الجمعة 3 فبراير 2023

يا أمة التضاد والتناقض النعم زائلة والعمل باقٍ

مقالات22-1-2023 | 18:04

مما قرأت فيما مضى عن بعض نتائج الإحصائيات الدولية المعتمدة، أن فوائض موائد العرب تكفي لإطعام فقراء وجوعى أفريقيا وآسيا مجتمعين، الصادم في الأمر أن ما يقدر بنصف موائد الخليج فقط يذهب إلى صناديق القمامة حرفياً، وفوائض موائد شهر رمضان الملقاة كمخلفات تكفي لإطعام فقراء المنطقة لباقي العام.

الأرقام مرعبة ومؤلمة على الصعيدين، جانب الفقراء والجوعى، وجانب النعم المهدرة التي تذهب هباءً لا لشيئ غير الاستعراض والتباهي الأجوف الذي يشتهر به العرب دون غيرهم، وما يزال الأمر سارياً برغم كل الأزمات الاقتصادية والغذائية العالمية، ولا تفسير ولا منطق في ذلك سوى علامات التعجب!!

ففي الوقت الذي يحرص فيه مثلاً العديد من مسلمي العرب على تكرار زيارة البيت الحرام بشكل سنوي معتاد سواء لأداء العمرة أو الحج، متباهين في ذلك باعتيادهم القيام بذلك من باب التطهر والاغتسال وشحن القوى وتدليلاً على حجم الطهر والتقى والإيمان والعفاف، هو نفس الوقت الذي يعاني فيه العالم من تنامي معدلات الفقر والجوع بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية جراء الحرب وما تبقى من تداعيات الوباء لعامين متتاليين.

الأمر يحتاج إلى كل أطباء علم النفس والاجتماع مجتمعين، بعيداً عن البُعد الديني وتدخلات رجال الدين من كل الأطياف، فالتحليل يحتاج إلى وقفة نفسية قبل أي شيء، وبعيداً عن صعوبة وحساسية التوقيت الحالي للأزمة الطاحنة الجارية عالمياً والتي أتت حرفياً على ما تبقى من تفاصيل الأخضر في هذا الكوكب، فما حدث كان ليحدث على أية حال في زمن من الأزمنة،كنتيجة منطقية وحتمية لنكران النعم وهدرها، وتناقض النفوس والسلوكيات مع فكرة تقدير ومراعاة المعطيات والمنح الربانية.

ففي مصر مثلاً، تشير تقديرات حكومية إلى أن تكلفة "موائد الرحمن"، على مستوى مدن الجمهورية الرئيسية، تبلغ نحو نصف مليار جنيه، وتشمل أكثر من 13 ألف مائدة، يتردد عليها قرابة مليوني شخص، وعادة ما يفيض عن هذه الموائد كميات كبيرة من الأطعمة، التي لا تصل إلى كثير من الفقراء داخل البلاد، رغم جهود الجمعيات الخيرية والمتطوعين، في جمع وإعادة توزيع هذه الفوائض.

وفي السعودية، فإن عدد فائض الأطعمة خلال الشهر الفضيل لدى جمعية واحدة هي "إطعام"، في المنطقة الشرقية فقط -في سنوات سابقة- وصل إلى أكثر من 3 آلاف وجبة يومياً، ومع نهاية الشهر وصل إلى 150 ألف وجبة، وتشير تقديرات جمعية حماية المستهلك في السعودية إلى أن نسبة الهدر في المواد الغذائية في المملكة وبقية دول الخليج تتراوح بين 50% و70%خلال الأيام العادية. ترتفع هذه النسبة بطبيعة الحال في شهر رمضان.

وفي مدينة مثل أبو ظبي، تشكل النفايات العضوية ما يقارب 39من إجمالي النفايات المنزلية، وتقدر نسبة النفايات الغذائية بنحو 20 بالمائة، ويقابل هذا الهدر في رمضان وغيره، وجود 795 مليون جائع في العالم، بحسب أحدث تقرير نشرته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "فاو" في مايو الماضي.

وتشير تقديرات المنظمة إلى هدر مليار و300 مليون طن من الأغذية سنوياً، في المقابل فإن شخصاً واحداً من بين كل سبعة أشخاص في العالم ينام جائعاً، وأن حوالي 20 ألف طفل دون سن الخامسة يموتون كل يوم من الجوع.

ووفقا للفاو فقد أثبتت الدراسات أن متوسط حجم الهدر الغذائي للفرد الواحد في مصر يبلغ حوالي 91 كجم من الطعام سنوياً، وفقًا لتقديرات المركز الوطني للبحوث الاجتماعية والجنائية، ووفقاً لنفس الجهة تتزايد نسبة الغذاء المُهدر في المناسبات الخاصة والأعياد والمهرجانات؛ حيث يتم التخلص من 60% على الأقل من الأطعمة الصالحة للأكل.

التاريخ يحدثنا عن تهاون العرب في حق النعم من الطعام منذ قديم الزمان، حتى أن الأكلة التقليدية الشعبية والأكثر شهرة في إسبانيا والمتداولة أينما حللت بأي مدينة إسبانية هي "الباييا" وهي مشتقة من الكلمة العربية "بقية"، أصلها من بقايا طعام موائد العرب في الأندلس، وهي عبارة عن وجبة الأرز وأية قطع من البقايا إلى جانبه سواء من الأسماك أو الدجاج أو اللحوم، أي أن الأمر ليس بحديث العهد بالنسبة لمفاهيم العرب.

الموائد التي يفيض من أطعمتها الكثير لو وجدت طريقها للجياع لسدت أفواه ملايين حول العالم، ولما وجدنا ما يؤرق منامنا ونحن ملئى البطون، وغيرنا يحتضن جوعه وبرده في أحلامه ويقظته.

