الإثنين 17 يونيو 2024

يوميات حرب أكتوبر كما كتبها أبو غزالة

محمد عبد الحليم أبو غزالة

ثقافة14-10-2022 | 15:30

يوسف القعيد

هذه ليست مذكرات أبو غزالة عن حرب أكتوبر. ولا أمتلك نسخة منها بخط يده. حفظها الأبناء وباعها الأحفاد "بالشئ الفلانى" إنه كتاب عن دور المدفعية فى حرب أكتوبر. كانت قد صدرت طبعة جديدة منه عن مكتبة الأسرة التى تتولاها هيئة الكتاب برئاسة الدكتور هيثم الحاج على.
 
والكتاب عنوانه: وانطلقت المدافع عند الظهر. والعنوان لا يخص أبو غزالة. فبعد حرب يونيو 67. أصدر كاتب إسرائيلى كتاباً عنوانه: وتحطمت الطائرات عند الفجر. وقد رد عليه أحمد بهاء الدين بكتاب بديع بعد السادس من أكتوبر. كان عنوانه: وتحطمت الأسطورة عند الظهر. وكتاب أبو غزالة يخلو من الكتابة التى تفوح بعطر الإنسانية. كتابة متقشفة لأن أبو غزالة بعد نجاح مبارك فى التخلص منه. أخذ سمة المفكر الإستراتيجى وبدأ الكتابة فى اتجاهين. الأول: الكتابات العسكرية التى بدأها بكتاب: عن حروب الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثم دخل ميدان الترجمة. ولأن الزمن كان قد بدأ يعطيه ظهره. لم ترحب دور النشر بكتبه.

واضطر لطباعة بعضها على نفقته الخاصة.
 
الكتاب مخصص لدور المدفعية فى حرب أكتوبر. ولذلك نجد شهادة بخط يد الرئيس السادات فى مدخل الكتاب تتحدث عن دور المدفعية فى حرب أكتوبر.
 
سنمر سريعاً على الباب الأول: عن تاريخ المدفعية. 

والباب الثانى: طريق طويل شاق بعد النكسة. 

والباب الثالث: التحول العظيم. 

أما الباب الرابع والأخير، فعنوانه مكون من كلمة واحدة: القتال. وهو ما يعنينا الآن.
 
يبدأ أبو غزالة فصل القتال هكذا:
 
- فى الخامس من أكتوبر استدعى قائد الجيش الثانى اللواء/ محمد سعد الدين مأمون القادة ليبلغهم عن ساعة وهى الساعة التى يبدأ عندها اقتحام القوات الرئيسية للقناة. أو بتعبير أدق هى لحظة إبحار الموجة الأولى من القوات الرئيسية من الشاطئ القريب للقناة. وكانت تعليماته تنص على أن يبدأ تبليغ قادة اللواءات بها فى الساعة التاسعة من صباح 6 أكتوبر. حيث يبدأ تسلسل وصول التوقيت إلى القادة على التوالى فى سرية تامة إلى أن يبلغ الجنود الساعة 1200 وليس قبل ذلك. وتم تنفيذ تعليمات القائد.
 
وعندما أشارت عقارب الساعة إلى الواحدة ظهراً (الساعة 1300) كانت مراكز القيادة على مختلف المستويات قد اتخذت أماكنها فى سرية تامة، ولم يلحظ العدو الإسرائيلى أى تغيير فى أوضاع القوات، بل كانت هناك جماعات كُسَّلْ من الجنود تجلس فى استرخاء على حافة القناة يتناولون بعض المرطبات. وقد تدلت أرجلهم فى مياه القناة وليس معهم حتى سلاحهم الشخصى أو خوذاتهم.
 
وتم فى الفترة من الساعة 1300 حتى الساعة 1400 تأكيد أهداف المدفعية. وبدأت فى الساعة 1400 تصل أولى البلاغات عن استعداد القوات. وكان أول بلاغ هو بلاغ قائد مدفعية الجيش الثانى إلى قائد الجيش الثانى (النيل) وهو اسم رمزى لمدفعية الجيش الثانى. حاضر لتنفيذ "مأمون". وهو الاسم الرمزى لأول قصفة فى التمهيد النيرانى. ووصل أمر قائد الجيش: "كل شئ فى ميعاده".
 
