الأربعاء 10 اغسطس 2022

حديث النفس.. بتوقيت القاهرة

مقالات30-6-2022 | 18:02

فى عمق الشر قوته.. أعلن الشعب ثورته.. فلا قيمة ولا معنى للحياة بدون مرارة الجهاد.. بعدما عادت صدورنا للأنفاس غير محتملة.. ولا لتكديس الحسرة مختصرة.. طردنا الإخوان فى طريق بغير رجعة فكتب المصريون أسطورة تحررهم.. وما النصر إلا بالتضحيات والبطولات محقق.. شرف الشجعان رايتهم وإخلاص المؤمنين داعمهم.. ليوم نصر ذاهبين.. بالصيحات ينادون أنسيتم من نكون؟! أنا المصرى قوى العزيمة.. هيهات لبشر أن يكسر عنادى فى أيام خلت وغيرها آت.. فأتوا من كل حدب وصوب.. فى تلاطم الأمواج تتابعوا دون زوال.. تراصوا كالبنيان المرصوص.. أعلنوا ثورتهم فكانت كالزلزل .. ثورة ماضية للأبد بلا نهاية ولا عدم !!

لا تخلو أعياد الثورات من استرجاع النفس لذكرى أحداثها.. وعلى الرغم من السعادة التى تطغى على النفوس من فرط النجاح المحقق لأهدافها.. إلا أن الذاكرة انتقائية تختار ما تشاء وتنسى أخرى.. لكن الأمر يختلف ما بين أحداث شخصية تعمد النفس نسيان معاناتها وأحداث تاريخية يكتبها الأمس والحاضر يكون فيه الغد نتاج تراكيبه وتراتيبه التى تتحكم فى مساره.. فثورة يونيو حفرت مكانا فى قلوبنا نعجز عن نسيانه.. فنذكر معها النصر ونكرر على أنفسنا مرارة التجربة التى عاشاها المصريون مع جماعة الإخوان الإرهابية، والتى حاولوا فيها صنع حياة مليئة بالكذب تحت دعاوى الحرية والعدالة والتغيير!!.

كم كانت فترة قاسية على حياتنا زادت فيها حدة الصراعات وحكمتها مفردات شاذة عن طبيعة المصريين.. فاتخذوا من القوة والتمكين ستارا ليكرسوا بالباطل السيادة التى تدعمها تيارات الشرعية والفتاوى الغبية.

 عشنا عاما عصيبا ومربكا ومرعبا شعر معه المصريون بالاختناق والضمور، وامتلأت نفوسهم أسى وحسرة أحالت حياتهم لمتاهة، غلبت فيها الكآبة على كل أوجه الحياة.. وأصبحت الفوضى عنوانا للبلاد فاتخذت موقعا على خريطة الانفلات الأمنى بعدما كانت واحة للأمان.. فغدت بلادنا تائهة وسط شماتة الشامتين من أعدائنا فى الداخل والخارج.. فى وقت سيطر القبح على مظهرها وتدنت الخدمات بكل أشكالها وأصبحنا نحيا بين ظلام الطاقة والعقول، فكان البؤس عنوانها من الداخل والخارج فى وقت أصبح الوضع المتردى فى البلاد يفوق مجرد التذمر والشكوى واللوم.. تنتقل فيه أحوال البلاد من سيئ لأسوأ.. يشتد معه تيار الإرهاب على جنودنا من الجيش والشرطة عند بوابتنا الشرقية فى سيناء وغيرها من محاولات أخرى لاختراقات أمنية على حدودنا الغربية، ناهيك عن الوقفات التمثيلية والمسرحية التى لا يمر أسبوعا دون زرع القناعات المزيفة المحملة بجملة من الأكاذيب والاحتيالات والتربصات لزعزعة أمن الوطن.. فأصبحنا نحيا فى وطن ممزق.. الكل مهدد فى سربه وفى بيته وأصبحنا لاجئين فى منازلنا.. الشوارع تملؤها الحوائط الإسمنتية.. ومدينة الإنتاج الإعلامى تحتلها جماعة أبو إسماعيل واعتبروا هذا الصرح ثكنة لهم.. ناهيك عن الاشتباكات اليومية بزرع الاقتتال والفتنة بين أبناء الوطن الواحد من مسلمين وأقباط.. يبثون السموم بين أبنائه.. وأصبحنا أعداء وخصوما متربصين لبعضنا البعض.

