السبت 25 مايو 2024

حديث النفس.. أرجوحة!

مقالات2-6-2022 | 13:53

قد تنكرك الطمإنينة وتخاصمك الراحة.. فتتهاوى نفسك بين اهتزاز واهتزاز تشتاق معه للحظة سكون فى أعلى أو أسفل.. ومع كل هزة تأتيك صدمة يصاحبها وهن.. وتتساءل ماعذرك أيتها الأرجوحة؟!.. هل سنحيا بين سمو واختلال؟!.. أضنانا وأوجعنا كثرة الحراك وهرمنا وإنهارت قوانا.. ما عدنا نقدر على مر الدوار وكأن قانونك هو الحياة.. فاليوم صاعد والغد هابط.. وجهك ما عاد يهدأ.. كم اشتقت للأمان.. بعدما غرنى طول بقائى مرتفعا.. وظننت أنى طرت ولن أقع.. حلقت فوق السحاب وتوهمت أنى لن أعد.. رغم أنى طرت خفيفا أوقعنى الإنكسار!!.. أصبحت أحيا مختلا مهزوزا بين أفق تعذبه دائرة الحنين!!

 

تحيط بنا رياح الأيام وتفعل بنا ما تريد.. ترفعنا وتلقى بنا لأسفل.. تجعلنا نرقص ونتراقص ونتمايل فى فرح أو حزن.. تأخذنا تارات كثيرة فى صعود وهبوط وتعيدنا لكننا أبدا لن نكون أنفسنا كما كانت هى!!.. تأمرنا بالتوقف والتقاعد عن التأرجح متى أرادت.. فتلقى بنا فى طرقات وأزقة وربما سراديب فلا يرانا أحد.. ونجلس على أرصفة الحياة فما عاد مسموح لنا بالتأرجح.. لكننا نهتز فيما تبقى لنا من عمرنا من وهن لوهن وحزن لحزن.. بعدما فقدنا لياقتنا البدنية ومهارات التأرجح.. مشاهدين أقرب للثبات والسبات.. تنتابنا حالات وذكريات نلتمس فيها الزمن القريب.. وأصبحنا نلهث متعبين خلف ذكرياتنا وقت ما كنا قادرين على التراقص!!..نتحسس الأرض فى أماكن جلوسنا التى تأبى إلا أن تدور وتتحرك وتطحنا فى إهتزازات مختلفة فى رحلة جديدة من غربتنا مع أنفسنا.. ما بين ماض أصبح مستحيلا ومستقبل عز فيه التمنى وحاضر لا نملك فيه الكثير نغترب فيه عن أنفسنا يعززه شعورنا بغربة المكان.. حيارى بين الموجود والمنشود.. القلق والطمأنينة.. الإيمان واليأس.. التحدى والتراجع.

 

فى مسميات عديدة أطلقت على الحياة ما بين لعبة ومعركة وصراع تدفعنا وتحركنا كما تشاء.. فترفعنا لأسمى مكانة وتدنو بنا لأحطها.. تخترق قلوبنا وتغير مشاعرنا وأحاسيسنا فى محاولات للتخفيف من حدتها، مصابين دائما ما بين ألم وحسرة أو فرح غالبا عمره قصير.. وتجتاحنا عواصف الحياة ولا نعرف أى جهة تأخذنا.. ونتمنى أن نفك طلاسم عناوينها، فقدراتنا على الصبر ليست كبيرة.. فتارة تتناغم معنا فتدفعنا للرقص على ألحانها فى تقلبات وحركات نقدم لها الشكر والامتنان. وأخرى اذا ما اطاحت بنا فى خلاء نبحث عن أرض تحتويننا مجبرين على الرقص الحزين!!

