الإثنين 17 يونيو 2024

خطوط نهلة جمال المتقاطعة

مقالات11-6-2022 | 18:42

تصحبنا د. نهلة جمال عبر صفحات كتابها الماتع (خطوط متقاطعة)، والصادر عن دار المفكر العربي بالقاهرة، إلى أجواء عوالمها المفعمة بالصدق، والعمق، وجماليات اللغة وفنيتها، فهي تكتب المقال بقلمِ مبدعٍ، وترسم الخاطرة بريشة فنان.

والكاتبة بعبق فكرها تسعى إلى تعبيد طريق طويلة ما بين القلب والعقل، بهدف تفعيل التوازن الخامل داخل ذواتنا.

تقول الكاتبة في مستهل مقالها الذي عنونته بــ"سلطة الحب والكراهية": مَنْ لم يتعجب لثقل عقارب ساعته، فهي تزحف ببطء كلما ضاق صدره بحديث أو مكان، أحاديث نظراته لها تفصح للحضور عن مكنون عواطفه.. ويصرخ صمته وعزوفه عن الحوار (أريد الفرار)، إنها سلطة الكراهية التي هيمنت على الموقف، فبدلت الملامح وأخرست الحروف الطيبة، وتهاجمك مشاعر انسحابية تجاه الآخر، فهل تدرك قسوتها عليكَ.

إنها ترصد لحظات الضعف الإنساني في مواجهته ومجابهته للأزمات والخطوب، كما تُعلي من شأن المرأة بمشاعرها المتأججة، وأحاسيسها الرقيقة والراقية، وتحثها على إعمال العقل، وتَلَمُّس السعادة والجمال وتطوير ذاتها، فتخاطبها: جميلتي أنتِ ابنة قلب والدتكِ وقرة عين والدكِ، منذ نعومة أظافركِ تحلمين ببريق الأبيض، ونضارة ربيعية، تنساب أحلامكِ طموح النيل الهادئ على صفحة المشاهد الرومانسية، وتجذبكِ أحاديث الرفاهية مع قريناتك، ولكن الواقع صادم يا حلوتي.

وهي في ذات الوقت تنبذ الفساد بكل أنواعه، وتلفظ الاستبداد في كل صوره، وتطمح إلى عودة حلو الكلام إلى سقف حياتنا، وإيقاظ ملامح العطاء والوفاء والتضحية من سُبَاتٍ عميق، ونوم طويل.

غلاف الكتاب

وتشجب أديبتنا ما أسمته بـ"الابتزاز العاطفي"، لأنها تبصر فيه تقييدًا لحريتنا، وامتهانًا لخصوصية ينبغي أن نحافظ عليها (عليكَ إدراك أن من يلجأ لابتزازك عاطفيًا هو محتال، يطلب منك الكثير مقابل حالة ودٍ مزيف أو رفع العقاب بالهجر، فلماذا تسمح بذلك؟، عليك أولًا تحديد أنماط الابتزاز العاطفي التي قد تتعرض لها، وفكر بهدوء في مواجهتها، وناقش المبتز؛ أطرح حلولًا وسطًا.. فقط حافظ على اتزانك، وكن مدركًا أن من علامات النضج النفسي تحررك من قوى الابتزاز).

وتعرج بنا إلى حقيقة غاية في الأهمية، مفادها أن السلام مع النفس أغلى من الثروات والمناصب وغيرها.

وبتصوير فني راقٍ تقول د. نهلة جمال في إحدى خواطرها: صورة على حوائط الماضي بملامح بريئة، تعافر بنعومتها وتقنية ألوانها البسيطة هذا التقدم الفوتوشوبي لتجميل الواقع، وإزالة ندبات الشقاء على وجه الحياة.

وبنفس قوة التصوير بلغته الشاعرية تتألق: حاصروا الميادين بأحزمة حمراء، وقفوا على النواصي بهياكل الدُّمَى الملونة، ونادوا على العشاق أن الهدايا المغلفة تعويذتهم لفتح القلوب، سرقوا من اليوم معناه، وسلبوه قيمته بغرض الاتجار في بضاعة هزيلة يشترون بها لفائف الطعام والمزاح.

ولا يفوت كاتبتنا التحدث عن مواقع التواصل وغيرها على الإنترنت وما تحمله من فساد وزيف وانعدام أخلاق.

والكتاب الذي بين أيدينا يحفل بالكثير من الموضوعات الشَّيقة التي تروق ذائقة المتلقي في كل الأمكنة.

وفي نهاية هذا التطويف لا نملك سوى القول إننا بصدد كاتبة قديرة، تحمل في أعماقها عذوبة الكلمة، ورقة المعنى، وعميق الرؤى.