وغدت شوارعنا حزينة منكسة الرأس خاوية من الدفء والأمان.. الكل فى تقاتل وتصارع تشعر معه أنك غادرت مصريتك لفترة ليست بقصيرة رغم أنه عام واحد.. إلا أننا شعرنا معه بالغربة وأصبح الكل يحيا فى سراديب ومتاهات وحيرة تحتلنا فيها الرؤى الضبابية بعدما أصبحت البلاد فى مهب الريح.

واحتقنت نفوس المصريين المخلصين حد الاختناق من جماعة تمتلئ نفسها بالغباء تريد أن تمحو ملامحنا.. فغابت البسمة التى عرفتها وجوه المصريين.. وأصبحوا كالطيور الجرحى فى مشهد التدنى هو الغالب فيه على أوجه الحياة، فتولدت الرغبة فى الخلاص فلسنا ببلاد هشة ولا سهلة التفتيت.

وأصبح لا مفر من الصدام والمواجهة التى لا تقوم على مجرد طموحات ولسان حال الجميع لن تبنى الأوطان بالعبث والتراخى! وتشاء الأقدار أن يتولد لدى المصريين نتيجة المعاناة من حكم الإخوان مناعة قوية للدفاع عن كيانهم وهويتهم التى أصبحت تتهدد بشكل واضح.. ودفعهم الجرح للتوحد ونادوا بعضهم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا!!.. واندفعوا لاستعادة وطنهم موقنين أن مستقبل بلادهم مرهون بمواجهة الإخوان، وأن النضال فرض لمواجهة جماعة منحرفة شوهت وجه البلاد ولتحقيق نصر لن ينال إلا بالتضحيات والبطولات وإرادة الصمود.

وواجه الجميع الموت بصدر رحب وهم يعلمون وجود أياد شيطانية وتنظيم دولى يدعمهم ومن خلفهم الولايات المتحدة تحيك المؤامرات لصالحهم فى الخفاء والعلن.. والتى لا ينكر أحد أن ما يحدث فى مصر جزء من مؤامرة على الشرق الأوسط كله.. فالكل التقى فى مخطط واحد بهدف الوصول للتفكيك والتقسيم والهيمنة.. إلا أن المصريين قالوا لسنا قوم تبع.. ولم يعبأوا بتهيدات المليشيات الإخوانية ولا القتل ولا الصلب والتقطيع من خلاف بحجة التكفير وبابه المزعوم لإزهاق الروح وكان أكبر دليل على ذلك التنكيل بالثوار فى أحداث الاتحادية.

وأيقن الجميع أن البلاد فى نفق مظلم لا محالة.. تضيع معه كل مكتسبات سنوات الكفاح، فقد طال القتل أبناءنا من الجنود الصائمين فى نهار رمضان فى قلب سيناء والأبجح أن يزور مرسى القاتل موطن استشهادهم، حيث يريدها مرتعا لأهله وعشيرته.. فأصبح الجميع يشعر بالحمل الثقيل الذى يفوق قدراته.. بشكل تفور معه الدماء فى العروق وتشتد معه رغبتنا فى البحث عن سبيل لمواجهة الانهيار والأمل المفقود!!.. فى وقت أصبحت معه البلاد على مشارف الاحتضار.. منكسة الراية.. يعم الارتباك كل شيء.. ناهيك عن المؤشرات الاقتصادية السالبة والاحتياطى النقدى الذى تآكل لسداد احتياجتنا الاستيرادية.. وأخونة الجهاز الإدارى الذى منى بالفاشلين الذين زرعوا الفتنة ونشروا الفرقة بين أخوة الوطن وفهم الدين بغير حقيقته وغير إنسانيته ومنحوا ومنعوا المواطنة على حسب هواهم لأبناء الوطن الواحد، ونسوا أن المواطنة حق لكل مواطن مهما اختلفت ديانته طالما يؤدى واجب مواطنته ووطنيته على أكمل وجه.

