الجمعة 1 يوليو 2022

حديث النفس.. رفعت الجلسة

مقالات23-6-2022 | 11:15

ما بين محاكمات لأنفسنا وغيرنا نعيش ونحيا.. ندفع الثمن لتطهرنا الحياة.. مدائن المحاكم تشرع أبوابها.. فى تجمع لأناس على غير هيئاتهم يعتليهم الخوف من الأحكام والصدمة!!.. الكل على مسرح الجريمة ما بين محاكم أو مطلق سراحه ينتظر موعده..يتبارى الجميع فى التسابق للاتهام والدفاع.. يتلون نصوصا واعترافات مشوهة أو حتى كافية.. نحاكم مسلحين بالأعذار وننسى أن لا أعذار مقبولة فى محاكمات الحياة..فى أنحائها القلق والشماتة والعقاب.. فى أركانها ظالم ومظلوم وللقدر حكمه.. نسافر إليها فى رحلة حياتنا.. نستوطنها ونغادرها لنتعلم حكم وحكمة الأيام.. تحمل من يأتى موعده لزنزانته فتحبس روحه فى ظلمة الشجن.. ليصبح الكل مدان بين محنة وابتلاء.. لا رهان على فجائية الحكم فصلابة الأقدار قد تغلبنا.. فالزمن يقسو ويحنو فى محن الجراح.. الكل يحيا فى قصص وحكايات يملؤها الجنون والغرابة فى جلسات تشوقها خريطة الجريمة لتتصدر عناوين الصحف.

 

محاكمتى فكرة وقد تكون واقعا يجمع عوالم الأشخاص والأشياء وأحوال حياتنا.. عوالم نختلط بها بدافع من ضميرنا الساكن نفوسنا.. فنقترف أفعالا قد تربو لمستوى الجرائم أو تنخفض قليلا لنحو الخطأ أوتكون فى مسارها القويم.. المهم أن يكتمل المعنى المفقود، تحركنا مجموعة من الأسئلة الملحة والغبية فى نفس الوقت.. باحثين دائما عن الحقيقة بدلائل وقرائن، لكن كالعادة لا تعطى الأيام سرها لأحد، فنتوه وتضيع أعمارنا بحثا عن المستحيل، ونتعاطى مع الحياة ومع بعضنا البعض فنطلب المزيد من كل شىء رغم أننا لسنا ملائكة ولا شياطين بذور الخير والشر ساكنة نفوسنا.. بشر نحمل ملامح الإنسان يراوغنا الشيطان فننتصر عليه أو يهزمنا فنأخذ من خصاله.. نعبد الله وحده لا شريك له ونعلم أننا عصاه.. نكره الشر وتهفو نفوسنا للخير.. وإذا فعلنا الخير نفعله نسبيا وإذا طلبناه كان مطلقا!

 

طماع أريد الخير كله آجله وعاجله.. ضنين بالعطاء وأتمنى أن أكون معطاء.. أخشى ما يخشاه كل البشر، ولكنى أتوسل لرب كريم أن يمنحنى نفسا مطمئنة.. أحيا اليوم وأتوسم فى الغد الأفضل رغم أننى قد لا أكون فيه.. أبحث عن نفسى أو ما يشبهها وأعلم أنى قد لا أجدها.. أهاجر نفسى لغيرها لكنى أعود لها معتذرة وكلى أمل أن تسامحنى.. حكايتى حكاية كل البشر أبحث عن مرفأ حنون ومن يربت على كتفى ويمسح دموعى.. وماذا إذن إذا كنا جميعا باحثين عن نفس الهدف حتى وإن أخفيناه.. ولماذا لا نجده؟!.. باختصار لأن الكل باحث عما ينقصه فى وقت يبدو أن النقص عم الجميع ولم يعد لدينا ما نمنحه لبعضنا البعض.. فنحاكم غيرنا ونقسو عليهم وننسى أن نحاكم ذواتنا.. ولا أغفل أن منا من يحاكم ذاته لدرجة سجنها فى سجن عالى الأسوار.. قد يحكم عليها بالإعدام فيفوتها ما تبقى من حياتها.. وننسى أننا خطاؤون ننتقل من خطأ لآخر مقيدين بسلاسل أخطائنا.. وماكان علينا سوى أن نحيا بضمير حى حتى لا تموت فينا الإنسانية.. وأن القليل من اللوم والاتهام ونقد الذات يكفى لتصحيح مسار سلوكنا، وأن الافراط فى أحد الأمرين يجعل النفس فى حالة ضياع، وهنا ننتقل للبيئة المجتمعية التى يحيا فيها الإنسان وما تشمله من قوانين أو حتى قوانين كونية لكبح جماح النفس المنفلتة لتخلق نقطة إتزان بين المثالية والواقعية والوسيلة والغاية.. هى فلسفة الحياة التى تموج بين الخير والشر والحق والباطل.. فحياتنا ليست كلها أخطاء ولا صواب.. فيها نعيش جملة من التناقضات تتجاذب وتتنافر لضبط حركة حياتنا.

