الثلاثاء 25 يونيو 2024

رحيل.. رواية تستحق الاحتفاء

مقالات7-1-2022 | 16:07

لا شك أن الإبداعات الجميلة تثري حياتنا الأدبية وواقعنا الثقافي، وتمنح الفرصة لذائقتنا العربية للمطالعة، والقراءة المتأنية الماتعة، ورواية "رحيل" للكاتبة "جيني حسين علي" من النصوص التي تحمل ـــ في طياتها ـــ عبقها الخاص، وأجواءها المتباينة، وعوالمها المختلفة، وهي رواية تشير ـــ عبر سطورها ـــ إلى مواضع الألم الحقيقية التي يعاني منها الإنسان المرهف بشكل عام.

فنحن بصدد عُزلةٍ تفرض نفسها على حياة البطل (ناجي)، وفراغٍ عاطفي ينال منه عُنوةً، فلم يثنِه انبهاره بــ "ماجي" ـــ التي صارت زوجته وأمًا لأولاده الأربعة ـــ عن خيانتها مع أخرى (كانت ماجي طالبة فرنسية بشعر قصير، وعينين بلون النيل، لكنها حيوية وتنضح بالنشاط وتتكلم العربية قليلًا، فكانت بدايتي معها موفقة، ومع الوقت أصبحت ماجي الزميلة والصديقة والرفيقة نهارًا وليلًا، وغدت جميلة جدًا في نظري، وبات من الصعب عليَّ الاستغناء عنها).

ويبدو أن شخصية ناجي غير المستقرة سيكولوجيًا جعلته يحب "رحيل" بعدما التقى بها مصادفة بمصعد عمارة صديقه، ونشأت بينهما علاقة توطدت مع الأيام دون أن تُتوَج بالزواج بفعل اعتراض "رحيل" وعدم اقتناعها بالفكرة، لكنه ظل يرى فيها امرأةً مختلفة (بدخول رحيل يتغير الإحساس بالمكان والزمان، أتعجب بشدة مما في هذه المرأة من قوة في الحضور، وقدرة روحية هائلة تضفي سحرًا عفويًا وهدوءًا في النفس).

ليعيش  "ناجي" معها قصة حب ينتقلان خلالها من مكان إلى آخر، لنقرأ ـــ بعدها ـــ مذكرات "رحيل" وقد بدت أكثر شجاعة منه وجرأة، حيث باغتتنا بموقف مصيري لم يذكره ناجي في مذكراته، عندما فقدت عذريتها تحت تأثير مشاعرهما المحمومة ورغبتهما الشبقية (وأخذ يقبلني بنهم، كانت يديه أكثر حكمة ووصلتا إلى أماكن لم تطأها من قبل في جسدي، كانت أنفاسه الملتهبة تشعل جوارحي بكل الحرائق، عندها قررنا الانفجار سويًا وأطلقنا العنان للحظة، وتوقفتُ تمامًا عن المقاومة بصرخة هزت الأرض).

والجميل في سرد كاتبتنا اعتمادها للغة دالة وموحية، لا ابتذال فيها ولا إسفاف، إنها تضعنا أمام الصورة لنستكملها أما ناظرينا، نضيف إليها ونحذف منها، نقبل بعض جوانبها ونرفض بعضها الآخر.

  و"رحيل" في روايتنا هذي إنسان؛ مرهفة المشاعر رقيقة الأحاسيس، الأمر الذي جعلها تخاصم "ناجي" (الحبيب السابق)، وتقيم علاقة ودٍ مع رجل هندي دمث الخلق (رام) التقت به في إحدى مكتبات فرنسا التي يعمل بها، ولقد هام بها حبًا واهتمامًا، لكنها كانت ـــ بفعل تجربتها مع ناجي ـــ شديدة الحذر معه، رغم استعداده لتقديم كل ما تريده مقابل الارتباط بها والزواج منها، ولكن دون جدوى.

إن لغة الحوار التي ساقتها لنا جيني حسين ـــ عبر التحاور بين الشخوص ـــ تنم عن فلسفة استقلالية ـــ لكل شخص ـــ يصعب امتزاجها بالآخر أو تماهيها معه، وأن العلاقة بين أفراد العالم الروائي تمثل نوعًا من الهشاشة، ذلك أن الإعجاب المتبادَل يظل وفق رؤية خارجية لا تغوص في الأغوار، وأن ما يُحِث على إقامة العلاقة هو الاحتياج اللحظي، والذي تتطلبه طبيعة المرحلة، لذا فالمتلقي لا يندهش كثيرًا حين يرى توالي الاصطدامات وخيبات الأمل.

كما أن الروح المسيطرة على أبطال الرواية روح انعزالية تحيل الشخوص إلى جُذُر منعزلة تعدم وسائل التواصل الحقيقية، وتكتفي بخيوط اتصال عنكبوتية لا تصمد طويلًا في مواجهة الرياح والأنواء

  وما نراه في سلوك الأبطال من انسحاب وتقوقع مع أول إخفاق يمرون به، هو ما أكدته "رحيل" في شطرٍ مهم من مذكراتها (عشتُ عزلةً في غرفتي لعدة أيام لم أستقبل خلالها أي مكالماتٍ سواء من رام أو من ناجي، وهذا ما أكدتُه على موظفي الاستقبال بعدم تحويل أي مكالمات لي وعدم إزعاجي أو الإفصاح حتى عن وجودي أصلًا في الغرفة).

إن روائيتنا الواعية أرادت رصد ما يعانيه الإنسان بصرف النظر عن دينه ولغته وجنسه، وكأنها تعلن على الملأ عن وحدة الإنسان ـــ أينما كان ـــ تجاه المعاناة.

ومن ذكاء الكاتبة حسن اختيارها لأسماء شخوص الرواية بما تحمله من دلالات، فــ "رحيل" ترحل عن سماء "ناجي" بمغادرة حياته، و"ناجي" قد نجا بابتعاد "رحيل" عنه و "أريج" رائحة العطر الذي جذب "ناجي" فخان "ماجي" (زوجته) معها، و "رام" يعني في عربيتنا الجميلة: المكان المرتفع، و"ماجي" تعني: اللؤلؤ (وهو غالي الثمن) بوفائها لزوجها قبل انفصالها عنه ولأولادها.

لقد آثرت "جيني حسين علي" وضع المتلقي في مدارات عالمها بهدف التطواف، ومشاهدة الأحداث عن قرب، واستشعار ما يموج بأعماق الأبطال وتفاعله.

 وهي ـــ في كل ذلك ـــ لا تقدم سيرة ذاتية لــ "ناجي" ولا لــ "رحيل"، وإنما تضيء لنا أعماقًا إنسانية تعاند الثوابت وتنحو نحو التمرُّد.