وفى ذكرى عيد ثورتنا علينا التوقف على أوتار ماض ليس ببعيد وحاضر نحياه ونتأمله لنطلق تساؤلات واجبة.. ماذا لو لم تكن هناك ثورة  ٣٠يونيو؟!.. ماذا كان سيحدث إذا لم نصحح مسار اختيارنا الخاطئ وكان قدرنا أن نتوقف عند هذه النقطة واستمر حكم الإخوان؟

ليصبح لزامًا أن نعيد النظر فى كل شيء وفيما كانت ستؤول إليه الأمور ونحن الآن بإمكاننا أن نلتقط الأنفاس وننظر من خلف نافذة نطل منها على ما مررنا به من أحداث لم يمحو الزمن أيا من ملامحها بعد.. فمأساة حكم الإخوان ليست بالبعيدة وثورة المصريين ودماء الشهداء والأبرياء ما زالت ذكراهم حية تنزف فى القلوب.. فعلى الرغم من سعادتنا بنجاح ثورتنا لا أحد ينكر ما كانت ستتعرض له البلاد من مخططات التقسيم والتهميش.. التى تؤكد أن البلاد كانت ستقسم إلى ولايات إسلامية يسكنها الدواعش والظلاميون والإرهابيون.. وكانت ستعيش فى ظلمات الجهل والفقر.. ولن نذهب بعيدا فالسيناريوهات عديدة فى المنطقة.. اختر أيا منها وتصور حالك مثله.. ولا تنس وأنت تتخيل مصيرنا المشؤوم أن ترجع الحق لأصحابه.. الشعب الذى خرج بالملايين ولم يحسب حسابا لاستشهاد أو سقوط ضحايا.. والجيش بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى الذى حمى المصريين وانتصر لإرادته والشرطة التى رفضت إطلاق نار أو حماية مكتب أو منزل المرشد.. الكل بطل يستحق التتويج.. الكل أسهم فى استئصال ورم الإخوان السرطانى من جسد مصرنا الغالية فجعلها تقوى وتستأسد وتستعيد عافيتها.

فثورة يونيو ليست عملا فجائيا ولا عبثيا وليد اللحظة وليست حلما استيقظنا على تحقيقه.. يونيو ثورة كل المصريين الذين رفضوا الأصولية والراديكالية.. شعب وسطى يرفض التشدد. اعتاد المعارك ووجد فى الإخوان سالبًا وحدهم فى موجب مواجهتهم فتولد لديه التحدى وفعل المعجزات.. فأصبح الجميع يستحق البهجة بالانتصار ليأتى عيد ثورتتا المجيدة بتوقيت القاهرة.. لا يهم صباحا أم مساء.. فالمصريون خرجوا للميادين قبله بأيام.. ليغيروا خريطة العالم ويطردوا الإخوان من المنطقة بغير رجعة من قلب القاهرة.. فى مواجهة لنصر محقق.. متسلحين بإيمان لا يزول قلب كيد الكائدين.. ففى عيدنا نحتفل ونتوسم حياة جديدة.. نحتضن الأرض الطهور المروية بدماء الشهداء.. عيدنا بشرى للصابرين رغم جراحهم من فقد ذويهم.. عيد فيه الكون ينشر روح وريحان فى مشهد من الجمال يملأ نفسك طمأنينة وراحة وعزة.. فيه الكل يعزف أنشودة ترحيب بمولد نور الحرية.. فيه المصريون يتسابقون للاحتفال والعالم يقف مشدوهًا أمامهم.. منهم من يتابع بترقب وحذر وآخر فى إعجاب وغبطة يتمنى أن يصبح مثلنا.

 وحتى لا أكون مقصرة فى مقابلة نفسى لذكرى عيد ثورتنا واستعادة أحداثها بكل أمانة وصدق فإننى أحمد الله أن يكون قدرى أن أمد فى عمرى لأوثق أحداث ثورة عشثها.. ربما نسيت شيئا.. وربما لم أقل كل شيء.. لكن قدر الكلمات ألا تنتهى فى حب ثورة صارت أسطورة المصريين.. ثورة أكبر من الكلمات والأسئلة والأجوبة لا نمل الحديث عنها.. نستعذب ذكراها فما أجمل من أنشودة النصر وبهجته.