الأربعاء 28 فبراير 2024

محاولات الجنوبي «بهاء الدين حسن» قبل السقوط!

مقالات10-10-2022 | 14:47

 "انفض اللقاء الذى جرى عشية الأربعاء على مقهى الكرنك، وذهبت محملًا بآمال وأحلام وحياة بنيتها وأسستها بإمدادات الترحيب والتأييد الذى لمسته فى كلام محمد، ولم يبقَ إلا أن تجيء تلك الجمعة البعيدة جدًا جدًا، ويتحرك الزمن الذى توقف ويجرى الوقت الذى يتباطأ، وتكتمل الحياة بوضع اللبنة الأخيرة فى صرح الحياة بلقاء الجمعة".

هذه الفقرة جزء من قصة "وجه القبيلة"، وللقبيلة حكايات متعددة، منها أن للعصبية القبلية نتائج سلبية على نجوعنا فى الصعيد الجواني، ورد فى تلك القصة بعض منها.. وهى واحدة من خمس وعشرين حكاية يقدمها الكاتب والقاصّ الجنوبى بهاء الدين حسن فى مجموعته القصصية، التى تحمل عنوان: "محاولات طائر قبل السقوط"، الصادر حديثًا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.

يبحث الأبطال فى تلك القصص البديعة عبر محاولات اجتماعية كثيرة للوصول بأرواحهم إلى عناء السماء؛ حتى يحلِّقوا بعيدًا عما أصابهم جراء دوامة الحياة، وهو ما دفع الكاتب ليبدأ مجموعته بإهداء "إلى طائر لا يستسلم، وبرغم الجراح يحلِّق عاليًا".

ليس الإهداء فقط هو من حمل كلمة طائر، بل هناك قصة كبيرة تضم بين جنباتها تسع محاولات لهذا الطائر قبل أن يسقط، لكنه فى نهاية القصة سقط فى فخّ الاستسلام، فخّ خسارة الميراث بعد أن أقسم "السيد" أمام القاضى بأنه يقول الحقيقة، ثم أظهر أوراق ملكيته لما ترك الوالد، وتبع هذا السقوط سقوط من نوع آخر، وهو النوع الذى نخسر فيه قلوبنا، بعد أن خطف أحدهم ابنة خالته التى كان يتمناها، ثم كانت آخر المحاولات بالسقوط فى فخّ السيدة التى كانت تلوك شيئًا فى فمها، وتداعب خصلة من شعرها، وهى تتمايل فوق عتبة دارها بقميصها الوردي.

بينما استدرجت "أم" طفلها فى قصة "الحاجز" ليلهو بعيدًا عن أولاد عمه "بدري"، لتزرع فى عقل صغيرها الكره والحقد قبل أن يكبر، فحاول هذا الصغير كثيرًا الفرار من قبضة يدها؛ حتى يعبث مع رفاقه دون أى ضجيج، لكن نظرات أمه أخمدت ضحكته!

لم تخلُ تلك الحكايات من عادات اجتماعية ننبذها فى صعيدنا، ونحلم بأن تكون نجوعنا وقرانا بلا ثأر وبلا دماء، فصور الكاتب المبدع فى قصته "لم يكن ماء" حياة البطل، فقال: «كنا ثلاثة، وكانوا هم أيضا ثلاثة.. أصبحنا اثنين، وهم كما هم ثلاثة»، قال شيخ كبير: «خذوا ثالثهم، تصبحوا كما كنتم ثلاثة».

جعل الكاتب من المقهى مسرحًا فى بعض القصص، يتسامر ويتشاجر عليها أبطاله وهم يناقشون بعضًا من القضايا التى تبدو ملحَّة وكاتمة على أنفاسهم، وتكرر الموقع كرمزية نشهدها فى قرى محافظات الجنوب بأن يلتقى الناس فى المقاهي، مصدر الترفيه الوحيد فى نجوعنا، عكس ما نحسد أهل البندر أو المدينة عليه بأن حول بيوتهم نوادى أو كافيهات أو مكتبات أو مسارح، حتى إننا نحسدهم على شوارعهم المرصوفة التى تبرق من كثرة عمال النظافة التى يترددون عليها.

ففى مقهى قصة "الكيل" وهى الفائزة من قبل فى مسابقة مجلة «العربى» الكويتية، تدور الحكاية بين المعلم "عوض" وبين أخيه رجب، الذى يشتكى من غلاء الدروس الخصوصية ومن تعنُّت المعلِّمين الذين يتوعدون ابنه إذا لم يأخذ عندهم الدروس، لكن المعلم رجب يتحجج بأن المقهى لم يعد يجنى الكثير من المال، قائلا له: «للأسف يا رجب وزير التعليم لا يجلس على المقهى.. كنت كلمته لك».

فى حين احتوى الجزء الأخير من الكتاب على مجموعة من القصص القصيرة جدا، تبدو فى الحجم صغيرة للغاية لا تتعدى بضعة سطور، لكن مضمونها يتخطى تلك الحواجز والحدود بمسافات كبيرة فى المحتوى الثرى الذى تقدمه، وهو نوع حديث من الأدب انتشر فى السنوات الأخيرة، وأصبح فنًا سرديًا قائمًا بحد ذاته، يعتمد على التكثيف، والمفارقة، والسخرية.

هكذا نجح عمنا "بهاء الدين حسن" فى نسج خيوط قصصه بحرفيه عالية، وهو «الجنوبى» الذى ترك نجعه فى دشنا من أجل العمل فى السياحة بمدينة الغردقة، وهناك لم تمنعه الشعاب المرجانية المنتشرة بطول البحر الأحمر من كتابة القصة القصيرة وهو بارع فيها، مثلما برع فى كتاب المقالات والتعليقات الساخرة عبر بعض الصحف أو من خلال صفحته فى مواقع التواصل الاجتماعي.