السبت 13 يوليو 2024

حديث النفس.. طريقي المعاكس!

مقالات28-7-2022 | 12:02

نحن والمرض فى ضيافة الأيام.. يهاجمنا ويتساقط علينا دون استئذان.. يهزمنا سلطانه.. فتتزاحم علينا لحظات مؤلمة تعجزنا.. يأتى ويرحل ويترك الذكرى فى أجسادنا.. وقد يأبى ألا يرحل إلا برحيل صاحب الجسد.. أجسادنا الضعيفة لا تقدر على الوقوف والمقاومة فيدفعها ذلك الملعون للانهيار سريعًا.. فتراودنا فكرة الموت.. ونصبح أحياء بين السقوط والنجاة.. فى المنتصف محاولين التعافى.. ولسان حالنا ما بال المرض يعرفنا على أنفسنا فى مواجهة الحياة ما بين صامدين ومستسلمين.. كم خجلنا من أنفسنا فى امتحان المرض بعدما شعرنا أنه لم يتبق لنا الكثير فى هذه الحياة.. سيدى المرض هل تنازعنى فى العودة لما فات من حياتى؟ أم أننى سأستعذب طريقا للعالم الآخر.. أم ستفتح لى طريقاً للسلام مع ما تبقى من حياة؟

 

قضيت الكثير من حياتى أعانى من رهاب الإصابة بالمرض رغم كل محاولات تسليح نفسى روحانيا ومناعياً.. إلا أنه لا راد لقضاء الله.. حتى أتى مفاجئا.. لم يترك لنا فرصة لأى مسودة خططنا فيها ذلك الاستقبال.. من أخبار وحكايات عن أمراض شتى ملأت العالم من حولنا.. حاولنا فيها التعرف على الأعراض واكتساب الوعى للوقاية أو حتى المبادرة للعلاج.. لكن كالعادة المرض لا يستأذن ومعه نصاب بهزة فى الزمان والمكان.. ليأخذ من أيام عمرنا ما يجعلنا ننتظر مرور الزمن أملًا فى الشفاء.. فتلقى التجربة بظلالها على علاقتك بكل شيء حولك.. فيتغير جوهر الأشياء التى تكفل عيش تجربتك مع المرض بأدق تفاصيلها.. فى وقت يجعل المرض حياتك قاتمة حسب شدته، وخاصة إذا ما كان فيروسا غريبا حصد أرواح الملايين حول العالم.. وقادرًا على التحور السريع ما يجعل عقول الأطباء تحتار معه.. ليصاب الجميع بالدوار والتيه فى الهنا واللاهنا.. فيروس كورونا الذى ما زال يصر على أنه مستجد.. اختبأ بعض الوقت وأوهم الجموع أنه اختفى حتى فاجأ الجميع بموجة عاتية من الإصابات جعلت لكل شخص كتالوجا فى الأعراض وشكل ومدة الإصابة.. يؤثر على توافقه العقلى مع الإصابة الجسمانية، ليصبح لكل شخص حكايته الخاصة وتجربته المؤلمة معه.. فيروس غريب يفقدك التركيز ويجعلك فى حالة شتات وعدم اتزان مع ذاتك ومع البيئة المحيطة بك.. قد يرى البعض أننى أبالغ فى الأعراض لكنى بعد مدة من استجداء التركيز أستطيع أن أنقل بأمانة ما أصابنى من تغييرات نتيجة الإصابة.. الذى يفوق أعراض نزلات البرد القاسية.. يؤثر على الحالة المزاجية والعصبية للشخص المصاب الذى ينتقل بين الأعراض فى صورة طفرات وكأن المرض يختلط بشيطان يجعلك تتنقل بشكل سريع وغريب بين الأعراض.

وكأننا أصبحنا بحاجة للمرض للتعرف على أنفسنا من جديد ليكشف عوراتنا والزيف الذى يحتل نفوسنا.. لتكشف صدمة المرض عنا أثواب التجمل والحكمة والعقل الراجح التى نتدثر بها.. ونتبادر ونتسابق للتحلى بها فى ماراثون الصور الاجتماعية الهشة.. ليصبح الابتلاء بالمرض اختبارًا للصبر وحبس النفس عن الجزع والترفع عن السخط فننظر إلى أنفسنا أنشكر أم نكفر.

ووقت إصابتك بأى مرض يتحول فيها المرض من مجرد فكرة إلى واقع معاش.. معه تبدأ البحث عن طريق للحياة بعدما سيطر المرض على جنباتك من الداخل والخارج.. وتبدأ بالشكوى التى إن تجاوزتها فإنك تدرك أنها قد تكون غير مجدية.. فتزداد رغبتك فى الشفاء وتقاوم محاولات الانهيار والسقوط فى محاولات تمسك البائس بالحياة.. وقد يغلب التعب على أنحاء جسدك فى معادلة صعبة لإنكاره فتطالب المرض بألا يأخذ من عمرك أكثر مما يستخلصه الموت الذى لا مفر منه فيزداد تمسكك بالحياة.