 

الكل فى أرجوحة الحياة يندفع لأعلى وأسفل حتى أفكاره ومشاعره وأحاسيسه تحاول الاستقرار والاتزان والهوادة.. فما أشقى على الإنسان من البحث والهروب من منعطفات الكآبة، ومما يلاقيه من صدمات فى طريقه حينما يفقد الإيمان الصادق داخله فتتملكه الأوهام فيصبح مذبذبا بين هذا وهذا.. وهؤلاء وهؤلاء..و هنا وهناك، فيتوه فى صراعات تطيح برجاحة عقله وحكمته.. حتى اذا ما استقرت نفسه واتزنت وهدأت تصالح مع الحياة محاولا تحقيق أمانيه.. ولا يوجد أحد تخلو نفسه من صراعات تختلف فى حدتها من شخص لآخر.. وإلا فأين جهاد النفس فى مواجهة شيطانك القرين فهل نولد ملائكة؟!.. نحن بشر نحيا بجهاد النفس الأمارة بالسوء ومقاومة مرض الشهوة.. فنبذل جهودا لنهدأ.. وقد يكون الاهتزاز نفسه وسيلة للهدوء فى وقت قد ينكرك الهدوء نفسه وتخاصمك الطمأنينة.

 

ونتأرجح فى طريق حياتنا.. البعض يحلم أن يركن.. وآخر يتمنى العكس.. أو يبحث عن قسط من الراحة من مشقة الارتفاع والهبوط.. الكل مطلق سراحه فى الهواء.. ينخلع قلبه من هول التحليق الإجبارى فى مشهد ملئ بالتعب وصيحات الرعب خوفا من هول السقوط.. قد يكون فيها المعذب والمشتت، فليست الدنيا على حال مستقر.. هى الحياة التى لا تعرف الهوادة وزمان طبعه العصيان.

 

فى رحلة لا أحد فيها ينكر خوفه من أرجوحة لا تعرف سوى الحركة سواء بطيئة أو سريعة.. نترنح معها فى محاولات للانفصال عن أنفسنا أو حتى عن الواقع.. محاولين أن نوهم أنفسنا أننا أبطال خارقون..تخدعنا بهجة الأطفال فى الفرح بالهدهدة فنعلو فى سعادة ممزوجة بالخوف من إحتمالية السقوط.. نتشبث بحبلها خوفا من التمزق والانكسار فى الطرق المهولة.. نحاول سند ظهورنا وننسى أننا معلقون فى الهواء.. وقد نبحث عمن يسندنا وننسى أن الكل إما معلق فى الهواء أو يستعد لمعاودة الهبوط أو حتى على الأرض يستعد للصعود.. فى رحلة عنوانها الدوار.. والأحمق وحده من يتخيل أنه وصل للسماء وعانق النجوم.. لكنها اللعبة التى تحلو لنا، فنعيش المغامرة ونسعد بنجاحنا فى اجتيازها حينما نهبط بسلام على أرض متحركة ومعروفة بالدوران.. ولكن تظل قلوبنا معلقة بالارتفاع لنرى غيرنا فى مستوى أقل منا فى ملاهى الحياة المملوءة براكبى الأرجوحات متزاحمين ومتفرقين أو حتى فى طابور انتظار.

 

وكما هو حال البشر ما بين فقير وغنى تكون أحوال الأرجوحة.. فيحزن الغنى متى وجب عليه التخلى عنها ويفرح الفقير وقت تبديل الأماكن.. وقد يستخدم الغنى أكثر من واحدة وقد يتولى الفقير تحريكها من أجل الغنى..وغير مسموح أن يستأجرها أحد أو حتى يملكها.. فقط يصعدها بعض الوقت فى رحلة التيه الساحرة!!

 

لكننا دائما نحسد من إعتلى الأرجوحة ونعتبره أكثر حظا من غيره الساكن بلا حراك أو من تعذبه حركات أرضية وينتظر دوره فى سكون ورتابة وحرمان من متعة المغامرة ونشوة ضجيح أماكن تجمع الأرجوحات فى مقابل السكون الذى قد يصل للموت لغير معتليها يعذبه شغف تمنى الصعود وفى ظل خوف من طبيعتها المبهمة.. فلا أحد يعلم أين وكيف ومتى وماذا ستفعل به الأقدار.. فلا يقين يحملنا فى طريقنا مع رياح تلقى بنا أينما سكنت!!

