الجمعة 14 يونيو 2024

نايبك من الدنيا صبر

مقالات17-5-2023 | 22:02

"خدي نايبك من الدنيا صبر يا أستاذة" ... هكذا حدثني أحد العاملين بوحدة مرور النزهة حينما كنت أجدد رخصة سيارتي منذ فترة، وأنا التي اعتزمت وقتها على المضي قدماً في خوض تجربة إجراءات التجديد وحدي تماماً دون أي دعم أو توصية أو حتى مساعدة من والدي الغالي -رحمه الله- وهو رفيقي المعتاد في كل المواقف، إلا أنني آثرت راحته، وأردت التعامل كبنت أبيها التي تخوض المعارك منفردة، وتأتي بالنتيجة من فم الصعاب خاصة بالنسبة للفتيات، ولا سيما في المواقف التي يسيطر عليها الفكر الذكوري.

فحدث وأن ذهبت مبكرة كما عودني أبي إنجازاً للمصالح واستغلالاً للوقت والجهد، وتنقلت بين الدورين الأرضي والأول، ومكان الفحص، وشبابيك الدفع والاستلام، حتى أن كنت قد بدأت أفقد هدوءي وتوازني النفسي، وهنا تدخل عامل الفحص ناصحاً لي بتلك الجملة العظيمة محل التأمل.

وعليه، وبعد أن أنجزت كافة إجراءاتي وخرجت من وحدة المرور، وبدأت التأمل في حكمة المقولة، وأنا التي أمتلك سيارة أقوم بتجديد رخصتها، وأمتلك صحة وستراً، وأهلاً وعملاً وبيتاً، وفيضاً من النعم التي قد لا تتاح للملايين على وجه البسيطة، وفي نفس الوقت قد لا أمتلك ما يملكه غيري بأضعاف قدر تخيلي، ولكنها الحكمة الإلهية، وهو ما لا يعني أن الله حاشاه غير عادل، بل أن الله ودود عظيم، رحمن رحيم، عليم حكيم، رزق الجميع بقدر سواء لكن بأشكال مختلفة من النعم.

وبقدر بساطة المظهر الذي بدا عليه العامل، بقدر الدرس العظيم الذي تعلمته في هذا اليوم، ليس فقط بمعيار الكلمة التي خطفت عقلي، ولكنه أيضاً بمعيار استباق الحكم على الأشخاص من هيئتهم، وها أنا أذكر نفسي للمرة المائة، بألا أعود إلى فعلتي السخيفة مرة أخرى، فأكم من المرات التي منتحتي فيها الحياة أناساً تكسوهم علامات البساطة في مظهرهم، وأبهروني فيما بعد بتصرفهم وحكمتهم بل وعلمهم في كثير من الأحيان.

من هذا المنطلق، ووفقاً لما صاغه لي هذا العامل في مقولة بسيطة تلخص فقه الدنيا في كلمات معدودة، أن لكل إنسان نصيباً من الدنيا، وأن الصبر قاسمنا المشترك شئنا أم أبينا، فإن صبرتم أجرتم وأمر الله نافذ، وإن ضجرتم كفرتم وأمر الله نافذ.