 

ننتقل بين محاكمات ندون فيها أعمارنا خائفين مما تخبئه الأيام ومن الظلم الذى تحمله إلينا.. فكل الاحتمالات واردة.. فإذا كنت فى وقت بعيد عن جلسات المحاكمة فاعرف أنك فى الجانب الهامشى من الحياة، لن ينالك منها غير الفتات ولن تعيش قصص تستحقها.. ولن تحصل سوى على مسودات لنفايات الآخرين، وإذا أردت أن تفز بالحياة عليك أن تتشابك مع محاكماتها.. لنجد بعضا منا يحيا وهم السعادة بعدم تأثره بوقع محاكماتها.. وفى الوقت نفسه يحرص على متابعتها من بعيد لأنه يخشى التيه فى منعطفاتها، فلم يعش عمره ولم يبلغ مسعاه.. إنه يحيا السراب باقتدار!!.. فمن منا كان فى وفاق تام مع الأيام حتى يتجاوز محاكماتها؟!

 

ونتساءل متى سيقع علينا الدور لنمثل أمام محاكمها، فى آخر العمر أم فى المنتصف؟!.. يا عزيزى المحاكمات محطات فى حياتنا قد تكون هادئة أو مفزعة وقد تكون بين هذا وذاك.. نلعب فيها أدوارا متعددة ليس بالضرورة دور الجانى أو المجنى عليه.. فقد تكون شاهدا وتتحول لأحد الحالتين، وقد تظن نفسك القاضى فتخسر قضيتك بغباء وغرور وقد تلعب كل الأدوار فى وقت واحد.

 والآن علينا الانتقال لقاعة المحاكمة، فهى تحوى المنصة وقفص الاتهام والمشاهدين الذين أخذهم الفضول لمتابعة محاكمات غيرهم، ونسوا أنهم ربما يكونون أكثر إجراما منهم.. لكن أخذتهم العزة بالإثم وعشقوا التلصص على عورات غيرهم.. وحتى الدفاع قد يكون مجرم فى دفاعه أو هارب من العدالة، فنحن أول من نحابى أصحابنا وأهلنا ونعتبره واجب علينا لنصبح كلنا مدانون حتى ترفع الجلسة!!.. وفى قفص الاتهام الجناة المقيدون بسلاسل، لكن لا تنسى أنك أنت نفسك مقيد بقيود حريرية لا يراها غيرك وتتحرك مخبئا إياها وتلهى نفسك بمتابعة جرم غيرك!

 

لتدور رحى المحاكمات بين مفردات القاضى الذى فى الغالب يلعب دوره القدر والدفاع والمتهمين والشهود منا نحن.

ولا ننسى الواقع خارج جدران المحاكمات الذى يفتقر للصراحة والعدل وأن المحاكمات نتيجة للاقتتال والصراعات فيه تدفع بالموجودين ليحتكموا للعدالة، التى قد تحمل أحكاما رادعة أو موقوفة التنفيذ.. ترتفع معها رغباتنا فى الفوز بأحكام لصالحنا التى لا تخلو من حلم التنكيل والشماته بالخصم ولا يهم أيا منا على حق ففى النهاية النسيان هو العنوان!

وما يميز هذه المحاكمات أنها مليئة بالتكرار والاستنساخ للعبر لتقديم صور لعلاقتنا مع ذواتنا والآخرين فى مواجهات لمخاوفنا فى مسيرة أخطائنا، تكون الحياة فيها مسرح الجريمة.. والمحاكمة مسرحية نمثلها ونحاول النجاح فى أدائها جناة أو مجنى علينا فى ظل وجود دفاع من بيننا يحاول أن يخلق فرصا منشودة لينجى موكله.. ربما صادف هذه المحاولات النجاح وربما كان مصيرها الفشل.. عذرا لا مكان لحسن النية ولا فرص للسماح أو مقاومة العقاب بإطلاق الآهات لتخفيف الآلام ولن تفيد المقاومة فقط عليك الاستسلام.

