الجمعة 24 مايو 2024

فلسفة الفن عند فؤاد زكريا

مقالات30-4-2023 | 14:53

عرفت البشرية منذ أقدم عصور الفكر ثلاث قيم كانت تمثل أهدافاً ينبغي أن يسعى الإنسان إلى تحقيقها في نفسه وفي العالَم المحيط به بكل ما يملك من طاقات، وهي قيم الحق والخير والجمال.

كان هذا التقسيم الثلاثي للقيم الإنسانية الكبرى مبنياً على نظرة متكاملة إلى الطبيعة الإنسانية الروحية، التي لا تكتمل مقوماتها إلا إذا كرس الإنسان حياته من أجل اكتساب الحقيقة في العلم، وتوخي الخير في التعامل مع الغير، وبحث عن الجمال في الطبيعة والفن.

وهكذا كانت هذه القيم الثلاث تناظر ثلاثة أنواع رئيسية من النشاط الروحي للإنسان: العلم والأخلاق والفن. وإذا كانت ضروب النشاط هذه جديرة بسعي الإنسان واهتمامه حتى تتكامل شخصيته، فإنها في الوقت ذاته تعبر عن ثلاثة مسالك متباينة، لكل منها طابعه الخاص، مع تضافرها جميعاً في تكوين شخصية الإنسان.

فالبحث الفلسفي في مشكلات الفن له قيمته، لا من حيث هو تحليل فكري وحسب، بل لأنه يزيد من استمتاعنا بالموضوعات الفنية، ويوسع فهمنا لها، ويفتح أمام الناقد والمتذوق آفاقاً جديدة يطل منها على ميدان الفن.

الفن قد لا يقدم لنا معلومات مباشرة، لكنه يزودنا بخبرة عميقة بالحياة، فقد يقدم لنا العمل الفني الواحد من الفهم لأنفسنا، وللعالَم والناس، ما قد تعجز عن أن تقدمه عشرات الكتب، ولكنه لا يقدم إلينا هذا الفهم بالتلقين المباشر، وإنما يوعز به في إطار شكل متكامل يتسم بالجمال ومن ثمَّ فإن الفن في تصديره للموضوع الفردي، لا يسعى إلى التعبير عن هذا الفرد لذاته، بل يقدم ما هو جوهري وأساسي فيه وفي غيره ممن يماثله من أفراد (فؤاد زكريا، آفاق الفلسفة، ص 462)

الفنان حين يقدم عملاً فنيًا صادقًا يمكن أن يكون هذا العمل في حالات معينة شاهدًا على عصره، ويمكن أن يُستخدم كوثيقة نعرف بواسطتها الكثير عن هذا العصر. فالفن الذي أنتجه أي مجتمع من المجتمعات في مرحلة من مراحل تطوره، بمثابة تسجيل ورصد للحظة من لحظات الإنسانية لها قدرة على التأثير في فترات أبعد من اللحظة التاريخية التي نشأ فيها وعبر عنها.

وعندما يتحدث فؤاد زكريا عن «حقيقة فنية» فهو لا يقصد حقائق مباشرة شبيهة بما يقدمه لنا العلم، ولكن ما يقصده هنا ما نتعلمه عن الحياة والعالَم والإنسان من خلال الأعمال الفنية التي تكشف لنا حقائق لم نكن منتبهين لها وتكون الحقيقة غير مباشرة، ولا تُقَدِّم لنا على هيئة سرد، بل حقيقة يُوْعِز بها العمل الفني دون أن يقدمها صريحةً، فالتعبير الصريح عن هذه الحقيقة يُضْعِف من تأثيرها، ويقلل من قيمة العمل الفني الذي تتجسد فيه، ومن هنا كان الفن الذي يحاكي الواقع محاكاة مباشرة هو فن ضئيل الشأن. (فؤاد زكريا، آفاق الفلسفة، ص 461)

إن الوظيفة الحقيقية للفن تتمثل في الاستقلال وانتقاء عناصر معينة من الواقع دون نسخه أو محاكاته كما هو.

يقول فؤاد زكريا:

«إن الفن يزداد اقترابًا من أعماق الواقع كلما ابتعد عنه، وتلك في الحق الفلسفة التي ترتكز عليها كثير من الاتجاهات الفنية الحديثة. ففي فن التصوير، مثلاً، من الممكن أن يقدم لنا المصور صورة لوجه إنسان تحتل العين مساحة كبيرة، ولا تقع في مكانها الطبيعي، وبالنسبة لنا يبتعد المصور عن الواقع ابتعادًا شديدًا، لأنه لا يحافظ على العمق وقواعد المنظور في وضع الوجه، ولكن هنا يريد المصور أن يُظْهِر لنا رؤيته، كما يشعر بها في أعماقه، لا كما يراه الناس، ومن ثمَّ فهو يعبر بهذا الابتعاد عن حقيقة أعمق بكثير من تلك التي يعبر عنها من يصور الوجه بشكل موضوعي لا يتضمن رؤية ذاتية خاصة. (فؤاد زكريا، آفاق الفلسفة، ص 461)

يقول فؤاد زكريا:

«إننا نعترف أن موضوعات الفن جزئية بمعنى أن الكاتب مثلاً يرسم في روايته شخصية فردية محددة، لها اسم معين وطبيعة خاصة، وظروف معينة في الحياة. ولكن الفنان كثيرًا ما يتناول، من خلال الشخصية الجزئية نمطًا عامًا، يمثل الفكرة بأسرها، ولا تحققها الجزئي في هذا الفرد أو ذاك. فحين يعرض الفنان شخصية معينة، قد يعرض لنا من ورائها أنموذجًا كاملاً للإنسان ذاته. (فؤاد زكريا، آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة، ص 270)

والفن من حيث هو ظاهرة إنسانية لا يقل أهمية عن العلم أو عن الأخلاق في تحقيق التكامل النفسي والاجتماعي للإنسان. وإنه لمن العبث أن تعقد الموازنات بين نشاط الإنسان في ميدان العلم ونشاطه في ميدان الفن بغية تفضيل أحد جانبي هذا النشاط على الآخر، فالحياة الإنسانية وحدة متكاملة مع تعدد جوانبها، وهي كيان حي معقد لا يتحقق وجوده إلا بتوفير كل وظائفه. والأمراض التي تنتاب الإنسانية – إذا جاز لنا استخدام هذه العبارة – إنما تنشأ من انعدام التعادل بين جانبي هذا النشاط المتكامل.  

د. حسين علي - أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بآداب عين شمس