الأربعاء 7 ديسمبر 2022

قبل أن تغرق الصحافة في بحر «الباباراتزي»

مقالات29-9-2022 | 11:11

تقف الصحافة بين قطبين مشدودين، أولهما الضمير المهني، وثانيهما البحث عن الربح من أجل البقاء على قيد الحياة واستمرارية الصدور، تلك الحالة تدفع بالمهنة للسقوط والغرق في بحر "الباباراتزي" وهم مصورين من طراز خاص يبحثون عن صور الفضائح التي تروي تفاصيل علاقات غرف النوم للفنانين والسياسيين ورجال الأعمال، وتنشر الصحف الصفراء تلك الصور بحثًا عن زيادة حجم الإعلانات، وفي بعض الأحيان تكون جزء من لعبة الاغتيال المعنوي بين الخصوم.

خلال العام 1997 وبالتحديد نهاية أغسطس، في باريس كان هؤلاء "الباباراتزي" يطاردون الأميرة ديانا وصديقها المصري دودي الفايد في نفق ألما بباريس وكانت تلك المطاردة السبب في حادث أدي إلى وفاتهما.

واليوم تطور شكل "الباباراتزي" بعد ظهور منصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت مصدر لدخل الصحف والمواقع الإخبارية، وأصبحت آلام الناس جزءًا من تلك البضاعة الرديئة التي تقدمها حسابات رسمية لبعض المواقع الإخبارية، البعض يذهب لجنازات الفنانين والمشاهير، ويحاول تصوير لحظة نزول الجثامين إلى القبر، والبعض الآخر يبحث عن فتح ملفات الخصومات أو الفضائح من أجل التريند، بكل آسف تلك هي الصحافة من وجهة نظر بعض صنعها، ولا أجد وصف لها سوي أنها "بضاعة أتلفها الهوى ".

لقد أصبحت مشاهد المشادات بين بعض من يمارسون تلك الأفعال، وبعض المشاهير خلال الجنازات تثير الاشمئزاز، خاصة في حالة توجيه عبارات النقد لهم، وهو الأمر الذي يهيل الثرى على مهنة هي بالأساس ضمير المجتمع، وأبناؤها هم قادة الرأي.

كلنا ماضون لن يبقي منا إلا مواقف واختيارات مهنية وحياتية.

 في ربيع العام 2007، كان لي شرف حضور ورشة عمل صحفية، نظمتها آنذاك مؤسسة هيكل في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وكان المحاضر هو الصحفي الكبير سيمور هيرش، وهو الحائز على جائزة بولتزر للصحافة وقد اشتهر عام 1969 بعد كشفة مذبحة قرية ماي لاي التي ارتكبتها القوات الأميركية خلال حرب فيتنام، ويعد هيرش واحدًا من أهم الكتاب الصحفيين عالميا، كان قد أصدر في عام 1991 كتاب "خيار شمشون"، الترسانة النووية الإسرائيلية والسياسة الخارجية الأميركية، كما غطى هيرش حرب أفغانستان إثر الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر، والدور المشين لحكومة بوش، وفضح القصص الواهية ومبررات غزو العراق واحتلاله، كشف أيضا عن جرائم  الأميركيين التي تتعلق بالاغتيالات والتعذيب الوحشي في سجن ابو غريب، و مؤخرا نشر كتاباً عن قتل بن لادن والتدخل في سوريا.

كان لـ "هيرش" سؤال طرحه على المشاركين في تلك الورشة، حول تصرفهم في حال توفر معلومات عن قضية فساد كبري لدى الصحفي، والمستندات التي تثبت الوقائع على طاولة المكتب التي تجلس أمامه وترك المحامي الغرفة لأي سبب، كيف تتصرف؟

كانت مختلف الإجابات هي الحصول على المستندات من أجل فضح الفساد، ففي النهاية نحن نرغب في مواجهة جريمة، لكن "هيرش" كان له رأي مختلف، من منطلق أخلاقي ومهني، أنه لا يجوز الدفاع عن قضية أخلاقية بأساليب غير أخلاقية.

هنا ظل ذلك المبدأ جزءًا لا يتجزأ من أداء المهنة بالنسبة لي واختيار لا يمكن التنازل عنه، لأنه يجعلك تضع إطار مبادئ لممارسة المهنة لا تحيد عنه، وتجعلك تبحث عن حلول تتناسب وتلك المبادئ، وتضيف لك الكثير من الخبرة.

الواقع الذي تعيشه الصحافة يحتاج لفكرة طرح سؤال واختيار الطريق الصعب الذي يقدم صحافة تحترم العقل الجمعي للمجتمع والرأي العام، لقد انجرفت بعض الصحف نحو تقديم المواد المثيرة بحثا عن الربح، لكن النتيجة يمكن أن نعرفها من خلال إطلالة بسيطة على تعليقات المتابعين، والتي يكشف مضمونها عن نظرة المتلقي لما تنشره الصحافة.

اعتقد أن إصلاح أحوال المهنة يحتاج وقفه من كل المهنين والجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، للوصول إلي رؤية وتصور يحمي المهنة قبل أن تغرق في بحر "الباباراتزي" قد نملك اليوم دق ناقوس الخطر، بينما قد لا نستطيع فعل ذلك غدًا، إن التجاوز عن مبادئ المهنة واحد تلو الآخر أشبه بسموم اللغة التي تدخل عليها مفردات اللغات الأجنبية ومع تعاقب الأجيال يصبح لدينا لغات ميتة، وما يجري في صحافة اليوم من تجاوزات تهدف إلي تقديم مواد لا تهتم سوي بعلاقات المشاهير أو الفضائح وتناول الجرائم بأساليب مثيرة كما يفعل البعض سوف يقضي على المهنة.

الاكثر قراءة