السبت 13 يوليو 2024

ما بين الأسود والأبيض تكمن كنوز مصر

مقالات23-10-2022 | 10:16

أحترم وأقدر وأعتز كل الاعتزاز بكل رموز وطني الراسخة في وجداني ووجدان جيلي الذي نشأ على قيم ومبادئ قد لا تتردد على مسامع الأجيال الحالية من أساسه، لا فقط أن يتعلموها أو يستوعبوا قدر قدسيتها بداخل أي مواطن سوي ومتوازن ومولود على الفطرة المصرية، كالعَلَم والعُملة والنشيد الوطني.

 

 فألوان علم الدولة المصرية الحديثة الذي يتوسطه النسر على شكله الحالي منذ عام 1984، من المعلوم بمكان أن ألوانه الثلاثة الثابتة منذ عام 1952 برغم تغير بعض الرموز بداخله، إلا أنه احتفظ بألوانه الثلاثة المميزة، باعتبار أن اللون الأحمر الذي هو دلالة دماء الشهداء وكل ضحايا الوطن على مدار عهود، كما يشير إلى الأمل والقوة، في حين أن الأبيض هو رمز لطيبة أهل مصر ونقاء فطرتهم، كما أنه رمز لقيم السلام التي تميز هذا الوطن، في حين يأتي الأسود كرمز للفترات الحالكة من الاستعمار والاحتلال الغاشم الذي أحل بهذا الوطن لعقود طويلة.

 

ومن هنا وفي هذا العهد الزاخر بكل الطفرات والصناعات والإنجازات والتحولات من الخراب إلى العمار، أرى أنه وجب علينا مراجعة التفسيرات المنطقية المعلومة للجميع، برغم كامل الاحترام لرمزية كل لون وقيمته داخل أرواحنا، فهي تظل راسخة، لكنه تحتم علينا النظر للأمر بنظرة مختلفة ومن عدة زوايا أخرى تجعل العدسة أكثر تركيزاً بل وتكبيراً لخاصية التدقيق، فاللون الأسود الذي يعكس فترات الاستعمار الأليمة، أصبح لنا فيها انعكاس آخر لمرآة العمار والخير والقوة مجتمعين.

 

فتبني الدولة مؤخراً للتوجه القومي بإنشاء أكبر مصنع للرمال السوداء في مدينة البرلس التابعة لمحافظة كفر الشيخ شمال العاصمة القاهرة، باعتباره أحدث مصنع على مستوى العالم في استخدام تكنولوجيا التعدين المتطورة، يعكس رؤية بعيدة المدى تهدف إلى تعظيم الاستفادة والاستخدام الأمثل لموارد مصر الطبيعية، وعلى رأسها ذلك الكنز الأسود المسمى بـ "الرمل الأسود"، وهو الموجود بغزارة على شواطئ مصر في 11 موقعا يمتد من الإسكندرية مروراً برشيد ووصولاً إلى العريش ورفح، إضافة إلى ساحل البحر الأحمر شمالاً ومروراً بمنطقة برنيس ووصولاً إلى منطقة بحيرة السد العالي، بما يفتح المجال أمام مصر لاستخلاص المعادن الثقيلة منها، وتحقيق القيمة المضافة منها عن طريق هذا المصنع، ومن ثم تسويقها محلياً ودولياً.

 

وهو الحلم الغائب منذ 90 عاماً الذي أصبح حقيقة واقعة منذ أيام معدودة، لتنضم مصر بذلك إلى مثيلاتها من الدول الكبرى في هذا المجال والأكثر استخداماً لهذه الثروة السوداء، وعلى رأسها الهند والبرازيل (حيث ولدت أنا)، ولمزيد من المعرفة عن تلك الثروة السوداء فهي رواسب شاطئية ثقيلة ذات لون أسود تكونت من مصبات نهر النيل التي تحتوي على نسبة عالية من المعادن الثقيلة، والتي تتشكل عادة نتيجة تفكك التربة بفعل تيارات المياه التي تصبها الأنهار في البحار.  

 

وتلك المعادن الثقيلة المستخلصة من الرمال السوداء لها عدة استخدامات في الصناعات الثقيلة شديدة الأهمية وغيرها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، تصنيع السيارات والطائرات والصواريخ والغواصات ومركبات الفضاء، إضافة إلى الصناعات الإلكترونية والتكنولوجية والأجهزة التعويضية وتركيبات الأسنان والسيراميك والدهانات والخزف، مما يخلق فرصاً ذهبية لمصر أمام التصنيع والتصدير، ومن ثم زيادة حصيلة الدولة المصرية من النقد الأجنبي وجذب رؤوس الأموال الاستثمارية من ناحية أخرى، بهدف تصنيع الألواح الشمسية والإلكترونيات والحراريات وغيرهم، وهو بالتبعية ما يسهم في خفض فاتورة الواردات وزيادة حصيلة الصادرات بدلاً منها، كما أن لها بُعداً بيئياً شديد الأهمية وهو تطهير البيئة بإزاحة المواد المشعة الموجودة بالرمال السوداء على الشواطئ، وهو الأمر الذي أكد عليه السيد الرئيس أيضاً بتشديد القواعد في مراعاة شروط ومعايير السلامة والأمن الصناعي للعاملين بالمصنع.

 

وقد قَدّر الخبراء امتلاك مصر لاحتياطي ضخم من الرمال السوداء يصل إلى حوالي 5 مليارات طن من العناصر المعدنية الثقيلة بنسب تركيز مختلفة، تمتد على مساحة 1.3 مليار متر مكعب، ونسب تركيز المعادن في هذه المناطق يصل إلى 65% وهو بهذا يعد أعلى احتياطي معدني على مستوى العالم، ويأتي في المرتبة الثانية في الأهمية بعد مجمع السكري لاستخراج الذهب.

 

وتظل كنوز مصر القابعة بجوفها وأرضها بكل الألوان شاهدة على ثراء هذا الوطن، ما بين ذهبها الأبيض من القطن طويل التيلة، ومخزونها من ثروة الرمال البيضاء المسماة بالسيليكا، المادة الأشهر في صناعة أنقى أنواع الزجاج والكريستال، ورمالها السوداء التي جعلت من قتامة اللون - الذي كان تجسيداً حياً لفترات الاحتلال - بُعداً جديداً، وتبدلت رمزيته بفرحة المباهاة بالكنز الأسود الذي يضاهي الثروات النفطية في أهميتها، مع فارق الانتباه إلى حق الاحتفاظ الأصيل بالاستخدام الرشيد والتنمية المستدامة، والحفاظ على حق الأجيال القادمة في كل ما يمتلكه هذا الوطن العامر بالخيرات.

الاكثر قراءة