الأربعاء 24 ابريل 2024

أتيتُ... لأكذب !!

مقالات11-1-2023 | 12:30

( أتيتُ... لأكذب !! ) أعترف أن العنوان صادمٌ جداً ، ومَنْ يملك هذا القدْر من الجرأة فلا يدقِّق فيما ينطق ، ويقف معترفاً فلا يخشى عقوبةً ، أو يحسب لنظرات الاستهجان حساباً؟!! ولكن ألا يمكن أن يحمل الكلام صيغة المفارقة ، وهي مهارةٌ برع فيها الكثير من الشعراء ، هذه المفارقة التي تعني أن تقول شيئاً وتقصد غيره؛ مثل الذم بما يشبه المدح أو المدح بما يشبه الذم ؛ ولأن التطوُّر سُنَّةٌ حياتيةٌ ، فإن مفهوم المفارقة اكتسب دلالاتٍ شتى تبعاً لتغيُّر الزمان والمكان ، فصارت المفارقة حديثاً قولَ الشيء بطريقة تستدعي تفسيراتٍ لا تنتهي ، هدفها إحداث أبلغ الاثر بأقل الوسائل تكلفةً ، وليس أمامك  عزيزي القاريء إلا أن تتتبَّع المعنى الذي يدور حوله الشاعر ، ويكمن وراء تعابيره ومفرداته.

إن أهم مزايا المفارقة تكمن في الهدف من السخرية كسلاح اجتماعي يهدف إلى الإصلاح ، والشاعر الساخر غالباً ما يخفي مدلولاً نقدياً وراء السطح الظاهر لقصائده ، وإذا خلت المفارقة من ذلك المدلول الخفي تتحول إلى ثرثرةٍ أشبه بلهو الأطفال بالكلمات لاطائل من ورائه ، كما أن السخرية أسهل الطرق للخلاص من الرقابة سواء أكانت سياسيةً أم ذاتاً عليا ، والضحك الساخر هو حال البكاء كما يقول " المتنبي " ( ولكنه ضحكٌ البكا ) ، أو هو مثلما يقول المسرحيون " كوميديا سوداء " لجلْد الذات ، مثلما فعل الشاعر العراقي "أحمد مطر " في قصائده الشهيرة المسمَّاة ب " اللافتات ؛ فيقول في  لافتة " قومي احبلي ثانية ": ( يا أرضنا. . يا مهبط الأنبياء قد كان يكفي واحدا لو لم نكن أغبياء !!! )

وإذا أردنا أن نقدِّم لافتة للشاعر المبدع ( أحمد مطر ) توضح معني السخرية والمبالغة في لوحةٍ موجزة فلنختر مثالاً تهكمياً بعنوان "مسألة مبدأ" قال لزوجه: اسكتي و قال لابنه: انكتم.

صوتكما يجعلني مشوَّش التفكير ...!! لا تنبسا بكلمةٍ أريد أن أكتب عن ... حرية التعبير !!

لافتةٌ صادمةٌ زاخرة بالمتناقضات التي تخرج بها من إطار ألفاظها ، والذي قد يبدو للوهلة الأولي ضيِّقاً ، لكنه بهذا الأسلوب الساخر يبرز التناقض الشديد بين الأفعال والأقوال على المستوي العام والخاص ، والمدهش أننا بقليل من البحث في الشعر الأفريقي نجد تلك المفارقة الساخرة بنفس الروح التي تجعلك عزيزي القاريء تصل إلى قناعةٍ لا يشوبها شكٌ ؛ أن الشعراء مهما اختلفت جنسياتهم ، وتنوعت مشاربهم تظل همومهم متقاربة وطرائق تعبيرهم متماثلة ، ووسائلهم في الهروب من الرقابة هي هي .. !!

 أقول ذلك بعد قراءتي قصيدة  (الحقيقة الضالة ) للشاعر التنزاني " إيوفراز كيزبلاهابي " ، وقد أضاف إلى صعوبة نطْق اسمه صعوبة التعامل مع إنتاجه الشعري والروائي حيث يكتب باللغة السواحلية وهي إحدي اللغات الأفريقية المحلية التي لا تمنح المبدع شهرةً خارج إقليمه ، يبدأ الشاعر التنزاني " إيوفراز " قصيدته بهذا الاعتراف الصادم مرَّةَ دونما مواربةٍ  ( أتيت لأكذب !!! ) ومرة بمرادفات تحمل ذات المعنى ، وليخفف الصدمة على هذا المتلقي يبدأ في توضيح مبرراته ؛ فالحقيقة في الكذب أولى من الكذب في الحقيقة، فلا تستوقفني عزيزي المتلقي أثناء غنائي الساخر، ويواصل الشاعر التنزاني " إيوفراز " تهكمه من عشْق حكام أفريقيا للديموقراطية وامتلاكهم الحقيقة المطلقة ، ومن فقر الأفارقة نتيجة كسلهم ، ومن ملكية الشعوب للثروات ، ومن مباهاتهم بلهجاتهم المحلية ، ثم يختم غناءه الصادم وكأنه لا يعنيه ماذا يترتب على سخريته ، ورغم أنه لم يقل شيئا يدينه إلا أنه قال كل شيء خلف سطح المفردات البسيطة الساخرة ، واتَّهم  الجميع ... هيا بنا إلى قصيدة " الحقيقة الضالة:  أتيت لأكذب ..!! لم آتِ لأقول الحقيقة !! لأنك إن اكتشفت أن ثمّةَ حقيقةً في الكذب ... سوف تحب شعري  لكن إن اكتشفت كذبةً في شعرٍ يدَّعي الحقيقةَ ... ستكرهني .. دعني الآن أغنِّي : الحكام الأفارقة يعشقون الديموقراطية ... وفكرتهم الصحيحة ستبقى إلى أمدٍ طويل !! الفقر اختيار ... كل العمال شديدو الكسل ويجنون مازرعوا !! الأرض .. المعادن .. الحبوب .. جميعها ملْكٌ عام !! لإنجليزية والفرنسية مفتاح الحياة ... الألسن الأفريقية لهجة شوارع !!! لقد غنيت... إنه أنا ... الحقيقة الضالة !!!

Dr.Randa
Dr.Radwa