ساعة الصفر
 
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية وأربع دقائق من بعد ظهر السادس من أكتوبر عندما مرقت فوق القناة الطائرات المصرية متجهة إلى أهدافها. وفى الثانية وخمس دقائق أصدر قائد المدفعية أمره: "النيل إضرب" فانطلقت آلاف المدافع تهدر وتصب حممها على النقط الحصينة لخط بارليف وأماكن تمركز احتياطيات العدو.
 
وبينما استمرت أكثر من ألفى مدفع ميدان ومتوسط وثقيل وصواريخ وهاونات تصب نيرانها على خط بارليف ونقطه الحصينة وغير ذلك من الأهداف بدقة وكثافة وقوة لم يسبق لها مثيل، راح عدد كبير من المدافع يطلق نيرانه بالرمى المباشر على مزاغل الدُشم ونقط النيران المكتشفة ويفتح الثغرات فى مواقع الأسلاك الشائكة والألغام.
 
ومع بداية التمهيد النيرانى وتحت ستر هذه النيران الفعالة القاتلة اندفعت مفارز من القوات تعبر القناة لتستولى على مصاطب الدبابات الموجودة فى العمق القريب وثبت الألغام والشراك فى المصاطب الأخرى وتنصب الكمائن على طرق اقتراب احتياطيات العدو المحلية لتمنعها من التدخل فى اقتحام القناة بواسطة القوات الرئيسية التى ستتم بعد دقائق.
 
 
 
شهادة أبو غزالة
 
ويُدلل أبو غزالة على قوة النيران فيكتب لنا ما يأتى:
 
·كانت كثافة النيران 175 طلقة/ ثانية.
 
· كان عدد الطلقات التى ضربت فى التمهيد النيرانى 100000 طلقة.
 
· كان وزن الدانات التى أطلقت فى التمهيد النيرانى 3 ملايين كجم.
 
· كان عدد الطلقات التى أطلقت فى الدقيقة الأولى من المدفعية 10500 طلقة.
 
أنشأ العدو عدداً كبيراً من السواتر الترابية أطلقنا عليها مصاطب الدبابات. طول كل منها يتراوح بين 150، 200 متر وبارتفاع وصل إلى عشرة أمتار وميل تدريجى وصل من 1 إلى 10، وذلك على أعماق مختلفة على جميع المحاور المحتمل أن تعمل عليها قواتنا. وكانت هذه المصاطب تعتبر خطاً دفاعياً ثانياً تستند عليه دباباته التى يدفعها من العمق لتركيبها وتسيطر بنيرانها على الأرض المحيطة وبذلك يمكنها أن تغطى على أى قوات مصرية تنجح فى التغلب على المانع المائى والساتر الترابى المنشأ على شاطئه.
 
وللسيطرة على المصاطب وحرمان العدو من استخدامها دفعت مجموعات اقتناص دبابات مسلحة بالقواذف الصاروخية ر.ب.ج. والمقذوفات الموجهة المضادة للدبابات التى يحملها جنود من المدفعية على الظهر وألغام مضادة للدبابات وقنابل مضادة للدبابات، وكانت مهمة هذه المجموعات اقتحام القناة مع بداية التمهيد النيرانى والوصول إلى السواتر واحتلالها وصد أى هجمات مضادة لاحتياطيات العدو.
 
وبعد حوالى 1 – 1.5 ساعة دفع العدو باحتياطياته المحلية لمقابلة الهجوم المصرى، وهنا حدثت المفاجأة فلقد واجهته مجموعات اقتناص الدبابات فدمرت معظم هذه الاحتياطيات وإن تمكنت بعض الدبابات الفردية من الاختراق والوصول إلى الشاطئ ولكن سرعان ما تمكنت قوات العبور الرئيسية من تدميرها وبذلك فشل الهجوم المضاد المحلى نتيجة معارك مجموعات اقتناص الدبابات كلها بطولة وفداء وتعاون.
 