وتشتد الرغبة فى النجاة وتنكر فكرة الموت وتشعر وكأنك تصعد سلالم المرض راغبا فى الشفاء.. فتتعلق فى المنتصف بين السقوط والنجاة.. ومعه ترغب فى التحليق فى فضاء واسع حتى ولو كان فراغا فى اللا شيء.. لكنك ترفض أى مصير يبعدك عن الحياة.. فتتولد داخلك قوة غريبة وإيمان لتصل للشفاء.. ولكن نظرا للمعاناة التى أصابتك فإنك تشعر بأنك تسير فى طريق معاكس قد يخيب معه رجاؤك وتفقد غاياتك فى الشفاء السريع.. أو حتى تتولد فى ذهنك كل أفكار حكايات الشفاء الفاشلة فتعجز نفسك عن رسم مصائر جيدة تخرجك من حالة اليأس المصاحبة للمرض.. فتستحضر دلائل ومعانى تؤيد هذه الأفكار السلبية التى تجعل نفسك تتوه فى طرقات مليئة باليأس.

إنه اختبار المرض الذى نصبح بحاجة إليه لنركن لأنفسنا.. ونبحث عن هويتنا.. ومعه قد نتمسك بالحياة أكثر.. وقد يدفعنا التأمل أن نصبح أكثر نضجًا أو قد نزداد فى عدم الاتزان!!.. فالصراع الداخلى الناتج عن هزة المرض يجعلنا مملوءين بالحلقات الفارغة المعقدة فى تعاملنا مع ما حولنا.. فى وقت يدفعنا هذا الصراع لخارجنا فنصنف الآخرين ونميل لتشريح حالاتهم.. وإذا ما كنا من الوضوح مع أنفسنا نتفهم عيوبنا والعكس قد يحدث فترى نفسك تنكرها وتسقطها على الآخرين.. وقد نتحرك دون أن نشعر لإيذاء غيرنا.. ليصبح الجميع عرضى للسير عكس الاتجاه تحت وطأة المرض.. حتى فى تجاوزنا للأخطاء.. كثيرا ما حاولت تجاوز أخطائى لكنى كنت أفشل مع جدلية الخطأ.. فالخطأ ممتع والاستمرار به له لذة.. لا يوقظنا منها سوى سقوط أنفسنا وحيدة.

فقد يكون فى ابتلاء المرض الفرصة فى الذهاب للسكون والركود مضطرين.. فنعاهد أنفسنا على التغيير لكن ما نلبث بعد الشفاء والتخلص من حالات الوهن والضعف مخالفة العهود وارتكاب نفس الأخطاء ونفس التكرار.. لأننا فى حالات الألم لا نرى الأمور على وجهتها الحقيقية.. فقد يزعجنا السكون والضجيج فى نفس الوقت.. ولا نرى هويات الأشياء إلا من منطلق آلامنا التى تستحوذ على نفوسنا مهما اجتمعت مكونات الزمان والمكان سيظل المتحكم فيها هو الألم وحده وكل شيء يعكس ويفسر من خلال ألم صاحبه.. ولا تتعجب فصحيح العقل صحيح البدن وليس على المريض حرج.

ودائمًا نخشى حالة استمرار أو استدامة المرض والحزن فنرفضه ونتحرك هروبا من قبضته حتى يسكن الارتياح نفوسنا.. فنحاول التطهر من المرض بالندم على أخطاء ارتكبناها أو حتى بحالة القبول والرضا متوسلين لله أن يرفع هذا المصاب عنا.. وقد نذرف الدموع إمعانا فى التطهر، ولكن تظل دمعة واحدة عزيزة لا يراها غير صاحبها هى دمعة الاستسلام التى معها يتوق صاحبها للعودة لذاته فى فترات النعم والصحة.