 

وعلى الرغم من ذلك ترتبط الأرجوحة بالنزهة  فى الأعياد لكنها متعة محددة لأننا نختار شكل ووقت مكوثنا بها.

ورغم ما اعتادت عليه نفوسنا من كسل وفتور إلا أننا نتحمل التعب والدوار فى أرجوحة أمانيننا وأحلامنا تلك التى تسكن نفوسنا.. هى أحلامك فى العمل والحب والمال والسلطة وكل ملذات الحياة.. حتى الموت له أرجوحته.. وهى أداة عقابك وشعورك بالمشقة.. نختارها من بين كل الطرق أو تختارنا.. ليس لها علو واحد بل صنوف وأنواع شتى تصب جميعها فى متعة الإرتفاع محاولين الإرتقاء وكذلك الهبوط بأمان.. نريد جاذبية الأرض حتى لا نطير فى الهواء محطمين. وعلى الرغم من السعادة التى تكسو وجوه من وقع عليهم الاختيار للصعود إلا أنه يتوجب عليهم أن يتحلوا بالشجاعةلتحمل أوجاع الاهتزازات ومخاطره..التى يخففها قوة أحلامهم وآمالهم المعلقة فى السماء التى يروا فيها كل شئ.. وقد نضحى ونحطم الكثير فى سبيلها فتهلك أرواحنا لتحقيق جل طموحنا.. وقد نغمض أعيينا ونرسم على وجوهننا الابتسامة راجين الراحة فى صعود مخيف نتراقص وننسى معه آلام الخوف.. ليحين موعد هبوطنا المفاجئ راجين أن يكون آمنا فما عادت الأرجوحة مأوى ومسكن ومخدع لنا.. وحينها يأتى موعد لقائنا بالأرض المستقر والمستودع..فمهما سرت لأعلى لا يمكنك أن تحلق يكفيك التخيل، فأنت لست على الأرض كما أنك لست بطائر.. اكتفيت بأن تغمض عينيك خوفا من رؤية الأرض وأن تحلم بأنك طائر تحلق فى سماء.. فتسقط وتعاود وتسقط وتستمر حياتك هكذا.. تتأرجح محتارا مهزوزا ومغرورا لا ترضى بالأرض، رغم علمك أنك لست جزء من السماء.. عصفت بك أفكارك وأحاسيسك فأصبحت تائها.

 

 أصبنا جنون التائهين..و حسبنا الصعود والهبوط موطنا واكتشفنا أننا ما كنا غير لعبة فى يد أرجوحة الحياة.. يدفعنا الهواء وربما الأعاصير لبرودة وصقيع.. هوينا للأرض فما كانت غير صفيح ساخن.. معذبين فى رحلة صعود وهبوط آملين أن ينجينا الله من الهزات والمحن.. فلا أحد يعيش فى الهواء وليس الأسفل بالواحة الغناء.

 

 فى الأرجوحة ننشد أن نتهدهد.. وتأبى أن تقصف بنا حد التقيأ.. نرديها لعبة ومتعة وراحة.. فتلقى بنا فى غياهب التيه وعنان المجهول.. نريدها لنعانق بها الثريا فتقذف بنا على أكوام الثرى.. نريدها تلامس الأرض فى حنو فتدفعنا لجحيم الشهب.. نريدها وهما جميلا ووسادة حنونة وحلما ناعما فينقطع حبلها لنستيقظ على كابوس منكسرين.. فتسخر منا ولسان حالها كيف اعتقدت يامسكين أنك نستطيع أن تهاجر بالأرجوحة فى وجود سمته التغيير؟!

الاكثر قراءة