الأربعاء 5 اكتوبر 2022

سقطات الآلهة!

مقالات21-9-2022 | 22:19

لم يستطع العنصر البشري حتى هذه اللحظة - وخاصة في منطقة الشرق الأوسط - أن يفصل بين إنجازات القادة ورموز العلم والفلسفة ومشاهير الفن، وبين حياتهم الشخصية؛ فتعامل الجميع معهم وكأنهم معصومين من الأخطاء؛ واضعاً إياهم في مصاف الإله الكامل، وهو وضع غير منطقي وفي غير محله؛ نظراً إلى بشريتهم وما يتبعها لزاماً من النقص والزلل، وهنا يحضرني ربط استنكاري - بعيداً عن التشهير لكونها حقائق متداولة - بين العلماء والفلاسفة والكمال الأخلاقي، وهو ما يسقط عنهم نظرية التقديس الأعمى لهم، والحقيقة أنه بمجرد البحث السطحي في تاريخهم نعثر على ما ينسف هذا التبجيل ويظهر واقعهم الذي يستوعبه الغرب ولا يتقبله الشرق.

على سبيل المثال "ميشيل فوكو" الفيلسوف الفرنسي الشهير صاحب التأثير العظيم في القرن العشرين، فُضِح في الآونة الأخيرة باعتدائه على أطفال تونسيين ما بين الثامنة والعاشرة في مقبرة القرية عام 1969، بينما كان يقف مع نضال العمال وينادي بالعدالة ضد نظام بورقيبة!، وبالبحث في تاريخ "فوكو" يظهر لنا جلياً أنه كان شاذاً، ووقع عريضة بتشريع ممارسة الجنس مع الأطفال في سن الثالثة عشرة عام 1977، ومات متأثراً بانحلاله عام 1984 بمرض الإيدز.

لا يختلف عنه "توماس أديسون" صاحب حرب التيارات مع "نيكولا تسلا"، حين بدأ فتيلها يشتعل عام 1885، عندما أُوكل أديسون لتسلا مهمة إعادة تصميم مولّد شركة إديسون للتيار المستمر، ادعى تسلا أنه بإمكانه أن يعيد تصميم مولدات وآليات إديسون غير الفعالة بطريقة تضمن الخدمة الجيدة والكفاءة الاقتصادية، ووفقاً لتسلا، فقد عقّب إديسون على ذلك قائلاً: «سأمنحك خمسين ألف دولار إن استطعت ذلك»، كان ذلك تصرُّفًا فرديًا من إديسون الذي كانت شركته شحيحة في أجور عُمّالها وتعاني من نقص في السيولة، وبعد شهور، أنجز تسلا المهمة وطالب بجائزته، تهّرب إديسون متعللاً بأنه كان يمزح، واشتعلت الحرب عندما أنشأ توماس إديسون أول محطة لتوليد الكهرباء في العالم في مدينة نيويورك ليضيء منطقة (منهاتن) بتياره المستمر ومصباحه، على الجانب الآخر سدد نيكولا تسلا ضربة صاعقة لخصمه أديسون باكتشافه التيار المتردد الأكثر كفاءة واقتصادية، استمات أديسون لتثبيت اختراعه؛ لكي لا يخسر العائدات المادية من براءات "اختراعه"، وانتهت الحرب بانتصار تسلا على أديسون انتصاراً ساحقاً!

ليس معنى هذا مثالية "نيكولا تسلا" -صاحب الأفكار الجنونية-؛ حين خطط نيكولا لجعل أطفال المدارس أكثر ذكاءً وصحة من خلال تشبيعهم دون وعي بالكهرباء، وتوصيل أسلاك جدران فصول المدرسة بخطوط الجهد العالي؛ متناسياً حجم المخاطر التي يتعرض لها الأطفال في سبيل تجاربه!.

حتى المتفرد أفلاطون أشهر الفلاسفة اليونانين والذين تفننوا في التحقير من قدر المرأة، نجد أنه لم يختلف عنهم أفلاطون -رغم تبنيه  لفكرة اليوتوبيا والمدينة الفاضلة-، لكنه عاش ليؤكد أن المرأة أقل من الرجل في الفضيلة والعقل، وكان يأسف أنه ابن امرأة، ويزدري أُمّه لأنها أنثى!

وهو مايقودنا لظاهرة (cancel culture): أي ثقافة التوقف عن دعم الشخصيات المشهورة كردة فعل لسلوكياتهم أو آرائهم، ويشمل ذلك المقاطعات أو التوقف عن الترويج لهم؛ يدل انتشار هذه الظاهرة في زمننا على سطحية مُطلقة والسقوط في وضع معايير إلهية للشخصيات المشهورة بشتى أنواعها، دون الانتباه للمتوقع من البشر؛ من زلل وأهواء وخطايا، بالإضافة لرؤيتهم منزهين عن مجال العقاب والتوبة، ما يجعلها نظرية عقيمة.
لذا نحن بحاجة إلى "أنسنة الشخصيات العامة" من فلاسفة وعلماء وممثلين وقادة، مع مشروعية الافتتان بهم واتخاذهم قدوة في ما أنجزوه دون توهم كمالهم مهما ارتفعت معدلات ذكاءهم، وإنجازاتهم ومهما توفرت فيهم معايير الكاريزما.

وأخيراً أتمنى الموضوعية في تقييم  الشخصيات المشهورة، والتقصي في تاريخهم والحيادية في فهم منبع فلسفتهم أو أقوالهم والبحث عن مصدر زلاتهم وسقطاتهم وهي في الغالبية ردة فعل لموقف حياتي، أو طفولة مريرة أو ترسبات نفسية مجتمعية دفعت بهم لتلك الزلات.

وهو ما يؤكد جلياً أن العلم والأخلاق غير متلازمان، والكمال ليس انعكاساً للشهرة، وأن الموضوعية والأخلاقية هدفان ساميان لا يصل إليهما إلا من كرس نفسه للحقيقة، وتغلب على فخوخ الحياة.