السبت 13 ابريل 2024

السياحة الروحية في رحلة الإسراء والمعراج

مقالات17-2-2023 | 13:35

كثير من الناس لا يعرفون أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم طاف ليلة الإسراء والمعراج أثناء رحلته على المدينة المنورة وجبل طور سيناء وبيت لحم وصلى ركعتين في كل هذه الأماكن، ومعه سيدنا جبريل عليه السلام يرشده إلى حيثيات ذلك التطواف والجلوس في تلك الأماكن المقدسة، ففي طيبة قال له هنا مهجرك ! انتشار دعوة الإسلام من المدينة المنورة، وكذلك تأسيس أول مجتمع حضاري أخلاقي يربط بين الروح والجسد والعلم والأخلاق والمعاملة والبناء والحياة بالتي هي أحسن والتسامح والحوار

 

وعلى جبل طور سيناء قال : هنا كلم الله موسى عليه السلام ! هنا قطعة مقدسة من مصر التي أحبها الله وأحبها الأنبياء عندما دخلوها آمنين.

وفى بيت لحم قال : هنا ولد عيسى عليه السلام معجزة الأولين والآخرين.

ففي رواية رواها الإمام النسائي بسنده، قال ( صلى الله عليه وسلم ) : " أُتِيتُ بدابَّةٍ فوقَ الحمارِ ودونَ البغلِ خَطوُها عِندَ مُنتهى طرفِها فركِبتُ ومعي جبريلُ عليهِ السَّلامُ فسرتُ فقالَ انزل فصلِّ ففعلتُ فقالَ أتدري أينَ صلَّيتَ صلَّيتَ بطَيبةَ وإليها المهاجرُ ثمَّ قالَ انزل فصلِّ فصلَّيتُ فقالَ أتدري أينَ صلَّيتَ، صلَّيتَ بطورِ سَيناءَ حيثُ كلَّمَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ موسى عليهِ السَّلامُ ثمَّ قالَ انزل فصلِّ فنزلتُ فصلَّيت فقالَ أتدري أينَ صلَّيتَ، صلَّيتَ ببيتِ لحمٍ حيثُ وُلِدَ عيسى عليهِ السَّلامُ ثمَّ دخلتُ بيتَ المقدسِ فجُمِعَ ليَ الأنبياءُ عليهمُ السَّلامُ , فقدَّمني جبريلُ حتَّى أمَمتُهم،،، الحديث".

لقد ربطت هذه الرحلة الأرض بالسماء، والحاضر بالماضي، والحاضر والماضي بالمستقبل،، كما ربطت تلك الرحلة ميراث الأمم السابقة من النبوة والرسالة والمقدسات بالأمة الوليدة (أمة الإسلام) لينتهج الناس منهج التسامح والتكامل والتعاون على البر والتقوى،،

فكانت سياحة روحية عظيمة على الأرض برحلة الإسراء، وفى السماء بالوصول إلى سدرة المنتهى ومناجاة رب العالمين سبحانه وتعالى التي نرددها كل صلاة !

حيث وقف الحبيب صلى الله عليه وسلم وألقى التحية " التحيات لله والصلوات والطيبات".

ورد رب العزة سبحانه وتعالى التحية:

" السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته "

ثم ردد الحبيب عليه الصلاة والسلام : " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله "

وبالطبع قطع القرآن الكريم الحجة على هؤلاء المتفلسفين المتعالين بآرائهم، بأن رحلة الإسراء غير معقوله الحدوث ! فصدر سور الإسراء بكلمة سبحان !

يعنى أن الرحلة المقدسة خرجت عن نطاق آلة العقل المخلوقة لإدراك ما بين حدود الزمان والمكان !، أما تلك الرحلة فهي خروج عن الزمان والمكان والعقل والإدراك، لأن القدرة هي قدرة الله وليست قدرة النبي محمد البشر الرسول صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى : "

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) سورة الإسراء.