.

يا أمة التضاد والتناقض النعم زائلة والعمل باقٍ

مهــــــــا محســـــــــــن:

مما قرأت فيما مضى عن بعض نتائج الإحصائيات الدولية المعتمدة، أن فوائض موائد العرب تكفي لإطعام فقراء وجوعى أفريقيا وآسيا مجتمعين، الصادم في الأمر أن ما يقدر بنصف موائد الخليج فقط يذهب إلى صناديق القمامة حرفياً، وفوائض موائد شهر رمضان الملقاة كمخلفات تكفي لإطعام فقراء المنطقة لباقي العام.

الأرقام مرعبة ومؤلمة على الصعيدين، جانب الفقراء والجوعى، وجانب النعم المهدرة التي تذهب هباءً لا لشيئ غير الاستعراض والتباهي الأجوف الذي يشتهر به العرب دون غيرهم، وما يزال الأمر سارياً برغم كل الأزمات الاقتصادية والغذائية العالمية، ولا تفسير ولا منطق في ذلك سوى علامات التعجب!!

ففي الوقت الذي يحرص فيه مثلاً العديد من مسلمي العرب على تكرار زيارة البيت الحرام بشكل سنوي معتاد سواء لأداء العمرة أو الحج، متباهين في ذلك باعتيادهم القيام بذلك من باب التطهر والاغتسال وشحن القوى وتدليلاً على حجم الطهر والتقى والإيمان والعفاف، هو نفس الوقت الذي يعاني فيه العالم من تنامي معدلات الفقر والجوع بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية جراء الحرب وما تبقى من تداعيات الوباء لعامين متتاليين.

الأمر يحتاج إلى كل أطباء علم النفس والاجتماع مجتمعين، بعيداً عن البُعد الديني وتدخلات رجال الدين من كل الأطياف، فالتحليل يحتاج إلى وقفة نفسية قبل أي شيء، وبعيداً عن صعوبة وحساسية التوقيت الحالي للأزمة الطاحنة الجارية عالمياً والتي أتت حرفياً على ما تبقى من تفاصيل الأخضر في هذا الكوكب، فما حدث كان ليحدث على أية حال في زمن من الأزمنة،كنتيجة منطقية وحتمية لنكران النعم وهدرها، وتناقض النفوس والسلوكيات مع فكرة تقدير ومراعاة المعطيات والمنح الربانية.

ففي مصر مثلاً، تشير تقديرات حكومية إلى أن تكلفة "موائد الرحمن"، على مستوى مدن الجمهورية الرئيسية، تبلغ نحو نصف مليار جنيه، وتشمل أكثر من 13 ألف مائدة، يتردد عليها قرابة مليوني شخص، وعادة ما يفيض عن هذه الموائد كميات كبيرة من الأطعمة، التي لا تصل إلى كثير من الفقراء داخل البلاد، رغم جهود الجمعيات الخيرية والمتطوعين، في جمع وإعادة توزيع هذه الفوائض.

وفي السعودية، فإن عدد فائض الأطعمة خلال الشهر الفضيل لدى جمعية واحدة هي "إطعام"، في المنطقة الشرقية فقط -في سنوات سابقة- وصل إلى أكثر من 3 آلاف وجبة يومياً، ومع نهاية الشهر وصل إلى 150 ألف وجبة، وتشير تقديرات جمعية حماية المستهلك في السعودية إلى أن نسبة الهدر في المواد الغذائية في المملكة وبقية دول الخليج تتراوح بين 50% و70%خلال الأيام العادية. ترتفع هذه النسبة بطبيعة الحال في شهر رمضان.

وفي مدينة مثل أبو ظبي، تشكل النفايات العضوية ما يقارب 39من إجمالي النفايات المنزلية، وتقدر نسبة النفايات الغذائية بنحو 20 بالمائة، ويقابل هذا الهدر في رمضان وغيره، وجود 795 مليون جائع في العالم، بحسب أحدث تقرير نشرته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "فاو" في مايو الماضي.

وتشير تقديرات المنظمة إلى هدر مليار و300 مليون طن من الأغذية سنوياً، في المقابل فإن شخصاً واحداً من بين كل سبعة أشخاص في العالم ينام جائعاً، وأن حوالي 20 ألف طفل دون سن الخامسة يموتون كل يوم من الجوع.

ووفقا للفاو فقد أثبتت الدراسات أن متوسط حجم الهدر الغذائي للفرد الواحد في مصر يبلغ حوالي 91 كجم من الطعام سنوياً، وفقًا لتقديرات المركز الوطني للبحوث الاجتماعية والجنائية، ووفقاً لنفس الجهة تتزايد نسبة الغذاء المُهدر في المناسبات الخاصة والأعياد والمهرجانات؛ حيث يتم التخلص من 60% على الأقل من الأطعمة الصالحة للأكل.

التاريخ يحدثنا عن تهاون العرب في حق النعم من الطعام منذ قديم الزمان، حتى أن الأكلة التقليدية الشعبية والأكثر شهرة في إسبانيا والمتداولة أينما حللت بأي مدينة إسبانية هي "الباييا" وهي مشتقة من الكلمة العربية "بقية"، أصلها من بقايا طعام موائد العرب في الأندلس، وهي عبارة عن وجبة الأرز وأية قطع من البقايا إلى جانبه سواء من الأسماك أو الدجاج أو اللحوم، أي أن الأمر ليس بحديث العهد بالنسبة لمفاهيم العرب.

الموائد التي يفيض من أطعمتها الكثير لو وجدت طريقها للجياع لسدت أفواه ملايين حول العالم، ولما وجدنا ما يؤرق منامنا ونحن ملئى البطون، وغيرنا يحتضن جوعه وبرده في أحلامه ويقظته.