الثلاثاء 25 يونيو 2024

هل تخرج فلسطين من تحت الأرض

مقالات26-11-2023 | 13:45

كثر الحديث عن مرحلة ما بعد حماس وهنا أفهم أن يكون الحديث عن التحول إلى المؤسسية والدولة القادرة على العمل على سطح الأرض والانتقال من مرحلة العمل الميليشياوي التي كانت تحمل هدفا واحدا وهو إجبار المحتل على الإقرار بالكلفة الباهظة لاستمرار تجاهل الحق الفلسطيني أو صعوبة القضاء على وجود مقاومة قادرة على تنغيص حياته وإرباكه وقد تحقق ذلك بلا شك في أعقاب عملية 7 أكتوبر.

إن  الأصعب هو البدء وبسرعة في تشكيل ذراع سياسية فلسطينية قادرة أن تستفيد من ذلك الزخم الدولي المتعاطف مع القضية، وبالطبع لابد أن ندرك أن أطرافا إقليمية كإيران لا ترغب في تحول الساحة الفلسطينية المبعثرة إلى جبهة واحدة تتمتع بظهير دولي لأن هذا بالطبع يعني تخليها عن نفوذها في المنطقة والتي توظفه لصالح أجندة خاصة بات الجميع يدرك أهدافها.

إن المراقب لمصر ودورها منذ اندلاع الأزمة في غزة يدرك وبوضوح عمها الدؤوب على استمرار إبقاء القضية في إطار دولي مستند إلى شرعية بنيت بصعوبة وحاولت إسرائيل طوال الوقت إلى هدمها وتصوير عربدتها على أنها دفاع عن النفس ضد هجوم إرهابي وهو ما بات من الماضي ولا يمكن البناء عليه في أي تحرك إسرائيلي مستقبلي من هنا كان الرئيس السيسي حريصا على استباق كل الأطروحات التي عزم الاحتلال على تسويقها فأحبط تصوير المقاومة على أنها إرهاب منبها المجتمع الدولي إلى الظروف التي أدت إلى التحرك المسلح الذي اندلع في 7 أكتوبر.

كما أحبط رغبة إسرائيل في تحويل غزة إلى هايد بارك وتفريغها من أهلها وبالتالي انتهاء الصراع وإماتة القضية فلا أرض دون شعب ثم انتقل الرئيس السيسي في عمل دبلوماسي مكثف لتكوين قناعة دولية لتبني حل مستدام قائم على حل الدولتين، وهو ما نجحت فيه الدبلوماسية المصرية وهو ما حصر إسرائيل في الركن كما يقولون لتتحول إلى سياسة استدعاء السفراء احتجاجا على الإجماع الدولي على ضرورة إنهاء الوضع الحالي ودوافعه بإعطاء أصحاب الحق حقهم وتهيئة بيئة يعيش فيها الفلسطينيون أحرارا.

ثم انتقلت مصر من حل الدولتين إلى ضرورة الاعتراف المباشر بدولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وهو ما بدأت بإعلان بعض الدول بشكل منفرد رغبتها في اتخاذ هذه الخطوة ما يعني أن الحصار على إسرائيل يزداد ويشتد وأن هروبها باستخدام القوة المفرطة لن يجدي ولن يكسبها مزيدا من الوقت.

إن معركة الفلسطينيين آتية ولم تنته فالصراع المسلح هو أيسر حلقاتها وقد آن الأوان إلى البحث عن بديل سواء على الساحة الفلسطينية أو على الساحة الإسرائيلية فلم يعد العالم مستعدا لتحمل جولات صراع صفري لا يسفر إلا عن مزيد من القتل والتدمير.

إن التحول من العمل الميلشياوي إلى العمل المؤسسي الدولي هو أصعب اختبار يجب أن يستعد له الفلسطينيون وأن شرعنة سلاح المقاومة هو أسمى هدف يمكن العمل من أجله فلا استقرار في القضية دون شعور الطرفين بقدرة كل منهما على إيذاء الآخر، أما البقاء في خانة المقاومة من أجل المقاومة والحرب من أجل الحرب فهي مزيد من إضاعة الفرص ومنح المحتل ساحات للتحرك وفق أجندته التوسعية التي باتت اليوم محل شك كبير.

إن مصر اليوم بثقلها في المنطقة وسمعته البيضاء في التعامل مع القضية قادرة على قيادة ذلك التحول وبجدارة بما تملكه من خبرات عريضة في التعامل مع إسرائيل منذ حرب 48 وحتى اليوم كما تستطيع بما تملكه من رصيد دولي هائل أن تمرر ما قد يستطيع المحتل تعطيله وبقي أن تغادر المقاومة بركة التخوين التي تضعها سدا بينها وبين كل يد راغبة في أن ينتقل الفلسطينيون من البقاء تحت الأرض وحلمهم حبيس في الصدور إلى العمل كشريك دولي يحظي بحقوقه محاصرا لعدوه محبطا لأهدافه ورويدا رويدا تتحول الساحة الفلسطينية من محطة لتصفية الحسابات الإقليمية إلى ساحة مستقلة قوتها ذاتية غير خاضعة لرغبة هذا أو تلك وساعتها تموت إسرائيل، وتنكمش فالسلام هو الخطر الحقيقي الذي يهدد الكيان الإسرائيلي ويخنقه إلى أن يأتي وعد الآخرة وهو حق لا يقبل الشك ولو كره الكارهون.