الثلاثاء 16 ابريل 2024

الإرهاب المتأسلم وفكاكه (4)

مقالات1-9-2022 | 12:09

تنطلق مطالب تقليص نشر الثقافة الإسلامية والحد من تعليم موادها واستبعاد تدريس صنوف منها وإلغاء معاهدها المتخصصة أو تقزيم دورها، من دعاوى تتحدث عن أن كل هذا من شأنه تجفيف تربة الإرهاب المتأسلم.

ولمجادلة تلك الرؤى علينا بدايةً التأكيد على أن حوارنا ينطلق من أرضية مشتركة تنظر للإسلام باعتباره دين رافض للعنف، لأن لو الأمر بخلاف هذا فلا جدوى من النقاش بالأساس، وإنما الأولى لمن يرون فيه إرهاباً الدعوة لاستبعاده من الحياة أصلاً.

 إذن، فحوارنا ينطلق من اتفاقنا على أن بالإسلام نقاءً يناهض التطرف والإرهاب، وأن ليس فيه ما يخيف أو يعيب، ومن هنا علينا أن نتساءل أيهما أكثر استجابة لمثل تلك المفاهيم المغلوطة؟!

 الذهن المحصن بتعاليم الإسلام القويمة أم الذهن المسطح الخالى، فإقصاء الثقافة الإسلامية أو تهميش تعليم موادها يعنى ترك فراغات واسعة بالأذهان تجاه قضية حيوية تمثل حاجه أساسية لها شئنا أم أبينا، ومن ثم فمن المتوقع سعى أصحابها لتلبية حاجتهم من السبيل الذى يتيسر لهم سواء أكان معتدلاً أم متشدداً أم متطرفاً أم عنيفاً أم إرهابياً.

لذا فالأجدى لا شك تحصين الأذهان بمفاهيم الدين السليمة لأنها هكذا تكون أكثر قدرة على رفض كل ما يخالف معانيه السامية، فى حين أن الأذهان الفارغة من مضامينه وحقائقه الأصيلة قابله لاستقبال أى شيء وكل شيء.

ومن الزاوية نفسها، فإن استبعاد آيات الجهاد أو تجاوز سور قرآنية أو أحاديث نبوية بعينها أو تخفيض مستوى تناولها يحمل ذات المخاطر، فاستبعادها أو تهميشها لن يلغيها بالطبع، ومن ثم فالأفضل تحصين الأذهان بمفهومها الصحيح بدلاً من تركها تبحث عن فهم لها لدى آخرون غير معلوم كفاءتهم أو خلفياتهم أو سلامة نواياهم.

أما مطالب إلغاء المعاهد الإسلامية المتخصصة أو تقزيمها فمن الأفضل النظر فى رجحانها أو إخفاقها بالعودة لمن درسوا الموضوع أو خبروه بشكل علمى وعملى، وليس من تناولوها انطلاقاً من خلفيات أيديولوجية أو تحيزات مسبقة.

ومن هؤلاء الطبيب النفسى مارك سجمان (كان عضواً بمجمع بحوث السياسة الخارجية الأمريكى وسبق له العمل بصفوف المخابرات الأمريكية بأفغانستان) الذى انتهى من دراسة رقمية قام بها لحصر هويات الإرهابيين المتأسلمين، لأن غالبيتهم ينتمون لتخصصات علمية طبيعية وأن ندرة منهم هم ممن تلقوا تعليماً دينياً بشكل أو بآخر.

وهو ما حاول أستاذ علم النفس السياسى قدرى حنفى تفسيره بأن إعداد طلاب التخصصات العلمية الطبيعية لا يتضمن طيلة سنوات تعليمهم مقرراً دراسياً واحداً يتعلق بالمنطق والفلسفة أو تاريخ الفكر أو ما إلى هذا من موضوعات تحمل شبهة تعليم المنهج العلمى النظرى أو الإشارة لمدى نسبته للحقيقية.

وأضاف بأن مما استلفت نظره أن قوائم الإرهابيين تكاد تخلو من أبناء الأزهر إلا باستثناءات قليلة، وأرجع هذا لأن الأزهرى يعتاد منذ بداياته على سماع أساتذته وهم يعرضون آراء المذاهب المختلفة قبل طرح الرأى الذى يرونه أقرب للصواب مختتمين حديثهم بعبارة بالغة الدلالة هى "الله أعلم"، والتى تصبح بمضى الزمان من مفرداته المعتادة حيث لا يزعجه اختلاف الاجتهادات ما دامت لم تتجاوز حدود يقينه.

ويعضد هذا حديث الواقع بمصر بمرحلة السبعينيات وما تلاها من عقود متصلة بها حيث زمان صعود التيار الإسلامى بشكل عام، فمعظم من انتموا لجماعات دينية سواء أكانت معتدلة أم متشددة أم متطرفة أم عنيفة كانوا من دارسى العلوم الطبيعية كالطب والهندسة والزراعة والقليل منهم من كان له خلفية دراسية دينية متخصصة.

إذن فمحاصرة الثقافة الإسلامية أو تقزيم تعليم موادها أو القفز من فوق بعض نصوصها ليس عاملاً لتقويض الإرهاب المتأسلم، إنما هو فاعل أساسي فى الاستجابة لمفاهيمه العنيفة بل إن الجهل باللغة العربية وعدم إيلائها العناية الواجبة سبيل من سبل التورط فيه لأنها مفتاح رئيسى فى فهم النصوص الإسلامية على وجهها الرشيد.

لكن كل ما تقدم لا يعنى أنه ليس لنا حاجة لتعديل أساليب تناولنا لمحتوى الإسلام العقائدى والفقهى شريطة أن يجرى التطوير من نظرة الإسلام ذاته للكون ولوظيفة الإنسان فيه، وليس من رؤية معاكسة تسعى لتفريغه من منطلقاته الأساسية، فالرؤيتان على خلاف جذرى لخصه المفكر أنور الجندى فى ثلاث نقاط متداخلة ومتماسكة هى النظرة إلى الخالق والإنسان وهدفه فى الحياة والنظرة إلى الأخلاق والمسئولية الفردية.

فكثير من نقاط الخلاف بين الرؤيتين يعود بنظرى فى أصله لعدم إدراك الغاية من وجود الإنسان فى الحياة والتى اختصرها ربنا جلا فى علاه  بقوله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) والعبودية هنا بالطبع تشمل فيما تشمل إعمار الكون وليس ما تنصرف له بعض الأذهان من فهم مجتزأ وقاصر لها .

كان كل ما مضى محاولة متواضعة للدخول فى جدل علمى وموضوعى مع فرضية إمكانية مكافحة الإرهاب المتاسلم وكبح جماحه عبر دفع مجتمعاتنا الإسلامية نحو المزيد من العلمنة، وبحسب معتقدى فإن بحثنا انتهى -على الأقل نظرياً- لأن تلك الفرضية وما صاحبها من مفردات لا تصح، لكن يبقى هناك سؤال جوهرى ماذا عن الواقع؟ هل خلت المجتمعات الإسلامية التى علمنتها سلطاتها من الإرهاب المتأسلم؟