الثلاثاء 25 يونيو 2024

صندوق السعادة المسحور

مقالات24-11-2023 | 22:32

وتعود بي الذاكرة إلى مرحلة الطفولة مرة أخرى تطالبني وبإلحاح شديد أن أبقى هناك حتى أتمكن من وصف المشهد بدقة قدر الإمكان؛ في تلك الأيام كانت الحياة أبسط بكثير مما هى عليه الآن، كانت النوايا طيبة والقلوب حنونة تتسع لاحتضان الكون بأكمله؛ فالإنسانية كانت هى العرف السائد والممتد إلى أبعد مكان؛ اقتصرت في هذا الوقت وسائل الإعلام المتواجدة داخل بعض المنازل على جهازين فقط بينما بقيت الأغلبية الساحقة منها لا تمتلك سوى جهازًا واحدًا منها وهو جهاز الراديو. 

في كل يوم من أيام شهر رمضان وعلى وجه التحديد عقب تناول طعام الإفطار في منزل العائلة الذي يقع بالقرب من حي القلعة كان الأطفال يتجمعون داخل شقة أحد أعمامي الذي بسط الله عليه من رزقه وتمكن حينها من شراء جهاز التليفزيون، لقد كان هذا حدثًا غير اعتيادي؛ فأغلب الناس كانت لا تمتلك ثمن هذا الجهاز ومع هذا فإن أغلب البيوت كانت متخمة بالشعور بالرضا والاكتفاء. 

أعود إلى الأحداث مرة أخرى لأتحدث عن البسط المصنوعة من الصوف التي كانت منتشرة في تلك الأيام كانت تسمى بالأكلمة، ومفردها "الكليم" كان الكليم المصنوع من الصوف يعد خشنًا نوعًا ما، لكنه كان حانيًا علينا حين كنا نجلس عليه في نظام. 

تتعلق أنظارنا وتتطلع لانتظار تلك اللحظة التي ستمتد فيها يد عمي وتدير مفتاح هذا الجهاز، هذا الصندوق المسحور الذي تضاء شاشته الصماء ببطء عقب اتصاله بالتيار الكهربائي، ثم تتحرك بعدها الصور كساحر قدير يقدم ما في جعبته من أشياء ليبهر بها عيون جمهوره. كانت المشاهد التي تبدو عادية الآن تنجح في اختطاف أنظارنا وتسعد قلوبنا الرقيقة أيما سعادة، أما عن مزامنة الصورة للصوت فكانتا تطغيان علينا وتصنعان تلالًا من الدهشة والانفعال، فنردد بداخلنا جملة واحدة من دون كلام: "يا إلهي إن هذا درب من خيال".

نشاهد معًا ما يعرض من فوازير ومسلسلات وإعلانات كان أغلبها مدعومًا برسوم متحركة تفجر معها الضحكات، ضحكات حلوة ممتلئة ببراءة وحياء، كانت قلوب الكبار تضمنا في حنان، تحتضن طفولتنا البريئة وتسعد بمجيء هذا الحشد من الأطفال في كل يوم وفي توقيت كهذا دون شكوى، بل أنها كانت تمرر لنا بين الحين والآخر بعض الحلوى والمشروبات بكل رضًا بكل شعور بالمحبة والاهتمام. 

كنا نعمل بالوصايا ونطبق الإرشادات التي كانت توجهنا إلى ضرورة اتباعها والعمل بها أمهاتنا الفضليات، حين كانت تدعونا إلى الحفاظ على الهدوء والالتزام بالجلوس في المكان المخصص لنا وعدم التحرك إلا باستئذان مسبق تحثنا على التحدث بصوت خفيض لعدم إزعاج الجيران، فالاحترام كان يدرس في البيوت قبل المدارس والرقي كان سلوكًا فطريًا في هذه الأيام، وإن سألتموني عن السبب سأجيبكم بجملة واحدة: "لقد كانت الطاعة لنا عنوان".