الثلاثاء 16 ابريل 2024

متى تصهل الخيلُ؟

مقالات26-10-2023 | 17:03

كم من مرةٍ حدثتْ فجيعةٌ أو نزلتْ نازلةٌ في بلاد العرب ولم ترتفع أصواتُهم تستدعي تاريخهم المشرق ..؟!! أَجَلْ ... قلتَ -وأعني ما أقول -ارتفعت أصواتهم لاستدعاء الصفحات السالفة ..!! يتشنَّجون كثيراً ، وتتدحرج الأقدام دونما يدرون إلى كهوفٍ ذات جدرانٍ رطبةٍ تتألَّف أحجارها من مفردتين متكررتين هما-كنا..وكانوا-!! لقد اعتادت الآذان سماع تلك الحكايات من قبيل الرغبة في إشعال النفوس وتأجيج المشاعر إلا أنك ترى ماثلاً أمام عينك ما قاله الفارس العربيِّ "عمر بن معد يكرب الزبيدي" (لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيَّاً/ولكن لا حياةَ لمن تنادي)، ويأتي هذا التركيب الصادم النافي أيَّةَ صورةٍ للحياة تتوافر فيمن تناديه"لا حياة لمن تنادي"، ولعلك تتصور نفْيَّ الحياة مقصوراً على الحياة المادية فحسب..!! إن هذا التركيب الصادم يتجاوز الحدود اللغوية لمفردة"الحياة" بمدلولها البيولوجي إلي معنى أفدْح ؛ هو فقدان الإدراك والشعور أي أن من توَجَّهون لهم النداء لا يُعيرون الموضوع اهتماماً ، و لا يصدر منهم أيَّةُ ردة فعلٍ ، وعادةً ما يُستعمل هذا التركيب الصادم عند عامة العرب استعمالاً شعبياً تعبيراً عن السخط الحاصل تجاه أيَّ أحدٍ عربياً كان أم غير ذلك .. فمثلاً من-يضمهم مسمى الدول الكبرى- ويأمل العرب منهم تصرُّفاً حقيقياً وجاداً في موقفٍ تستحق الإنسانية فيه تغليباً لمبادئها حتى وإن كنا في حربٍ ، ليَعْقُبَ هذا البيت بيتٌ أكثرُ فداحةً لا تملك معه إلا أن تَنْفُضَ يديك من أضغاث الأمل (ولو نارٌ نفخْتَ بها أضاءت/ولكن أنت تنفخ في رماد)..!!                                           

وما من مرَّةٍ أسمع فيها أحبالاً صوتيةً جَشَّاءَ -تناسب غلظتُها قسوةَ ما نمرُّ به من كوارث-تُكرِّر ما ألفنا سماعه من أثر صرخة المرأة العربية التي استصرختْ نخوة العرب جميعاً ... أقول ما من مرَّةٍ أسمع ذلك مقترناً بأبيات "حبيب بن أوس الطائي"المُكنَّى ب"أبي تمام"(السيف أصدق أنباءً من الكتب/في حدِّه الحد بين الجد واللعب)"إلا وتفترش صفحةَ عقلي القصيدةُ الشهيرةُ "أبو تمام وعروبة اليوم"لشاعر اليمن الكبير"عبد الله البردوني". حيث لم ينْظُم تاريخاً ، إنما جاءت قصيدته من منطلقات ما نحياه الآن : لقد سفَّه حضارةالغرْب الزائفة ، وإن ادَّعوا الرقيَّ ؛ فقد اغتصبوا الأرض وصدَّروا الموت (قالوا: همُ البشرُ الأَرْقَى وَمَا أَكَلُوا/ شيئاً ..كما أكلُوا الإنسانَ أو شَرِبُوا)، ويروي"البردوني"ل"أبي تمام"مآل العرب حاضراً بعدما (عادت(علوج)الروم فاتحةً) بشتى ألوان التحكُّم الاقتصادي والثقافي ودعاوى الفوضى الخلَّاقة ومحاولة تفتيت الأوطان باسم ثورات الربيع العربي ولعل السؤال الحقيقي ..أفطنت الكثير من الأقطار العربية لما يُدبر من دسائس ..؟!! أم لم يكن منهم سوى افتعال الغضب وخطبٍ جوفاء ..؟!!،إن الاستعدادَ التامَ وإعدادَ الجيوش والوعيَ بما يترصَّدنا من أخطار الطريقُ الوحيدُ فقط للحفاظ على مقدَّراتنا ومكتسباتنا ، وليس قتال الأبواق الصامدة !!                                             

