الجمعة 14 يونيو 2024

مقالات13-3-2023 | 18:20

لم اتخيل يوما أن اتصادف ومسطول، لا تزال مشاهد السِّينما عالقةٌ في مخيلتي السَّاذجة، صَغيرا اقضي سَحابة نهاريّ أمام أفلام الأبيض والأسود، يستفزني منظر السَّكران المُستهتر في تَرنحّه ، تقلقني نظرات عينيه الزائغتين، وشعره الأسود الغارق في بحورِ "الفازلين" مَسدولا فوقَ جَبهتهِ ،مَبعثرا في فتنٍة تَجذب المعلمة صاحبة البيت، التي ما إن وجدته؛ حتى عثرت به على ضالتها، فتخلو بفتاها التلميذ غير المُدرِك، الذي حاولت لفت انتباهه بشتّى الطريق لكن دونما فائدة، فها هي الفرصة واتتها لتنال منه صبوتها.
شاهدته في السَّاحِة التُّرابية عَجَوزا على أعتابِ السِّتين، في ملامحٍ أسيوية باهتة نالتها الأيام، أشيب الرأس متُداعي القوى، مبهور الأنفاس، غارق ٌفي طُوفانٍ الرِّيالة التي بللّت صدره، يرمي بنظرة مُتلجلجة في غيرِ ارتياح، يخرج بين الحِينِ والحين أصوات تعتعة، في لَكنةٍ أسيويةٍ غامضة، ما إن يمر حتى تتبعه قهقهة صبيانيه، نفر من أبناءِ جلدته امتلأت بهم عتبة بيتٍ قديم ،لا يَعيرهم أدنى اهتمام ، يتطور الموقف فيقدم صبي أرعن على جَرِّ شكله ، لتبدأ وصلة من الرَّدحِ، تقذف الحنوك مقذوفاتها، ويعلو زبدها، يقدح الشَّرر في العيونِ فتتحرك في محاجرها بغير ِتوقف، لا تنفض المعركة قبل أن يُؤشِّر عجوزٌ مُترهِّل البطن ، غطى نصفه الأسفل بقماشة مهترئة زاهية الألوان ، في عَصبيةٍ يَتراجع المُتهور عن تَهورهِ، ليمضي صاحبنا إلى حَالِ سبيله، وكَأنَّ شيئا لم يكن، لكن العيون تخفي ما فارت به الصُّدور من غَضبٍ، تلتقط أذني المتُلهفة لترجمة كلمات  الحوار الساخن لفظة " كلب " يدلقها صاحب الشارب المفتول والبشرة العنابي مُتشفيا، بعد أن استبد به الحماس، فتناول مغرفة الطبيخ يهزها متوعدا.
بعد أسبوع صادفته في الشارع  كانَ في وضعٍ مُزري  ،يهتز اهتزاز من أصابه عارض من جان، تَهدَّمت خطواته، ما إن يخطو خطوة حتى يتراجع اختها ، تسمَّرت في مكاني، فهذه أول مَرةٍ في حياتي أراني وجها لوجه مع سكران، أهو الخوف؟ جائز ، خاصة والمكان قد هُجِرَ تماما من المارة ،تَقدَّم نحوي منفعلا حاولت تفاديه، لكَّنه لم يترك لي فرصة، فيده تنهب أنفه مرة، وتهرش عينيه مرة ، وضحكات عالية تنهال منه بلا توقف، مَصحوبة برغوةٍ لزجة تتساقط  من فمه المفتوح في بلاهٍة لتُغرق حذائه، اقترب قليلا فألقى قلنسوته الصَّفراء من فوقِ رأسهِ،  استند إلى مِرآةِ سيارةٍ صَفراء مركونة ليأخذ في تصفيفِ شعر لحيته الأشعث ، ثم عدل ياقة قميصه، استدار  لكن هذه المرة كان أشد عدوانية، أشّر بيده مهتاجا، وفي نفس واحد، قال :"هُسّ كلب"،  جاريا ناحية باب البيت لتبتلعه ظُلمة الدِّهليز العطن ،لكن قهقهته تواصلت حتى اختفت مع صريرِ باب غرفته.
بعد يومين اضطرب السكن، علا الضَّجيج ،برزت عصابة الأمس تتقدم وبيد كل عضوٍ هراوته، يهزها في عصبيةٍ وصراخ، توالت طرقاتهم ترج باب الغرفة، خَرجَ الرجل مَذعورا في ثيابِ نومه، تظهر منه أكثر مما تستر، وفي إثره فتاة عشرينية يلمع جسدها كالعاج تحت ضوء مصباح الحجرة تبكي في توسل، رصدته العيون حتى وقع في الفخ، والقوم بين شد وجذب، عرفت من بعض الخبثاء عرضهم إمَّا أن يشاركوه صيده، وإمَّا الفضيحة ، لكنه آثر الأخيرة فانهالت عليه عصيهم تمزق بلا رحمة جلده.
هجرت البيت والمكان، من خَلفِ زجاج الحَافلة  المتوقفة في الإشارة رأيته يسير في وسط الزحام ،لم يتَغيَّر منه شيء ،حَتىَّ عينيه في لجاجتهما القديمة ،توقَّف قبالتي ليعبر الطريق، انكمشت مذعورا في الكرسي منزويا، سرت في جسدي قشعريرة مؤذية ،اعتدلت ثانية لأجده وقد ابتلعه الزحام وتكمل الحافلة طريقها.