 

فى مشهد يتراقص كل من ضمته المحاكمة.. فها هو المتهم فى قفص الاتهام يلوح بعلامات النصر المزعوم ثقة فى البراءة أو تحديا للشامتين.. الدفاع يصول ويجول يرفع صوته ويخفضه فى حركات تمثيلية للتأثير على القاضى.. الوحيد الثابت فى صورة غير مرئى هو القاضى، فالكل يتخيله ويرسم صورة ذهنية له ينشد فيها العدل أو حتى الفرار بفعلته من براءة غير مستحقة.

فى الوقت الذى تحتل فيه صفوف المشاهدين مساحات أكبر من تلك التى يحتلها باقى الأطراف من قاعة المحكمة.. يراقبون بشرود ذلك الحدث أو متحليين بتركيز فيما يسمعونه يشتد مع إثارة المشهد المرتبط بنوع الجريمة وغرابتها، ومنهم من يتوحد إذا ما لامست أمرا فى نفسه.. قد يغمض عينيه وينسلخ عن الواقع لبضع لحظات من الأمل الكاذب فى لا شيء!!.. وكلما كان المشهد قاسيا كلما اشتد الإنصات وانحبست الأنفاس ليتوقف الجميع عند كلمة النهاية لينتهى كل شيء لكن لا تتوقف المحاكمات لغيرهم!!.. أو قد تكون مناسبتها فى نفس الوقت ذكرى تعيد على نفس صاحبها أخطاءه فينصب المحاكمة لنفسه التى تصور أنه تخلص منها ومن جروحها بمرور الأيام، لكنها تظل علامة واضحة فى صحيفة سوابقه.. لا يستطيع تخطيها ولا نسيانها أو حتى تجاوزها فى المستقبل.

 

ولا نغفل الخارج وكأننا فى لحظة توازٍ مع حياة الموجودين به.. ينتظر من قضى عقوبته أو حصل على البراءة أو من يأتى عليه الدور للمحاكمة.. فالكل إما مدانا أو ظالما أو مظلوما.. هى القصة والحكاية.. والشرور التى لا تنتهى على الأرض.. وقد تكون العقوبة الدواء لتهذيب النفس حتى ولو كنت مظلوما لتصبح شاهدا على عدم الظلم، وتسلح نفسك بقول الحق وإقامة العدالة.. وإذا كنت مدانا تنقى وتطهر نفسك من الظلم.. ولسنا سواء فى قبولنا للأحكام مهما كانت سطوتها فمنا من يتمرد ويهرب داخل نفسه أو خارجها أوربما نحو الهاوية!

 

لنحيا جميعا فى محاكمات الأيام بين ظلم وبراءة تدور بنا الدوائر بين يوم يشهد براءتنا وآخر فيه نظلم وننتظر العدل.. وقد نتخطى الأيام فى رحلة إثبات براءتنا نتجرع الظلم ومر الشكوى وذلها فى محاولات بائسة لكل شيء.. وأنت تحاكم وتتحاكم يضيع منك شيء جميل دون أن تشعر هو عمرك وسط سارقين لا تتم محاكمتهم.. هلاميين غير مرئيين هم الزمن والأيام التى تسرق راحتنا وصحتنا.. ومتى تقابلنا مع الحياة فى أعقاب المحاكمة نحاول أن نحتضن الواقع لننجو لا لنعيش ولسان حالك قضيت عقوبتى فى مواجهة الحياة!

 

 ولا تمر رحلات المحاكمات دون خسارة أو ألم يملأ نفوسنا.. فمع كل محاكمة نفقد جزءا مما حولنا قد يكون أصدقاء.. أحباء.. مالا.. لكن فى النهاية يتبقى لنا القلة القليلة، فى تقديرى أنها الأصدق وهى ما تحتفظ بها السنون.. ونصاب بألم المحاكمة والدفاع عن النفس وألم التعاطف مع المظلوم وألم الواقع ونواقضه والخوف أن تدور بنا الدوائر.. لتظل المحاكمة قصة تكتب فيها الدوافع لوجودنا وصراعنا فى محاكمات علنية أو سرية.. لا هروب أو فرار من كلمة القدر: فى رحلة تحمل انكساراتنا وانتصاراتنا.. ما فر من حكمها غير من منحه القدر لطفه.

فى جلسات تكتمل أولا تكتمل أو ترفع للمداولة.. ربما قدرنا أن تأخذنا للمحاكمة النهائية بالموت وحينها ترفع الجلسه وتجف الأقلام وتطوى الصحف.. وقتها نموت جسدا لا روحا وتتوقف المحاكمات الغبية والعبثية فى محاكم أخيرة منتظرين الجنة أو النار ومن خلفنا حياة مازالت مليئة بالأحكام والركض والكلام والصمت.