1-8-2026 | 13:29
موسى صبري
لم تعد مشاهدة الأفلام تقتصر على شاشة السينما كما كان الحال لسنوات طويلة، فمع الانتشار الواسع للمنصات الرقمية وتعدد وسائل العرض، أصبح الجمهور يعيش تجربتين مختلفتين تمامًا؛ الأولى داخل قاعات العرض السينمائى بما توفره من أجواء جماعية ومؤثرات بصرية وصوتية، والثانية عبر المنصات التى تمنح المشاهد حرية اختيار الوقت وطريقة المشاهدة وإمكانية إعادة اللقطات وتحليلها، ومن هنا ظهرت حالة من الجدل الدائم على مواقع التواصل الاجتماعى، حيث تختلف رؤية وتقييم الفيلم نفسه فى ميزان الجمهور والنقاد ما بين الشاشة والمنصات، مجلة «الكواكب» حاولت استكشاف أسباب هذا التباين وتأثيره على العمل الفنى نفسه.
فى البداية تفسر الدكتورة دينا محمد عيسى، أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس، هذا التباين من منظور نفسى واجتماعى، موضحة أن السينما تصنع حالة من التفاعل الجماعى، إذ يشاهد العلم الفنى عدد كبير من الأشخاص فى الوقت نفسه، فتنتقل المشاعر بينهم بصورة تلقائية، ويصبح الضحك أو التأثر أكثر قوة.
وتضيف أن الشاشة الكبيرة، والصوت المحيط، وإظلام القاعة، كلها عوامل تساعد على اندماج المشاهد وتركيزه الكامل، فيشعر بأن الفيلم حدث يستحق الاهتمام.
أما على المنصات، فتختلف التجربة؛ إذ تكون المشاهدة غالبًا فردية، ويمكن للمشاهد إيقاف الفيلم أو استخدام الهاتف أو الانتقال بين المشاهد، وهو ما يقلل من درجة الاندماج، كما أن وجود عشرات الأعمال المتاحة فى الوقت نفسه يدفع المشاهد إلى المقارنة المستمرة، حيث تتغير طريقة تقييمه للفيلم مؤكدة إلى أن اختلاف ردود الفعل لا يعنى اختلاف جودة العمل، وإنما يعكس اختلاف سياق المشاهدة، حيث تعزز السينما الانفعال الجماعى، بينما تمنح المنصات تجربة أكثر فردية وهدوءًا.
المنصات تمنح المشاهد القرار
من جانبه يرى الدكتور هانى محمد، أستاذ جامعى، أن الفئة العمرية تلعب دورًا مهمًا فى هذا الاختلاف، موضحًا أن جمهور السينما يغلب عليه فئة الشباب، بينما تضم المنصات شرائح عمرية أكبر تميل إلى المشاهدة الهادئة والتحليل المتأنى.
ويؤكد أن المنصات تمنح المشاهد حرية إعادة اللقطات أو التوقف عند مشهد معين لفهم الرسائل التى يحملها الفيلم، وهو ما يساعد على إصدار تقييم أكثر دقة، ويضيف أن ازدحام قاعات السينما أو تفاعل الجمهور قد يؤثر أحيانًا فى التركيز، بينما توفر المنصات بيئة أكثر هدوءًا.
ويختتم رأيه بالتأكيد على أن الفارق الأساسى يتمثل فى أن السينما تتحكم فى توقيت وآليات العرض، بينما يصبح المشاهد على المنصة هو صاحب القرار الكامل فى كيفية متابعة الفيلم.
سحر الشاشة الكبيرة
فى المقابل، تختلف خلود السويسى مع هذا الرأى، مؤكدة أن تجربة السينما لا يمكن تعويضها بالمنصات مهما تطورت، مؤكدة على أن شراء التذكرة والدخول إلى قاعة العرض يمنحان المشاهد إحساسًا خاصًا يجعله أكثر اندماجًا مع الأحداث، خاصة مع التقنيات الحديثة التى تضيف بعدًا بصريًا وسمعيًا يزيد من متعة المشاهدة.
وترى أن هذه الأجواء تجعل المشاهد أكثر تركيزًا مع تفاصيل الفيلم، بينما تؤدى مشاهدة العمل عبر المنصات فى كثير من الأحيان إلى التشتت أو التوقف المتكرر، وهو ما يقلل من تأثير التجربة الفنية.
صالة العرض تشبه الحلم
ويقول أ.د محمد خطاب أستاذ التحليل النفسى وعلم النفس الإكلينيكى بقسم علم النفس بكلية الآداب جامعه عين شمس: مشاهدة الفيلم السينمائى فى صالة العرض أمتع وأفضل من مشاهدته بشكل فردى على المنصات، لأن مشاركة الجمهور فى صالة العرض تصنع حالة خاصة لكل فرد سواء من حيث التفاعل والتوحد مع القصة ومع أبطالها بشكل جمعى كما يصنع أيضا حالة وجدانية وانفعالية ومزاجية مشتركة بين الجمهور المشارك، لأن صالة العرض تشبه النائم وهو فى حالة حلم منفصل فيها كل الانفصال عن الواقع الخارجى ومن ضغوط الحياة بكل جوانبها كما لو كان الجمهور في رحلة ممتعة أو فى إجازة من ضغوط الحياة بكل مشتتاتها، مثل الجمهور فى الاستاد أو الجمهور فى دار الأوبرا.