لقد حقق رسول الله صلي الله عليه وسلم خلال رحلة الإسراء والمعراج الأبعاد الحضارية للأمة الإسلامية علي مستويات العبادة، والمعاملة، وبناء المجتمع المسلم .

- أما علي مستوي العبادة، فقد حقق مدلول العبودية بينه وبين ربه، فكان ( صلي الله عليه وسلم ) ربانياً كاملاً في عبوديته، كما كان عبداً كاملاً في ربانيته.

حققها قلباً وروحاً، حققها رأفة وسكينة،،،، اتضح هذا حتى في مناجاته الرقيقة قبيل رحلة الإسراء بعد تكذيب أهل الطائف له، ("اللّهُمّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي، وَقِلّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ ! أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي ؟ أَمْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي ؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك، أَوْ يَحِلّ عَلَيّ سُخْطُكَ، لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِك"[ابن هشام 1/ 420]

- وعلي مستوي المعاملة :

عرض عليه ملك الجبال أن يطبق الأخشبين علي الجاحدين والكافرين !!، فأبي !!، وقال : عسي الله أن يُخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشركْ به شيئا.

إن مقابلة السيئة بالحسنة أعظم خلق ٍنستلهمه من سيدنا رسول الله ونحن نحتفل بذكري مسراه ومعراجه إلي السماء .

- ولقد جاءت هذه الرحلة ورسول الله في خضم كفاحه لبناء مجتمع حضاري قوي، وديناً قيماً، ورسالة الإسلام التي نقلت الناس من الشرك إلي التوحيد، ومن الجاهلية إلي العلم، ومن العصبية إلي السلم والتسامح.

وفي بناء رسول الله صلي الله عليه وسلم لأمته وهو في ذروة اضطهاد الجاهلية الأولي له، ردٌ واضح وصريح ٌ علي كهنة الجماعات الإرهابية، الذين يبررون تأسيس الجماعات لنصرة الإسلام ورفعة الأمة الإسلامية !!

إن رسول الله لم يفكر في بناء وتأسيس جماعة !! تنوب عن الأمة في مهامها !!، - وكان من الممكن أن يفعل ذلك - لكنه بنى مجتمعاً راشداً عاملاً وبانياً للمستقبل ووطناً هو بمثابة السياج الذى يحمى المجتمع كما يحمى الدين، لأنه إذا ضاع الوطن ! ضاع الدين كما ضاع المجتمع!

ولهذا أسس رسول الله المجتمع الصالح الراشد الذي تحول إلى وطن صالح وبه أمة صالحة.

وكأن الله تعالي يؤهل رسوله صلي الله عليه وسلم برحلة الإسراء والمعراج لهذا الهدف، بعد ما أتم مرحلة كفاح الدعوة، ليعرج بأمته علي مستوي الأوطان إلي سماء التقدم الروحي والعلمي والحضاري.

فتنزل سورة الإسراء توضح الطريقين معاً، طريق العروج إلي الله بالصلاة، وطريق العروج الحضاري للأمة بالعمل ومقوماته.

قال تعالي : ( ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً (79)﴾

وقال تعالي : ( ۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا ) 70.

إن الكفاح لنشر الدين الصحيح ومجابهة التطرف والإرهاب، ولبناء الأوطان وتقدمها جزء من ميراث النبوة العظيم، إنها الأمانة العظيمة ( الدين والوطن )

ولن ننتصر في حربنا المفتوحة علي هويتنا الدينية والوطنية، إلا بمواجهة الإرهاب والتطرف والغلو تحقيقاً لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ : " يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُو لُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلِا لْجَاهِلِينَ "

فجاهدو ورابطو للبناء في الطريقين معاً، العروج إلى الله بالعبادة، والعروج الحضاري ببناء مصرنا المحروسة، لأن هذا هو بقية طريق الله إليه!!

اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد

الشيخ / أحمد تركي