النموذج الناجح
وسط هذه التجارب، يظل مسلسل «أسمهان» نموذجًا مهمًا للنجاح، حيث جسدت سلاف فواخرجي شخصية أسمهان، وقدم أحمد شاكر عبد اللطيف شخصية فريد الأطرش.
استغرق التحضير للمسلسل عدة سنوات، واعتمد صناعه على أكثر من عشرة مراجع تناولت حياة أسمهان، وكان البحث التاريخي أحد أهم عناصر قوة العمل، خصوصًا أن حياة أسمهان مليئة بالأحداث، من الفن والحياة الشخصية، وصولا إلى رحيلها المفاجئ، كما نجح المسلسل في ربط حياتها الخاصة بالواقع الاجتماعي والسياسي للمنطقة ككل خلال مرحلة تاريخية مهمة، ليصبح العمل أكثر من مجرد حكاية فنانة بصدق وإقناع تام.
أسرار النجاح
تضعنا كل هذه التجارب أمام حقيقة واضحة وهى أن السيرة الذاتية الناجحة لعمالقة الفن والغناء استطاعت فى العديد من الحالات أن تنجح فى تقديم صورة حقيقية وقريبة من الفنان صاحب السيرة، في حين تعرض قلة قليلة منها لبعض الملاحظات البسيطة والتى لا تشكل علامة بارزة على العمل نفسه، فالكثير منها اعتمد على البحث التاريخي والكتب والدراسات المتخصصة، كما أن اختيار نجومها قد جاء ناجحاً بصورة كبيرة، يحسب فى هذا نجاح الفنانة صابرين فى تجسيد شخصية كوكب الشرق أم كلثوم، ونجاح سولاف فواخرجى فى تجسيد شخصية أسمهان، وكذلك العملاق أحمد زكى فى تقديمه لشخصية العندليب الراحل عبد الحليم حافظ.