ويضيف: ذلك عكس الفرد الذى يشاهد الفيلم منفردا فقد يكون مشتتا بين الرد على الهاتف وأى تطبيقات أخرى فنجده يوقف المشاهدة ثم يعود فالدراما عندما تتم مشاهدتها أفضل بكثير وتساعد الجمهور على الاستمتاع اللحظى وتطهير النفس من أية مواقف مؤلمة، ولهذا يوجد ما يسمى بالعلاج النفسى بالدراما أو العلاج بالسيكورما، حيث إن المشاهدة فى صالة العرض أفضل من حيث المشاركة الوجدانية ذات الطابع الجمعى وفى التخلص من الضغوط المحيطة به.
دور المنصات
من جانبها ترى الناقدة ماجدة موريس أن اختلاف ردود الأفعال يعود إلى تباين الخلفيات الثقافية والاجتماعية للجمهور، مؤكدة أن طبيعة استقبال الفيلم تتغير باختلاف وسيلة المشاهدة، وتوضح أن السنوات الأخيرة شهدت تعاظم دور المنصات، وهو ما أوجد حالة من المقارنة المستمرة بين التجربتين.
وتستشهد بفيلم «برشامة» الذى تناول قضية الغش فى الامتحانات، ووجد الفيلم تفاعلاً كبيرًا عند عرضه فى السينما باعتباره يناقش مشكلة يعاني منها البعض، لكن عند انتقاله إلى المنصات انقسم الجمهور حوله، إذ رأى البعض أن الصورة التى قدمها مبالغ فيها، بينما اعتبره البعض الأخر يعكس الواقع.
وتؤكد موريس أن الأمر تكرر مع أكثر من عمل، من بينها فيلم «الست» الذى يدور حول حياة كوكب الشرق أم كلثوم، إذ انقسمت الآراء عند طرحه ما بين الشاشة والمنصة وتعتبر موريس أن هذا الاختلاف ليس دليلاً على تغير جودة الفيلم، بل نتيجة لاختلاف الثقافة وطريقة التلقى بين جمهور السينما والمنصات.
الصورة الذهنية
أما الناقدة خيرية البشلاوى فتؤكد أن الحالة النفسية للجمهور ليست ثابتة، بل تتغير بمرور الوقت وباختلاف وسيلة العرض، لأن المشاهد قد يخرج من السينما بانطباع معين، ثم يعيد مشاهدة الفيلم على إحدى المنصات ليكتشف تفاصيل جديدة تغير تقييمه، سواء بالإيجاب أو السلب.
وتضيف أن الفيلم فى النهاية عمل ثقافى وترفيهى، وكل متفرج يقرأه من زاويته الخاصة، لذلك من الطبيعى أن تتباين الأحكام.. كما ترى أن مواقع التواصل الاجتماعى أصبحت لاعبًا مؤثرًا فى تشكيل الصورة الذهنية للأعمال الفنية، إذ قد يتحول فيلم تعرض لانتقادات فى السينما إلى عمل يحظى بالتعاطف والإشادة عند عرضه على المنصات، بعدما يمنحه الجمهور فرصة جديدة بعيدًا عن أجواء العرض الأولى.
وتشير إلى أن محبى السينما يحرصون دائمًا على التعبير عن آرائهم، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على النقاشات المتداولة عبر السوشيال ميديا، لتبقى الأسئلة نفسها مطروحة: هل الفيلم جيد؟ وهل يستحق المشاهدة؟ وهى أسئلة لا تتوقف إجابتها على جودة العمل فقط، وإنما على ظروف المشاهدة أيضًا.
السوشيال ميديا أكثر تأثيراً
من جانبه، يرى الناقد طارق الشناوى أن جمهور السينما يختلف بطبيعته عن جمهور المنصات، الأول اتخذ قرار الذهاب إلى السينما وشراء التذكرة، بينما يشاهد الثانى الفيلم داخل منزله فى ظروف مختلفة تمامًا.
ويشير إلى أن مواقع التواصل الاجتماعى أصبحت تؤثر بقوة فى تكوين الانطباعات، إذ يكتفى بعض المتابعين بمشاهدة مقطع أو قراءة تعليق قبل إصدار حكم كامل على الفيلم، كما حدث مع عدد من الأعمال التى تعرضت لبعض الانتقادات فور تداول مشاهد محددة منها.
ويؤكد الشناوى أن التقييم الحقيقى لأى عمل يجب أن يعتمد على مشاهدة الفيلم كاملاً، بعيدًا عن الاقتطاع أو التأثر بالآراء المسبقة، لأن الحكم على العمل الفنى يحتاج إلى تجربة مشاهدة متكاملة، مؤكدا أن الاختلاف في التقييم يرتبط أيضًا بالحالة النفسية للمشاهد؛ فمشاهدة الفيلم داخل قاعة السينما تختلف عن متابعته عبر منصة أو قناة فضائية، لذلك قد يحقق فيلم نجاحًا جماهيريًا فى السينما ثم لا يترك الأثر نفسه على المنصات، والعكس صحيح.
اختلاف طبيعى
فى النهاية رغم تضارب الآراء بين مؤيدى السينما وعشاق المنصات، يتفق الجميع على أن العمل الفنى الواحد يمكن أن يولد انطباعات متعددة تبعًا لطريقة المشاهدة وظروفها.. حيث إن السينما تمنح المشاهد تجربة جماعية متكاملة، بينما توفر المنصات حرية أكبر فى المشاهدة والتحليل، وهو ما يجعل الاختلاف فى التقييم أمرًا طبيعيًا وليس دليلاً على تغير قيمة الفيلم نفسه.
ومع استمرار تطور المنصات الرقمية وتوسع جمهورها، يبدو أن الجدل حول أفضل وسيلة لمشاهدة الأفلام سيظل حاضرًا، ليؤكد أن الفن لا يُقاس فقط بما يقدمه على الشاشة، بل أيضًا بالطريقة التى يستقبله بها جمهوره.