الكثير والكثير قد يتمكن فى نهاية الطريق من الوقوف على أقدامه مصححا مساره بالندم والتوبة.. وقد لا يتمكن البعض فكلنا أطفال فى ارتكاب الخطأ حتى تأتى اللحظة التى نتمنى أن نكون فيها أقوياء، وقد تكون لحظة المرض أمر هذه اللحظات.. لنصبح ضد أنفسنا الضعيفة.. فجميعنا يمر بلحظات انهيار قد تكون مرضا أو سكونا أو هدوءً أو خلوة مع النفس بعدما تعبنا من ممارسة لعبة الهروب منها وإليها فى فترات ازدحمت الحياة من حولنا فألقينا بأنفسنا داخل هذا الزحام حتى لا ننصت لأنفسنا وتتسلط علينا أخطاؤنا فى صورة الجلاد الذى لا يرحم.. فنعشق الكذب والخديعة البديعة فلا تتحمل أنفسنا وطأة الحقائق.. أو هكذا نصبر أنفسنا ونوهمها.. رغم أننا دائما نكرر على أنفسنا حبنا للحقائق التى لا نريد أن نسمع غيرها ومطالبتنا الكاذبة بقول الحقائق والصراحة.. لكننى مثل غيرى أغضب منها سريعا.

وبسبب ما نصاب به من تبعثر وتشتت فى رحلة المرض تجد نفسك لا تكف عن طلب الشفاء والسعى إليه حثيثًا بكل ما أوتيت من قوة.. هى الحياة التى نصنع دائما أسلحتنا ودروعنا من مآسينا ومتاعبنا وآلامنا.. فتسعى نفوسنا إلى النور والخير والجمال حتى وإن كانت آثمة أو غير مستحقة لأننا دائما نريد أن نصبح على قيد الحياة بأسباب الحياة والخير بشيء من الأمل حتى ولو كان وهما.

وكأن المرض يغيرنا.. مؤلم لكنه مطلوب.. فنصبح بحاجة للمرض كى نرى أنفسنا مجردة من أوهام كثيرة.. وكل لحظة ألم تدفع الإنسان دائما للندم على كل معركة خاضها.. ومشاعره التى جندها للحرب ولسان حاله أى هلاك كنت أدفع نفسى إليه!!.. وأى حياة هزلية جعلتنا مصابين بالوهن والضعف ما جنينا منها سوى الخسارات والآلام.. محاولين إنكار كل لحظة مؤسفة لنتعافى بسرعة من أى شيء جعلنا على غير عاداتنا.. ومن أى شيء جعلنا نشعر بالموت أكثر من مرة فى الثانية الواحدة.. فنصاب بشيء مضحك ومريب فى ذات الوقت يجعلنا نسير خلف الحياة بمشقة!!.. وتسخر من نفسك بأنك كم كنت تهدر طاقاتك فى تفاهات أصابتك بالعجز.. وهنا نفرق بين شعورك بالعجز وإصابتك به فعلا.. فتراجع نفسك المبعثرة بين حكايات متشعبة وعلاقات مفككة وانتماءات خاطئة فى كل أمور وعوالم حياتك التى تجعلك كلما تتقدم خطوات ترجع للوراء آلاف الخطوات.. وتسخر من كونك كم كنت موهوما بأنك تتملك زمام صحتك وجهدك.. وأنك من تتحكم فى الواقع دون مرونة منك صلبا متجمدا تفرض نفسك على وجود أثبتت تجربتك مع المرض أن الوجود هو الذى يدفعك لترسم سيناريوهات لمواجهته وليس العكس.. لتخلق طرقا صالحة للعبور.. تصبح فيها تجاربك القاسية خططا للانحناء مع الطرق الوعرة والمنعطفات والمنحنيات التى تملأ حياتنا.. ليخلق لكل منا رؤية تعينه على مواجهة الحياة.. تحتار معها كل الآراء السطحية والنصائح المعلبة التى نلقيها على مسامع بعضنا دون عمق.. فى وقت يصبح كل منا بحاجة ليده أولا لتقديم العون أكثر من أى أيد أخرى.. فنحن نعيش حياتنا فى سلسلة من المعايشات المرهقة والصعبة نصارع فيها الموت بالنهم فى العيش.. فلا نحن حققنا الراحة من هذا النهم ولا احتوانا الموت على الرغم أنه يزورنا صباحا ومساء.. ونتوهم أننا نفر منه بالتمسك بأسباب الحياة.. لكنه يكتفى بإلقاء النظرة والسلام علينا حتى يصينا بالكوابيس والصور المفزعة لنا فى نومنا.. حتى يتلقانا مسالمين فى نهاية الطريق لنحيا مصابين بالدوار فى رحلة أيامنا التى نقضيها فى الجرى واللهاث حتى نضعف فى نهاية الرحلة فنصبح غير مسلحين بما يكفى لمواجهة معركة التنقل بين حالاتنا الوهمية.. المرض فيها عنوان رئيسى يذكرنا أننا فى حياة على مشارف الموت.. لا خلود لأحد رغم رغبتنا الأصيلة فى تحقيقه فى طريقنا المعاكس مع الأيام.

الاكثر قراءة