فى أقل من ست ساعات وعلى وجه التحديد حوالى الساعة 1930 كانت القوات المصرية قد استولت على أكثر من نصف نقط العدو الحصينة وعزلت الباقى منها، وبدأت القوات فى تصفيتها واستعدت لتطوير الهجوم فى العمق. وكان الموقف على الجانب الآخر كما وصفه بنحاس سابير وزير المالية بعد ذلك مرعباً: "لم تكن هناك سوى خطوة واحدة باقية ثم تباد إسرائيل تماماً". وبدأ اليأس يدب فى نفوس القادة الإسرائيليين حتى أن ديان اقترح إخلاء جميع القطاعات الحصينة فى خط القناة وأن يوقفوا معارك الدبابات وأن يقيموا خطاً جديداً بالقرب من الممرات على مسافة 30 كم شرق القناة.
 
وقبل أن يبزغ فجر اليوم التالى كانت القوات المصرية قد وصلت إلى عمق 5 – 6 كيلو مترات وتم عبور أعداد كبيرة من المدرعات والمدفعية والأسلحة الثقيلة. وخلال السابع من أكتوبر بدأت قواتنا فى تطوير هجومها شرقاً ووصلت إلى عمق من 8 – 10 كم حيث بدأت تستعد لصد الهجمات المضادة للعدو الإسرائيلى المتوقعة. وكان للمدفعية المصرية فضل كبير فى تحطيم كل الهجمات المضادة التى تمت فى الثامن من أكتوبر 1973.
 
وفى فجر الثامن من أكتوبر أبلغ أحد مراكز ملاحظة المدفعية الذى تم دفعه فى العمق ليلة 6 – 7 أكتوبر عن وجود لواء مشاة ميكانيكى للعدو مدعماً بعدد كبير من الدبابات متجمعاً على الطريق الأوسط ويعيد الملئ، وبسرعة تم تقدير الموقف اتضح أنه فى مرمى حوالى 20 كتيبة مدفعية. واقترح قائد مدفعية الجيش الثانى على اللواء محمد سعد الدين مأمون أن يتم ضرب حشد نيران هذا اللواء قبل أن ينتهى من إجراءات إعادة الملء، فصدق على ذلك. وتم تأكيد إحداثيات مكان للواء.
 
وتم تنفيذ قصف نيران مدتها 10 دقائق بعشرين كتيبة مدفعية على اللواء. وكم كانت سعادة الجميع عندما وصل البلاغ من مجموعة مؤخرة كانت قد دفعتها قيادة الجيش الثانى فى العمل تؤكد أن النيران كانت مؤثرة وأن الحرائق تشتعل فى كل مكان وأن هذا اللواء تعرض لخسائر جسيمة جعلته غير قادر على دخول المعركة لفترة طويلة وأن الكثيرين من العدو قد فروا من الجحيم. وأكدت عناصر الاستطلاع اللاسلكى هذا البلاغ عندما التقطت استغاثات قائد اللواء وبلاغاته عن خسائره الجسيمة.
 
رجال الفهـــد
 
أما رجال الفهد أبطال حرب أكتوبر فالحديث عنهم يحتاج لكتاب خاص. رجال ضربوا المثل فى البطولة والتضحية. ولقد سمعنا الكثير عن صائدى الدبابات، وكمثال فقط أنشر ما كتبته جريدة الأخبار المصرية عن عبد العاطى صائد الدبابات. أيضاً لا يعنى أبو غزالة الكلام عن مصير عبد العاطى صائد الدبابات. الذى رحل بعد ذلك لأنه لم يجد من يعالجه من سرطان الكبد. مع أنه دمر 26 دبابة للعدو الإسرائيلى.
 
