الجمعة 3 فبراير 2023

«السيد من حقل السبانخ»

مقالات21-1-2023 | 13:51

رواية "السيد من حقل السبانخ" تحكي مأساة عالِم فقد السيطرة على نفسه فسمح للآلة أن تستعبده، وللكمبيوتر أن يهديه سواء السبيل، ولكنك في هذه المأساة تجد أن الصراع الحقيقي يبدأ وينتهي قبل زمن الرواية، بل قبل زمن الحرب الإلكترونية الأولى!

الرواية تختلف عن رواية جورج أورويل الشهيرة "1984" والتي نُشِرَت عام 1949، والاختلاف يأتي في أن "السيد من حقل السبانخ" منحت الأمل في نهايتها، بينما "1984" أحكمت أسر الإنسان الذي خاض حربًا ضروسًا ضد نفسه، فلم يتبق له ذرة أمل!

رواية "السيد من حقل السبانخ" المنشورة عام 1982 تنتمي لأدب "الديستوبيا"، أدب المستقبل أو ما عُرِف فيما بعد بأدب ما وراء الطبيعة أو أدب الخيال العلمي، وقد صار له مساحة كبرى لدى أجيال وُلِدَت في أحضان التكنولوجيا في السنوات الأخيرة.

الرواية واحدة من أهم أعمال صبري موسى، وهكذا أناديه دون ألقاب باعتبار أن اسم المبدع الحقيقي أراه دائمًا وحده عنوانًا لمدونة تضم كل معاني الإقرار والتقدير والعرفان، رحمة الله على صبري موسى الغائب الحاضر بسيرة إبداعه الثري المتفرد استثنائيًا، ولعل رؤيته وبُعد نظره في قراءة المستقبل في "السيد من حقل السبانخ" في مطلع الثمانينيات مقارنة بسطوة التكنولوجيا المتجبرة الآن خير شاهد على ما نقول.

الاحتفاء بكتابه "الصخر والبحر؟.. مصر كما رأيتها في الستينيات!" الصادر مؤخرًا عن دار ريشة، أتى بالتزامن مع ذكرى وفاته الخامسة، تُوفِي في تاريخ مميز كعطائه الإبداعي 18 يناير 2018، الكتاب يضم أشهر رحلات صبري موسى، رحلته في الصحراء والتي ألهمته أشهر رواياته "فساد الأمكنة"، ومعها رحلته إلى البحيرات، ورحلتان إلى باريس واليونان دَونهُما تحت عنوان "الغداء مع آلهة الصيد" وجميعها قام بها في الستينيات وكتبها في سلسلة حلقات تاريخية بمجلة "صباح الخير".

لم أحظ بلقاء "الأستاذ" صبري موسى والتعرف إليه شخصيًا، ولكني أحظى حاليًا بصداقة مجموعة من ذويه وتلاميذه ومحبيه، وسيرته فيما بينهم إن دلت فإنما تدل على روح صوفية صافية، وموهبة إبداعية خالصة، وثراء إبداعي متعدد الأوجه، قوامه في الأصل التفاعل مع الحياة بشفافية وإحساسٍ صاف، ينطلق منه بعمق في قراءة البشر والحجر والصحراء والبحيرات، وكل ما يتصل بخلق الله في أرضه، وقدرة الله في خلقه.

صبري موسى كاتب، وروائي، وصحافي، وسيناريست، وفي كل مجال توهج إبداعه حد الذروة، وشغل فيه مساحة متفردة بين أقرانه، فعل كل هذا بهدوء، حتى مرضه العُضال الممتد قبل وفاته لأكثر من خمسة عشر عامًا واجهه بهدوء، وهكذا يكون سمت النبلاء.

أشهر رواياته "فساد الأمكنة"، "حادث النصف متر"، "السيد من حقل السبانخ"، إلى جانب عدة مجموعات قصصية، وأدب الرحلات في "الصخر والبحر؟.. مصر كما رأيتها في الستينيات!" وأشهر أعماله المكتوبة للسينما كسيناريست أفلام "البوسطجي"، "الشيماء"، "قنديل أم هاشم"، "قاهر الظلام"، "أين تُخبئون الشمس؟"، ومعها سيناريو "رغبات ممنوعة" الذي أثار ضجة رقابية في مصر في مطلع السبعينيات، أخرجه أشرف فهمي، وتصدر بطولته مجموعة كبيرة من النجوم.

أما كاتبا وصحافيا فتراث مؤسسة روزاليوسف يضم أرشيفًا ضخمًا لصبري موسى، ما بين إبداع شخصي يحمل روحه وملامحه ورؤيته في كل تفصيلة، أو عمل تحريري في كواليس المطبخ الصحفي أضفى من خلاله كثيرًا من قاموس إبداعه على أعمال آخرين، ولعله في كل هذا لم يسع إلا لمخاطبة وجدان وعقل القارئ أولًا، ولم تجده أي موهبة مجتهدة جديدة إلا مُرَحبًا داعمًا بكل ما أوتي من طاقة، فترك ما ترك من آثار تجعل سيرته ممتدة لأبعد من عمره.

حاز المبدع صبري موسى تقدير الدولة في عدة مناسبات، جائزة الدولة التشجيعية في الأدب عام 1974، وسام الجمهورية في العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1975، نفس الوسام مرة أخرى عام 1992، جائزة التفوق عام 1999، وجائزة الدولة التقديرية عام 2003، وفي الخارج حصد جائزة بيجاسوس عام 1978 وتُمنَح في الولايات المتحدة الأمريكية للأعمال الأدبية المكتوبة بغير الإنجليزية، وقد تُرجِمَت أعمال صبري موسى الأدبية ولا تزال إلى عدة لغات أجنبية.

تحكي حرم الأستاذ صبري موسى، الكاتبة الصحفية أنس الوجود رضوان، أنه مقابل كل هذا الإبداع كان يؤلمه ارتباط اسمه فقط بروايته الأشهر "فساد الأمكنة"، وأيضًا انطباع كان سائدًا لدى الرأي العام طوال الوقت أنه لم يُكَرَم من الدولة، في حين أنه تم تكريمه بالفعل في عهد رئيسين للجمهورية، وبالإضافة إلى هذا وذاك عدم وعي النخبة قبل عموم الجماهير أن إبداعه في السيناريو يأخذ النص الأدبي بعيدًا بما يوازي إبداع كاتبه، كما أنه ترك إرثًا إبداعيًا لا يزال حبيس الأدراج، وهو ما يجعلني بدوري أنوه بضرورة أن نهتم ونلتف جاهدين حول خروجه إلى النور، ومع إعادة نشر أعماله الكاملة في مختلف المجالات ضمانًا لدوام تواجده بما يليق بسيرة صبري موسى المُلهمة.