ويتطرَّق"البردوني"إلى محاولات الدول الكبرى الحثيثة لاستنزاف الثروات العربية ، وإلهاءِ العرب بصراعاتٍ جانبيةٍ للحيلولة دون حدوث الوحدة العربية ... آه لو أدرك العرب قيمتها وما لديهم من أوراق الضغط ..!! إذن لَوَقَفَ العالم على أطراف أصابعه !! أليس ذلك ما حدث في نصر أكتوبر المجيد .. أجل كان للعرب خيمةٌ واحدةٌ وقرارٌ واحدٌ ، ويتحيَّر"البردوني"أأنسابُ العرب غيرُ أنساب أجدادهم ؟ أم أن العرب تناسوا عرقهم الذهبي ..؟!! (ماذا ترى يا (أبا تمام) هل كذبتْ/أَحْسَابُنا..أو تناسى عرقَه الذهبُ)!! فعرب اليوم لا علاقة لهم بزمن"أبي تمام"(فعروبةُ اليومِ أُخرى لاينمُّ على وجودِهَا/اسمٌ ولا لونٌ ..ولا لقبُ)،إن أجدادنا ببضعة آلافٍ واجهوا أعظم إمبراطورتين آنذاك -الفرس والروم- .. واجهوا الروم في معركة"أجنادين"بما لايزيد عن أربعين ألف مقاتل ، واستطاعوا هزيمة"هرقل" وسْط ما يزيد عن مائتين وعشرين ألف جندي مدجَّجين بكل العتاد ، وينهون أحلام "هرقل"في الشام ومصر إلى الأبد ، واليوم تجاوز العرب أكثر من أربعمائة وخمسين مليونا يستطيعون فرْضَ إرادتهم ، وأن يسمع العالم كلمتهم ..!!                                                                                                                                                                                                 

إن"البردوني"يرى أن ما يصفه من فصول المأساة يشعل أسئلةً في عين"أبي تمام"،ويخشى من هوْل البوح (وما تزال بحلقي ألف مُبْكيةٍ/من رهبة البوح تستحييِّ وتضطَّربُ) ...!! إلا أنه مُفْعَمٌ بالأمل في الختام (سحائب الغزو تشوينا وتحجبنا/ يوماً ستحبل من إرعادنا السحبُ)..!! وتنتهي قصيدة البردوني"أبو تمام وعروبة اليوم" ولا تنتهي ..!!، إننا يجب ألا نعوِّلَ كثيراً على الدول الكبرى لأنهم لا يرون إلا بعينٍ واحدةٍ ، وإن الأقوياء فقط يملكون تطبيق قوانينهم ، إن كلمة المشير (أبو غزالة)-القائد العام لقواتنا المسلحة آنذاك- في حَفْل تخرُّج دُفْعَتي ثمانينات القرن الماضي من كلية الضباط الاحتياط لم تزل يتردَّد صداها في نفسي وتُثْبِت الأحداث الجارية صِدْقَها ( إن الضعف يُغري بالعدوان !!) ليظل السؤال قائماً لا يفارقني طَرْفةَ عينٍ مثلما لا يتوقَّف نزيف دمائنا ...!! أقد اقترب اليوم الذي ترى أعيننا استعادة مقدساتنا ..؟! أم أنناقد وصمتْنا عقوبةُ أننا عرب ...؟!! مثلما تقول قصيدةُ ( إلحاح) للشاعر"أحمد مطر":
ما تهمتي؟
تهمتك العروبة
قلت لكم ما تهمتي؟
قلنا لك العروبة.
يا ناس قولوا غيرها .. أسألكم عن تهمتي..
ليس عن العقوبة!