وفى التاسع من أكتوبر كان موقف قوات العدو على جبهة القناة سيئاً، بعد أن نجحت القوات المصرية فى توسيع رؤوس الكبارى إلى عمق كبير وصل إلى 15 كم، وفشلت الهجمات والضربات المضادة التى شنتها المدرعات الإسرائيلية بحشود كبيرة ووقع فى الأسر الكولونيل عساف ياجورى الذى قام بلوائه (اللواء 190 المدرع) بتوجيه ضربة مضادة فى اتجاه الفردان. ويتضح من حديث موشى ديان يوم 9 أكتوبر (فى مؤتمر صحفى) أمام مجموعة من المحررين ورؤساء تحرير الصحف الإسرائيلية الموقف الإسرائيلى على الجبهة المصرية.
 
وتأتى أقوال العقيد عساف ياجورى الذى وقع فى الأسر يوم 6 أكتوبر بعد أن تم تدمير لوائه (اللواء 190 مدرع) بواسطة قوات الفرقة الثانية المشاة المصرية بالتعاون مع احتياطى المدفعية المضادة للدبابات للجيش الثانى الميدانى لتوضيح مدى نجاح المدفعية فى تكبيده خسائر جسيمة فى قواته قبل دخوله المعركة. فلقد جاء فى أقواله أن قواته تعرضت طوال تقدمها فى"بالوظة" وحتى قيامه بالهجوم المضاد فى قطاع الفردان لقصف مؤثر من المدفعية المصرية أدى إلى تدمير أكثر من 70% من مشاته الميكانيكية، وأنه تصور أن دقة النيران وتأثيرها الشديد لا يمكن أن تكون كذلك إلا إذا كان هناك ضابط مدفعية مصرى يقف على برج دبابته (أى يمكن يتصور أن ضباطاً من المدفعية دفعوا فى العمق لهذا الغرض لتصحيح النيران على احتياطيات العدو المتقدمة، فمن واجب المدفعية أن تسكت هذه الاحتياطيات وتدمرها على طرق اقترابها البعيدة وفى مناطق تجمعها وأثناء فتحها وأثناء هجومها، وهو ما حققته المدفعية المصرية.
 
ويكفى أن نقول إن إدارة نيران المدفعية كانت على مستوى عالٍ من الكفاءة، الأمر الذى أمكن معه حشد نيران عدد كبير من كتائب المدفعية وصل فى بعض الحالات إلى 17 كتيبة على هجمة مضادة واحدة للواء مدرع إسرائيلى، كان من نتيجتها أن دمرت لهذا اللواء حوالى 32 دبابة وارتد اللواء مذعوراً دون أن ينفذ هجمته المضادة، وتلقفت الصواريخ المضادة لدبابات العدو الذى تابع تقدمه فدمرتها، وحدث أن نجحت أربع دبابـات مـن هـذا اللـواء فـى الوصـول إلـى تبـة الطاليـة حيث دمرها رجال المشاة بالقواذف رب ج. لقد ظهر فى صد هذا الهجوم التعاون الوثيق الممتاز بين المدفعية والمشاة فكانت سيمفونية رائعة لم تشهد الحروب لها مثيلاً.
 
شهادة العدو
وفى مواقع كثيرة من كتاب حرب كيبور وكتاب نظرة على حرب الشرق الأوسط يصف المؤلفون بعض لمحات الهجمات المضادة الإسرائيلية فيقولون:

- "إن المصريين قد نجحوا فى كسر الهجوم الإسرائيلى المضاد ولقد أدركت القيادة الإسرائيلية أن الهجمات المضادة لا يمكن أن تعجل بتدمير وحدات التعزيز".

وللمرة الأولى أخذت الدبابات الإسرائيلية تحارب وهى تنسحب وتعطلت هذه الدبابات فى أرض العدو وفى داخلها قتلى وجرحى دون أن يستطيع أحد تخليصهم منها، لقد قتل أو أسر عدد كبير من أطقم الدبابات التى تم تدميرها".
 

كانت ملحمة مصرية نادرة لم تحدث فى التارخ من قبل.